معاريف تفتح ملف المناهج الأردنية.. وتغلق عينها عن أصل الأزمة
نشرت صحيفة معاريف العبرية تقريرًا استند إلى دراسة صادرة عن معهد رصد السلام والتسامح الثقافي في الكتب المدرسية IMPACT-se، زعمت فيه أن المناهج التعليمية في الأردن تحمل خطابًا معاديًا لإسرائيل واليهود، ولا تنسجم مع اتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين منذ عام 1994.
لكن قراءة التقرير من زاوية عربية تكشف مفارقة صارخة؛ فإسرائيل تبحث عن أسباب رفضها في الكتب المدرسية، بينما تتجاهل أن سياساتها على الأرض، من غزة إلى لبنان وسوريا، ومن الاستيطان إلى تهويد القدس، ومن الحصار إلى القتل والتهجير، هي التي صنعت هذا الرفض ورسخته في وعي الشعوب.
فكراهية الاحتلال لا تحتاج إلى درس في كتاب، ولا إلى منهج مدرسي، حين يرى المواطن العربي يوميًا صور الأطفال تحت الأنقاض، والبيوت المهدمة، والمستشفيات المحاصرة، والأراضي المنهوبة، والحدود العربية التي تُستباح باسم الأمن.
إسرائيل تسأل عن صورتها في المناهج.. ولا تسأل عن صورتها في الواقع
بحسب ما نقلته معاريف، فإن الدراسة فحصت 125 كتابًا مدرسيًا أردنيًا للعام الدراسي 2025-2026، وخلصت إلى أن عددًا منها يخالف ما وصفته بالمعايير الدولية للتسامح والسلام.
وتقول الصحيفة إن هذه الكتب تتجاهل وجود دولة إسرائيل على الخرائط، وتعرض الصهيونية بوصفها مشروعًا استعماريًا غربيًا، وتقدم اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية بصورة مرتبطة بكبح أطماع إسرائيل، لا باعتبارها إنجازًا دبلوماسيًا.
غير أن هذا الطرح يتجاهل سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن إقناع الأجيال العربية بصورة مختلفة عن إسرائيل، بينما تواصل الدولة نفسها احتلال الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وفرض الحصار، واستهداف المدنيين، وتحويل السلام إلى ورقة أمنية لا إلى عدالة حقيقية؟
من غزة إلى لبنان وسوريا.. أفعال إسرائيل تسبق أي كتاب
الرفض العربي لإسرائيل لا يولد من فراغ، ولا يتشكل فقط من خطاب تعليمي أو سياسي.
إنه يتكون من ذاكرة طويلة من الحروب والاحتلال والدمار.
في غزة، ارتبط اسم إسرائيل بالحصار والقصف والتجويع والقتل الجماعي وتدمير البنية التحتية.
في لبنان، ارتبط بالغارات والاحتلال السابق والاعتداءات المتكررة.
في سوريا، ارتبط بالقصف المتكرر وانتهاك السيادة.
وفي فلسطين التاريخية، ارتبط بالاستيطان ومصادرة الأرض وتهجير السكان ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة.
لذلك، حين تبحث الصحف العبرية عن سبب الغضب العربي في كتاب مدرسي، فهي تتجاهل المشهد الأكبر: إسرائيل نفسها تكتب صورتها في الوعي العربي بأفعالها، لا بما يقوله الآخرون عنها.

ابادة جماعية لأطفال غزة
معاريف تزعم معاداة السامية.. والخلط بين اليهودية وإسرائيل يظل الأزمة الأخطر
اتهم تقرير معاريف المناهج الأردنية بترويج ما وصفه بـ"معاداة السامية"، مشيرًا إلى أن بعض الكتب تستخدم عبارات سلبية عن اليهود، وتربطهم بصفات مثل الخيانة ونقض العهود.
وهنا يجب التمييز بوضوح: نقد إسرائيل وسياساتها وعدوانها واحتلالها ليس عداءً لليهود كديانة أو جماعة بشرية. الخلط المتعمد بين اليهودية وإسرائيل أصبح سلاحًا سياسيًا تستخدمه تل أبيب للهروب من المحاسبة، واعتبار أي رفض للاحتلال أو الصهيونية شكلاً من أشكال الكراهية الدينية.
الخطاب العربي العادل يجب أن يرفض العنصرية ضد أي دين أو قومية، لكنه في الوقت نفسه لا يجب أن يتنازل عن حقه في إدانة الاحتلال، ومقاومة التوسع، ورفض سياسات الدولة الإسرائيلية التي أضرت بالعرب والفلسطينيين لعقود.
السابع من أكتوبر في المناهج.. ومعاريف تغضب من توصيف العدوان
تقول الصحيفة إن المنهج الأردني يشير إلى أحداث 7 أكتوبر باعتبارها ردًا على الاضطهاد الإسرائيلي، ويصف الرد الإسرائيلي بأنه عدوان وحشي أدى إلى استشهاد الآلاف.
لكن ما تتجاهله معاريف أن الرأي العام العربي لا يرى 7 أكتوبر بمعزل عن سنوات طويلة من الاحتلال والحصار والقتل والاستيطان. كما لا يمكن فصل ما جرى بعدها عن حجم الدمار الواسع الذي لحق بغزة، والصور التي شاهدها العالم لأحياء سويت بالأرض، وأسر فقدت أبناءها، ومستشفيات خرجت من الخدمة، وملايين عاشوا الخوف والجوع والنزوح.
حين ترفض إسرائيل أن تُحاسب على ما فعلته، فإنها لا تستطيع أن تطالب الآخرين بتدريس روايتها وحدها.
الخرائط والاعتراف بإسرائيل.. الصراع على الأرض قبل الورق
من أكثر النقاط التي أثارت غضب التقرير العبري أن خرائط في المناهج الأردنية تظهر المنطقة بين نهر الأردن والبحر بوصفها فلسطين، ولا تذكر إسرائيل.
لكن قضية الخرائط في الوعي العربي ليست مجرد مسألة تعليمية، بل هي انعكاس لصراع تاريخي على الأرض والهوية والشرعية. فالفلسطيني الذي فقد أرضه لا يرى الخريطة كما يراها المحتل. واللاجئ الذي ينتظر حق العودة لا يتعامل مع الحدود وكأنها قدر نهائي. والعربي الذي يشاهد الاستيطان يتوسع لا يمكن أن يقتنع بأن المشكلة في كتاب مدرسي فقط.
إسرائيل تريد اعترافًا كاملًا ونهائيًا، لكنها لا تقدم في المقابل عدالة كاملة ولا حقوقًا كاملة ولا وقفًا حقيقيًا لنهب الأرض.
اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية.. سلام بارد تحت ضغط الواقع
تنتقد معاريف طريقة عرض اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل في الكتب الأردنية، وتقول إنها لا تُقدّم كإنجاز دبلوماسي، بل كإجراء مرتبط بكبح أطماع إسرائيل.
لكن الواقع أن السلام الرسمي لم يتحول إلى سلام شعبي واسع، ليس بسبب المناهج فقط، بل بسبب استمرار السياسات الإسرائيلية نفسها. فالشارع العربي لا يرى في إسرائيل جارًا طبيعيًا، بل قوة احتلال تواصل انتهاك الحقوق الفلسطينية والعربية.
السلام لا تصنعه الاتفاقيات وحدها. السلام يحتاج إلى عدالة، ووقف احتلال، واحترام سيادة، وعدم تحويل الدول العربية إلى ساحات ضغط أمني وسياسي.
معركة الرواية.. إسرائيل تريد تغيير الكتب لا تغيير سياساتها
جوهر التقرير العبري ليس فقط انتقاد مناهج الأردن، بل المطالبة بتغيير الرواية العربية نفسها.
إسرائيل تريد من العرب أن يعترفوا بها كما تريد، وأن ينسوا تاريخهم كما تريد، وأن يفصلوا بين حاضرها العدواني وصورتها في الكتب كما تريد.
لكن الشعوب لا تنسى بهذه البساطة.
لا يمكن مطالبة الأجيال العربية بتقبل إسرائيل بينما يرونها تقصف، وتحاصر، وتستوطن، وتوسع نفوذها، وتتعامل مع الحقوق الفلسطينية كعبء أمني لا كقضية شعب.
إذا أرادت إسرائيل أن تتغير صورتها في المناهج، فعليها أولًا أن تغير صورتها في الواقع.
الجهاد والاستشهاد في المناهج.. قراءة إسرائيلية خارج السياق
تحدث تقرير معاريف عن تمجيد الجهاد والاستشهاد في بعض النصوص، مستشهدًا بقصة جندي أردني قتل في معركة الكرامة عام 1968 قرب موعد زفافه.
لكن معركة الكرامة في الوعي الأردني والعربي ليست مادة للتحريض، بل رمز وطني وتاريخي لمقاومة عدوان عسكري. ومن حق أي دولة أن تحتفي بجنودها الذين دافعوا عن أرضها، كما تفعل إسرائيل نفسها حين تمجد جنودها وضباطها وتضعهم في قلب سرديتها الوطنية.
المشكلة أن إسرائيل تعتبر تمجيد جندي عربي قتل في مواجهة عسكرية "تحريضًا"، بينما ترى تمجيد جنودها جزءًا من الوطنية. هذه ازدواجية واضحة في فهم التاريخ والذاكرة والبطولة.

قصف علي سوريا ولبنان
بند المثلية في التقرير.. محاولة توسيع الاتهام
أشار التقرير أيضًا إلى أن بعض الكتب المدرسية الأردنية تتضمن محتوى معاديًا للمثلية، معتبرًا ذلك جزءًا من مخالفة معايير التسامح.
ورغم أن هذا الملف منفصل عن الصراع العربي الإسرائيلي، فإن إدخاله في التقرير يبدو محاولة لتوسيع دائرة الاتهام ضد النظام التعليمي الأردني وربطه بملفات ثقافية واجتماعية مختلفة، بما يخدم صورة أوسع يراد تصديرها عن المناهج العربية باعتبارها "غير متسامحة".
لكن جوهر الجدل هنا يبقى سياسيًا بالأساس: إسرائيل تريد أن تظهر كطرف يدافع عن التسامح، بينما تستمر في سياسات الاحتلال والقصف والحصار والتمييز.
هل المشكلة في المناهج أم في الاحتلال؟
السؤال الحقيقي ليس: لماذا ترفض المناهج العربية إسرائيل؟
السؤال الحقيقي: ماذا فعلت إسرائيل كي يتقبلها العرب؟
هل أوقفت الاستيطان؟
هل أنهت حصار غزة؟
هل احترمت سيادة لبنان وسوريا؟
هل منحت الفلسطينيين حقوقهم؟
هل توقفت عن تهويد القدس؟
هل اعترفت بالمسؤولية عن تهجير الملايين؟
طالما بقيت الإجابة بالنفي، فإن أي حديث عن تغيير المناهج سيظل قاصرًا ومبتورًا، لأنه يطلب من الضحية تعديل روايتها بينما يواصل المعتدي فعله على الأرض.
صورة إسرائيل في الوعي العربي لم تصنعها الكتب
أعادت صحيفة معاريف العبرية فتح الجدل حول المناهج التعليمية في الأردن، متهمة إياها بتغذية العداء لإسرائيل وإنكار وجودها والتحريض ضدها. لكن هذا الطرح يتجاهل أن صورة إسرائيل في الوعي العربي لم تصنعها الكتب وحدها، بل صنعتها عقود من الاحتلال والحروب والتوسع والاستيطان والعدوان على غزة ولبنان وسوريا.
إن إسرائيل لا تحتاج إلى مناهج كي يرفضها الشارع العربي؛ سياساتها كافية.
فمن ينهب الأرض، ويقصف المدن، ويحاصر الشعوب، ويصادر الحقوق، لا يستطيع أن يطالب الآخرين بأن يدرسوه كجار مسالم.
الطريق إلى تغيير صورة إسرائيل لا يبدأ من حذف سطر في كتاب مدرسي، بل من وقف الاحتلال، وإنهاء العدوان، واحترام حقوق الفلسطينيين والعرب.


