مفتي السعودية يدعو القوات إلى «بذل النفس».. والحوثيون يلوحون بتصعيد بري على الحدود
دخل التصعيد بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن مرحلة أكثر حساسية، بعدما أصدر مفتي عام المملكة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان بيانًا شديد اللهجة دعا فيه القوات المرابطة على الحدود إلى الاستعداد الدائم للدفاع عن المملكة، بالتزامن مع حديث مصدر عسكري حوثي عن احتمال توسع المواجهة البرية إذا استمر التصعيد.
وجاء بيان المفتي بعد أسابيع شهدت هجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية، مقابل غارات سعودية داخل اليمن، وسط تساؤلات متزايدة بشأن احتمال اتساع العمليات العسكرية البرية.
ماذا قال مفتي السعودية للقوات على الحدود؟
وجّه الشيخ صالح بن فوزان الفوزان رسالته إلى القوات السعودية المرابطة على الحدود، مؤكدًا أن حماية أراضي المملكة والتصدي لأي اعتداء عليها من الواجبات الكبرى.
ودعا الجنود إلى الاستعداد المستمر لتنفيذ مهامهم وطاعة القيادات العسكرية، وربط مهمتهم بالدفاع عن المملكة ومقدساتها. كما اعتبر إعادة بسط سلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا على كامل الأراضي اليمنية من «أوجب الواجبات».
ويحمل البيان أهمية خاصة لكونه صادرًا عن مفتي عام السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء في توقيت تشهد فيه الحدود الجنوبية تصعيدًا عسكريًا ملحوظًا. وتؤكد وكالة الأنباء السعودية أن صالح الفوزان يشغل حاليًا منصب مفتي عام المملكة.
لماذا وُصف البيان بأنه نادر؟
وصفت رويترز البيان بأنه رسالة نادرة وقوية اللهجة، مشيرة إلى اعتماده بصورة واسعة على النصوص الدينية المرتبطة بالدفاع والتضحية، في وقت تتصاعد فيه المواجهات مع الحوثيين.
وتأتي الرسالة أيضًا وسط خطاب سعودي متزايد يركز على حماية الأراضي والمقدسات، بعد اتهامات رسمية للحوثيين بمحاولة استهداف مدن ومنشآت داخل المملكة.
وكان مجلس التعاون الخليجي قد أدان، في 24 سبتمبر، إطلاق صواريخ باليستية باتجاه الطائف وينبع، مؤكدًا دعم حق السعودية في حماية أمنها وسيادتها.

الحوثيون يلوحون بتصعيد بري
على الجانب الآخر، نقلت تقارير صحفية عن مصدر عسكري حوثي لم يُكشف عن اسمه حديثه عن احتمال توسع المواجهة على الحدود السعودية اليمنية إذا استمرت العمليات العسكرية.
ووصل المصدر، بحسب ما نقلته وكالة «معًا» عن صحيفة «الأخبار» اللبنانية، إلى الحديث عن احتمال وصول التصعيد إلى تهديد مدينة سعودية رئيسية. ويظل ذلك تهديدًا منسوبًا إلى مصدر حوثي مجهول، وليس إعلانًا رسميًا مثبتًا عن عملية عسكرية محددة.
وهذه النقطة مهمة؛ إذ لا توجد حتى الآن معلومات مستقلة تثبت وجود خطة حوثية معلنة للسيطرة على مدينة سعودية.
باب المندب يغير حسابات المواجهة
يتزامن هذا التصعيد مع تغيرات ميدانية كبيرة داخل اليمن.
وتقول رويترز إن القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية فقدت السيطرة على منطقة باب المندب لصالح الحوثيين قبل نحو أسبوعين، في تطور يزيد حساسية المواجهة نظرًا للأهمية الاستراتيجية للممر البحري.
كما أفادت تقارير ميدانية بأن الحوثيين تقدموا خلال سبتمبر في الساحل الغربي ووصلوا إلى مناطق قريبة من المضيق، بينما اشتدت المواجهات في تعز والجوف ومأرب.
لماذا يمثل باب المندب أهمية للسعودية؟
باب المندب ليس مجرد جبهة عسكرية يمنية؛ فهو أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وأي توسع للعمليات حوله قد ينعكس على حركة السفن والتجارة وصادرات الطاقة، وهو ما يرفع أهمية التطورات العسكرية هناك بالنسبة للسعودية ودول المنطقة والأسواق العالمية.
ومن هنا، فإن انتقال الحوثيين إلى مواقع أكثر قربًا من الممر البحري يضيف بُعدًا استراتيجيًا إلى المواجهة، يتجاوز الحدود اليمنية الداخلية.
هل تستعد السعودية لعملية عسكرية أوسع؟
لا يوجد حتى الآن إعلان سعودي رسمي عن بدء عملية برية واسعة جديدة داخل اليمن.
لكن رويترز أشارت إلى أن تطورات الأسابيع الأخيرة دفعت مراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت الرياض قد تتجه إلى عملية أكبر بالتنسيق مع القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وفي الوقت نفسه، أكدت السعودية ومصر وتركيا وباكستان هذا الأسبوع حق المملكة في الدفاع عن نفسها، ودعت إلى الحفاظ على أمن الملاحة والسعي إلى تسوية سياسية للأزمة.
السعودية تبحث دعم حلفائها
وفي مؤشر آخر على حساسية الوضع، ذكرت صحيفة «الأخبار» اللبنانية أن السعودية وتركيا وباكستان تعتزم عقد اجتماع رفيع المستوى لبحث سبل دعم المملكة في مواجهة الهجمات الحوثية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تعزيز الرياض دفاعاتها في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسط تصاعد الهجمات على العمق السعودي خلال الأسابيع الماضية.
من الصواريخ إلى احتمال المواجهة البرية
حتى الآن، تركز الجزء الأكبر من التصعيد المباشر بين السعودية والحوثيين على الصواريخ والطائرات المسيّرة والغارات الجوية.
لكن الحديث الحوثي عن الحدود، إلى جانب بيان مفتي السعودية الموجه بصورة مباشرة إلى القوات المرابطة، يعكس انتقال الاهتمام بصورة متزايدة إلى احتمالات التصعيد البري.
ولا يعني ذلك أن حربًا برية واسعة أصبحت حتمية؛ إذ ما زالت التحركات العسكرية والسياسية قابلة للتغير، كما تستمر محاولات دبلوماسية إقليمية للحد من اتساع المواجهة.
ماذا يكشف بيان مفتي السعودية؟
يمكن قراءة البيان في ثلاثة أبعاد.
الأول معنوي وعسكري، إذ يستهدف رفع معنويات القوات الموجودة على الحدود.
والثاني سياسي، من خلال التأكيد على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا واستعادة سيطرتها على كامل اليمن.
أما الثالث فهو ديني ورمزي، إذ ينقل المواجهة من إطار أمني وعسكري فقط إلى خطاب يربط الدفاع عن الأراضي السعودية بحماية المقدسات والواجب الديني.
رويترز اعتبرت أن الرسالة تأتي ضمن حضور أكبر للخطاب الديني في الرواية السعودية المرتبطة بالمواجهة الحالية مع الحوثيين.
إلى أين يتجه التصعيد السعودي الحوثي؟
المشهد الحالي يجمع ثلاثة عناصر خطرة في وقت واحد: هجمات متبادلة على الحدود والعمق السعودي، تقدم حوثي داخل اليمن قرب مواقع استراتيجية، وتصاعد الخطاب العسكري من الجانبين.
لكن ما إذا كان ذلك سيقود إلى حرب برية أوسع سيعتمد على القرارات العسكرية السعودية، وتحركات القوات الحكومية اليمنية، ورد الحوثيين، إضافة إلى مسار الوساطات الإقليمية والدولية.
وحتى الآن، يبقى الحديث عن سقوط مدينة سعودية في يد الحوثيين تهديدًا منسوبًا إلى مصدر حوثي وليس واقعًا ميدانيًا أو توقعًا مؤكدًا.


