صفقة أمريكية في ليبيا.. هل يصنع مسعد بولس حكومة موحدة أم يكرّس تقاسم النفوذ بين الشرق والغرب؟
كشفت صحيفة فاينانشال تايمز، اليوم الأربعاء، أن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، يسعى للتوسط في اتفاق لتقاسم السلطة بين الحكومتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن بولس تحدث عن خطة تهدف إلى تشكيل حكومة موحدة وتوحيد المؤسسات الليبية، بالتوازي مع دعوة شركات النفط الأمريكية إلى الاستثمار في ليبيا، في خطوة تكشف أن الملف الليبي لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الأمن والسياسة، بل من زاوية الطاقة والنفوذ الاقتصادي أيضًا.
هذا التحرك يطرح سؤالًا بالغ الحساسية: هل تفتح الوساطة الأمريكية بابًا حقيقيًا لإنهاء الانقسام الليبي، أم أنها تمنح شرعية جديدة لأطراف الأمر الواقع، وتحوّل الأزمة من صراع مفتوح إلى صفقة نفوذ مقننة؟
ما جوهر الخطة الأمريكية في ليبيا؟
تقوم الخطة التي تحدثت عنها فاينانشال تايمز على فكرة توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية في ليبيا، بدل استمرار وجود حكومتين متنافستين: واحدة في الغرب، وأخرى في الشرق.
الفكرة المعلنة تبدو بسيطة: حكومة موحدة، مؤسسات واحدة، ميزانية واحدة، ومسار اقتصادي يسمح بعودة الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في قطاع النفط.
لكن جوهر الأزمة لا يكمن في الشعار، بل في طريقة التوحيد. فليبيا لا تعاني فقط من تعدد الحكومات، بل من تعدد مراكز القوة المسلحة والمالية والقبلية والإقليمية. لذلك فإن أي اتفاق لا يعالج علاقة السلاح بالسلطة، والمال بالشرعية، والنفط بالمؤسسات، سيظل اتفاقًا هشًا قابلًا للانفجار.

مسعد بولس
أطراف النزاع في ليبيا.. من يحكم ماذا؟
أولًا: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس
في الغرب الليبي، تقف حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهي الحكومة التي تتمركز في طرابلس وتملك اعترافًا دوليًا واسعًا، لكنها تواجه انتقادات داخلية بسبب استمرار المرحلة الانتقالية وتعثر الانتخابات.
تعتمد حكومة الدبيبة على شبكة من المؤسسات الرسمية في العاصمة، وعلى تحالفات مع قوى مسلحة داخل غرب ليبيا. ورغم أنها تقدم نفسها كسلطة شرعية مسؤولة عن إدارة الدولة، فإن نفوذها الفعلي يبقى مرتبطًا بتوازنات المجموعات المسلحة في طرابلس ومصراتة ومناطق الغرب.
ثانيًا: السلطة الشرقية ومجلس النواب
في الشرق، يوجد مجلس النواب في طبرق، ومعه حكومة موازية تعرف باسم حكومة الاستقرار أو الحكومة المكلفة من البرلمان، وهي مدعومة سياسيًا من مؤسسات الشرق، لكنها لا تحظى باعتراف دولي مماثل لحكومة طرابلس.
هذه الجبهة ترى أن حكومة الدبيبة تجاوزت مدتها، وأن استمرارها في الحكم يعطل الانتخابات ويمنح الغرب الليبي سيطرة غير متوازنة على القرار المالي والسياسي.
ثالثًا: خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي
يبقى المشير خليفة حفتر الطرف العسكري الأهم في الشرق والجنوب، عبر قوات الجيش الوطني الليبي. ورغم أن حفتر لا يتصدر المشهد بصفته رئيس حكومة، فإنه يملك نفوذًا عسكريًا وأمنيًا واسعًا، ويسيطر على مناطق استراتيجية قريبة من الهلال النفطي وممرات الجنوب.
وتزداد أهمية عائلة حفتر في المعادلة الليبية، خصوصًا مع بروز أبنائه في مواقع عسكرية وسياسية واقتصادية. لذلك فإن أي خطة لتقاسم السلطة لا يمكن أن تتجاوز نفوذ حفتر، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف من تحويل ليبيا إلى نظام نفوذ عائلي مقسم بين الشرق والغرب.
رابعًا: المؤسسات السيادية.. النفط والمصرف المركزي
من أخطر ملفات الأزمة الليبية أن الدولة تمتلك ثروة نفطية كبيرة، لكن إدارتها السياسية والمالية موزعة بين أطراف متصارعة. فالمؤسسة الوطنية للنفط، والمصرف المركزي، والميزانية العامة، كلها أدوات حاسمة في الصراع.
النفط هو شريان الاقتصاد الليبي، وأي طرف يملك القدرة على تعطيل الإنتاج أو التأثير في الإيرادات يمتلك ورقة ضغط ضخمة. لذلك تبدو دعوة بولس لشركات النفط الأمريكية إلى الاستثمار في ليبيا جزءًا من رؤية أوسع: تثبيت الاستقرار السياسي بما يسمح بتدفق الطاقة والعقود والاستثمارات.

لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
التحرك الأمريكي في ليبيا لا يمكن فصله عن أربعة اعتبارات رئيسية.
الأول هو النفط. ليبيا تمتلك احتياطيات ضخمة، وموقعها قريب من أوروبا، وقدرتها على زيادة الإنتاج تجعلها ملفًا مهمًا في سوق الطاقة العالمي.
الثاني هو النفوذ الدولي. ليبيا أصبحت ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية، من تركيا إلى مصر والإمارات وروسيا وإيطاليا. لذلك تريد واشنطن منع خصومها من تحويل ليبيا إلى منطقة نفوذ مغلقة.
الثالث هو الهجرة. ليبيا بوابة أساسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وأي انهيار أمني جديد قد ينعكس مباشرة على المتوسط.
الرابع هو البحث عن إنجاز سياسي. إدارة ترامب تسعى إلى تقديم نفسها كقوة قادرة على صناعة صفقات سريعة في ملفات معقدة، وليبيا تبدو ساحة مناسبة لهذا النوع من الدبلوماسية القائمة على المصالح المباشرة.
النفط في قلب السياسة
الدعوة الأمريكية لشركات النفط للاستثمار في ليبيا تكشف أن التسوية المطروحة ليست سياسية فقط. فواشنطن تدرك أن أي اتفاق لا يصنع بيئة آمنة للاستثمار لن يكون جذابًا، كما أن أي سلطة موحدة لا تضمن استمرار تدفق النفط لن تكون مستقرة.
ولهذا يبدو أن الاقتصاد هو المدخل الأمريكي لإعادة ترتيب السياسة. بمعنى آخر: بدل البدء من الانتخابات والدستور، تبدأ الخطة من توحيد المؤسسات والميزانية والنفط، ثم الانتقال لاحقًا إلى ترتيبات سياسية أوسع.
لكن هذا المسار يحمل مخاطرة واضحة. فإذا تم توحيد المؤسسات لخدمة تقاسم السلطة بين النخب الحالية فقط، فقد تتحول الثروة النفطية إلى وسيلة لتثبيت الطبقة الحاكمة نفسها، بدل أن تكون أداة لبناء دولة موحدة.
أين تقف الأمم المتحدة؟
الأمم المتحدة ظلت لسنوات تدفع نحو مسار انتخابي ومؤسسات موحدة، لكنها اصطدمت بتعقيدات الواقع الليبي. فالانتخابات تأجلت أكثر من مرة، والخلافات حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح وتوزيع السلطة ظلت تعرقل أي اختراق حقيقي.
الخطة الأمريكية قد تُقدَّم باعتبارها مكملة للمسار الأممي، لكنها قد تُقرأ أيضًا كالتفاف عليه إذا تحولت إلى صفقة بين مراكز القوة دون تفويض شعبي واضح.
وهنا تكمن حساسية المشهد: المجتمع الدولي يريد الاستقرار، لكن كثيرًا من الليبيين يريدون الشرعية. الفارق بين الاثنين كبير. فقد يحقق اتفاق تقاسم السلطة تهدئة مؤقتة، لكنه لا يضمن بناء دولة إذا لم يفتح الطريق أمام انتخابات ومساءلة ومؤسسات مستقلة.
مخاوف من صفقة عائلية
أخطر ما يواجه أي اتفاق لتقاسم السلطة في ليبيا هو اتهامه بأنه لا يوحد الدولة، بل يقسمها بين عائلتين أو مركزين للنفوذ: عائلة الدبيبة في الغرب، وعائلة حفتر في الشرق.
هذا التصور يثير غضب قطاعات سياسية وشعبية، لأنه يعني أن من عطلوا الانتقال السياسي قد يحصلون في النهاية على مكافأة سياسية، بينما يتم تهميش الأحزاب والقوى المدنية والبلديات والمجتمع المحلي.
كما أن منح مواقع عليا لأفراد من العائلات النافذة قد يعمق فقدان الثقة في العملية السياسية، ويجعل الاتفاق يبدو كترتيب فوقي لا علاقة له بإرادة الناخبين.

موقف الدبيبة
بالنسبة لعبد الحميد الدبيبة، يمكن أن تمثل الخطة فرصة للبقاء في قلب المشهد السياسي، خصوصًا إذا ضمنت له رئاسة حكومة موحدة أو دورًا تنفيذيًا رئيسيًا.
لكن القبول بمشاركة أوسع مع الشرق يعني أنه سيضطر إلى تقديم تنازلات في الملفات المالية والأمنية. وهذا قد يضعه أمام تحديين: الأول مع خصومه السياسيين، والثاني مع حلفائه داخل الغرب الليبي الذين قد يرفضون أي ترتيبات تقلص نفوذهم.
موقف حفتر والشرق
بالنسبة لخليفة حفتر ومعسكر الشرق، فإن أي اتفاق يمنحهم اعترافًا أوسع داخل السلطة الموحدة سيكون مكسبًا سياسيًا كبيرًا. فالشرق يطالب منذ سنوات بعدم احتكار طرابلس للقرار المالي والسياسي.
لكن معسكر حفتر يريد ضمانات حقيقية تتعلق بالجيش والأمن والميزانية ومواقع النفوذ. لذلك لن يكون الاتفاق سهلًا إذا لم يمنح الشرق حصة واضحة في السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية.
موقف الشارع الليبي
الشارع الليبي مرهق من الانقسام وتدهور الخدمات وتعطل الانتخابات. كثير من الليبيين يريدون دولة موحدة، رواتب مستقرة، كهرباء، أمن، ومؤسسات تعمل دون ابتزاز مسلح.
لكن في الوقت نفسه، هناك خوف عميق من أن تكون التسوية الجديدة مجرد تمديد للمرحلة الانتقالية. فالليبيون سمعوا كثيرًا عن الحكومات المؤقتة والمسارات الانتقالية، لكن النتيجة كانت غالبًا تأجيل الانتخابات وإعادة تدوير الوجوه نفسها.
لذلك فإن قبول الشارع بأي اتفاق سيتوقف على سؤالين: هل سيؤدي إلى انتخابات فعلية؟ وهل سيحسن حياة المواطنين؟ بدون إجابة واضحة، ستبقى أي صفقة معرضة للرفض والاحتجاج.

السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: اتفاق مؤقت ينجح في توحيد المؤسسات
في هذا السيناريو، تنجح الوساطة الأمريكية في جمع الأطراف الرئيسية على حكومة موحدة، وتوحيد الميزانية، وفتح الباب أمام استثمارات نفطية، مع تعهد بجدول زمني للانتخابات.
هذا هو السيناريو الأفضل، لكنه يحتاج إلى ضمانات أمنية قوية، ومشاركة أممية واضحة، وعدم حصر الاتفاق في شخصيات محددة.
السيناريو الثاني: صفقة فوقية تكرس الأمر الواقع
هنا يتم الإعلان عن تفاهم سياسي بين الشرق والغرب، لكنه يتحول عمليًا إلى توزيع مناصب بين القوى المسيطرة. قد يخفف التوتر مؤقتًا، لكنه يقتل فرص التغيير الحقيقي، ويزيد إحباط الشارع.
هذا السيناريو هو الأكثر إثارة للقلق، لأنه يمنح الاستقرار الشكلي على حساب الشرعية.
السيناريو الثالث: فشل الخطة وعودة التصعيد
إذا رفضت قوى مؤثرة الخطة، أو شعرت مجموعات مسلحة بأنها مستبعدة، فقد يؤدي ذلك إلى توتر أمني، خاصة في طرابلس أو مناطق التماس. فليبيا ليست منقسمة سياسيًا فقط، بل أمنيًا أيضًا، وأي ترتيب لا يضمن مصالح القوى المسلحة قد يواجه مقاومة على الأرض.
قراءة تحليلية: ماذا تريد أمريكا من ليبيا؟
واشنطن لا تتحرك في ليبيا بدافع سياسي مجرد. هناك مزيج من المصالح: النفط، الحد من النفوذ الروسي، ضبط الهجرة، حماية موقع الشركات الأمريكية، ومنافسة الدور الأوروبي والإقليمي.
مسعد بولس يتحرك بمنطق الصفقات: توحيد المؤسسات، جذب الاستثمار، وخلق توازن بين القوى القائمة. هذا المنطق قد يحقق اختراقًا سريعًا، لكنه قد يتجاهل جذور الأزمة إذا لم يربط الاتفاق بمسار انتخابي واضح.
فليبيا لا تحتاج فقط إلى حكومة واحدة، بل تحتاج إلى قواعد لعبة جديدة. حكومة موحدة دون شرعية انتخابية قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تنهيه.
واشنطن وهندسة التسوية في ليبيا
الخطة الأمريكية التي كشف عنها تقرير فاينانشال تايمز تمثل تحركًا مهمًا في الملف الليبي، لأنها تعكس عودة واشنطن إلى محاولة هندسة تسوية بين الشرق والغرب، ليس فقط عبر الدبلوماسية، بل عبر النفط والاستثمار وتوحيد المؤسسات.
لكن نجاح هذه الخطة سيتوقف على قدرتها على تجاوز منطق الصفقة الضيقة إلى منطق الدولة. فإذا كانت النتيجة حكومة موحدة تقود إلى انتخابات ومؤسسات شفافة، فقد تكون بداية انفراجة. أما إذا كانت مجرد تقاسم للسلطة بين القوى النافذة، فستكون ليبيا أمام هدنة جديدة لا سلام حقيقي.


