«الجبناء أخلاقيًا».. هل تحول خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة إلى واقعة سب علني؟
أثار خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة موجة جديدة من الجدل، بعدما وصف عشرات المندوبين الذين انسحبوا من القاعة بأنهم «جبناء أخلاقيًا»، في عبارة جاءت في مستهل كلمته أمام قادة وممثلي دول العالم. وأكدت تقارير صحفية أن عشرات المندوبين غادروا القاعة مع صعوده إلى المنصة، استجابة لدعوات احتجاج على الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية.
وبدأ نتنياهو كلمته بقوله، في ترجمة مباشرة للعبارة: «إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيين آخرين لم يغادروا هذه القاعة بعد، فالرجاء أن يفعلوا ذلك الآن». كما تضمن النص الكامل للخطاب، الذي نُشر باعتباره صادرًا عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، العبارة نفسها في افتتاح الكلمة.
هل كانت العبارة معدة مسبقًا؟
إدراج العبارة في النص المنشور للخطاب يؤكد أنها أصبحت جزءًا من الصيغة الرسمية للكلمة، لكن ذلك وحده لا يكفي قانونيًا لإثبات توقيت كتابتها قبل صعود نتنياهو إلى المنصة ما لم تتوافر نسخة موثقة مؤرخة مسبقًا من المسودة.
المؤكد أن العبارة لم تكن مجرد وصف نقلته الصحافة بعد الواقعة؛ فقد نطق بها نتنياهو علنًا، ووردت كذلك في النص الكامل المنشور لاحقًا.

انسحاب جماعي لحظة صعود نتنياهو
شهدت القاعة مزيجًا من التصفيق وصيحات الاستهجان والانسحاب الجماعي مع توجه نتنياهو إلى المنصة، فيما ذكرت تقارير أن غالبية المقاعد بدت فارغة بعد خروج عدد كبير من المندوبين.
وكانت البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة قد شجعت الوفود على الانسحاب احتجاجًا على السياسات الإسرائيلية والحرب في غزة.
من الاحتجاج إلى الإهانة المباشرة
بدل الاكتفاء بالتعليق السياسي على مغادرة الوفود، اختار نتنياهو توجيه وصف مباشر لهم باعتبارهم «جبناء أخلاقيًا»، ثم اتهم عددًا من الدول التي انتقدت إسرائيل بالنفاق، مدعيًا أن بعضها يشكر إسرائيل سرًا على عملياتها ضد إيران.
وهنا انتقل الخطاب من الدفاع عن المواقف الإسرائيلية إلى مواجهة لفظية مباشرة مع ممثلي دول أعضاء في المنظمة الدولية.
هل ما قاله نتنياهو يُعد «سبًا وقذفًا» قانونًا؟
من الناحية اللغوية والسياسية، يمكن وصف العبارة بأنها إهانة أو إساءة مباشرة للمندوبين الذين غادروا القاعة.
لكن وصفها بأنها «جريمة سب وقذف» بصورة قانونية نهائية يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة.
فالقذف في الأنظمة القانونية عادة يتعلق بإسناد واقعة محددة يمكن أن تمس سمعة شخص أو جهة، بينما وصف شخص بأنه «جبان أخلاقيًا» أقرب إلى حكم قيمي أو إهانة منه إلى اتهام بواقعة محددة.
والأهم أن اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة تمنح ممثلي الدول حصانة من الإجراءات القانونية فيما يتعلق بالكلمات التي يقولونها أو يكتبونها أثناء أداء مهامهم الرسمية في المنظمة، بهدف ضمان حرية التعبير والاستقلال أثناء ممارسة وظائفهم.
لذلك، فإن وصف العبارة بأنها إهانة سياسية علنية دقيق، أما وصفها قانونيًا بجريمة سب وقذف مكتملة الأركان فليس أمرًا محسومًا بمجرد صدورها من المنصة.
الحصانة لا تعني أن العبارة بلا أثر
الحصانة القانونية المرتبطة بالخطاب داخل الأمم المتحدة لا تعني أن الكلمات تخلو من آثار سياسية أو دبلوماسية.
فالمادة الخاصة بممثلي الدول في اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة توضح أن الحصانة مُنحت لحماية استقلال أداء الوظيفة، وليست امتيازًا شخصيًا بحد ذاته، كما تنص على إمكانية التنازل عنها في ظروف معينة من جانب الدولة المعنية.
وبالتالي يبقى تقييم العبارة سياسيًا وأخلاقيًا والدبلوماسيًا منفصلًا عن إمكانية ملاحقتها قضائيًا.
لماذا كان الانسحاب بهذا الحجم؟
لم يكن خروج المندوبين حدثًا عشوائيًا.
فقد جاءت الخطوة في ظل انتقادات واسعة للعمليات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، بينما حرص نتنياهو على استخدام خطابه للدفاع عن السياسات الإسرائيلية، ورفض اتهامات الإبادة الجماعية، كما دافع عن الحرب مع إيران وهاجم منتقديه.
وتنفي إسرائيل ارتكاب إبادة جماعية في غزة، فيما تستمر الخلافات القانونية والسياسية الدولية بشأن هذا الوصف.

عبارة تحولت إلى عنوان الخطاب
رغم أن خطاب نتنياهو تناول إيران وغزة ودولًا أوروبية وعمدة نيويورك زوهاران ممداني، فإن عبارة «الجبناء أخلاقيًا» أصبحت واحدة من أكثر الجمل تداولًا بعد انتهاء الكلمة.
والسبب أن العبارة وجهت من منصة الأمم المتحدة، ليس إلى خصم سياسي واحد، بل إلى مجموعة من ممثلي الدول الذين اختاروا التعبير عن موقفهم بالانسحاب من القاعة.
وبهذا تحولت اللحظة من مجرد احتجاج دبلوماسي إلى سجال علني على أعلى منصة دولية.
هل كان نتنياهو يتوقع الانسحاب؟
كان احتمال الانسحاب متوقعًا إلى حد كبير؛ فقد شهدت خطابات سابقة له احتجاجات داخل الجمعية العامة، كما كانت البعثة الفلسطينية قد دعت بالفعل إلى مغادرة القاعة قبل خطابه.
لذلك لا تبدو المفاجأة في حدوث الانسحاب نفسه، وإنما في الطريقة التي اختار نتنياهو الرد بها على المحتجين علنًا.


