الانسحاب الأمريكي من العراق غدًا.. نهاية الوجود العسكري تفتح باب النفوذ الإيراني ومخاوف عودة داعش
تستعد الولايات المتحدة لإنهاء وجودها العسكري المتبقي في العراق بحلول الأربعاء 30 سبتمبر 2026، في محطة مفصلية تطوي مرحلة عسكرية وسياسية بدأت بالغزو الأمريكي عام 2003، وتخللها انسحاب كامل في 2011 ثم عودة القوات الأمريكية بعد ثلاث سنوات للمشاركة في الحرب ضد تنظيم «داعش».
ويأتي الانسحاب الأمريكي من العراق في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع الحرب الأمريكية الإيرانية واتساع الصراع الإقليمي، بينما تحتفي إيران وفصائل عراقية حليفة لها بخروج القوات الأمريكية باعتباره انتصارًا، في مقابل تحذيرات عراقية وكردية من احتمال اتساع نفوذ الفصائل المسلحة وظهور فراغ أمني يمكن أن يستفيد منه تنظيم «داعش».
موعد الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق
أكدت الحكومة العراقية أن 30 سبتمبر 2026 هو الموعد النهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وإتمام خروج قواته من الأراضي العراقية.
وقالت بغداد في أغسطس إن الأول من أكتوبر سيشكل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها العراق خاليًا من أي وجود عسكري أجنبي تابع للتحالف. كما أكدت مصادر أمريكية أن عملية الانسحاب تسير وفق الجدول المحدد.
وكان الاتفاق الأصلي بين واشنطن وبغداد، المعلن في سبتمبر 2024، قد وضع جدولًا انتقاليًا لإنهاء مهمة التحالف في العراق، مع استمرار دعم العمليات ضد داعش في سوريا من الأراضي العراقية لفترة انتقالية تمتد حتى سبتمبر 2026 وفق الظروف الميدانية والتشاور بين الأطراف.
أكثر من 20 عامًا من الوجود العسكري الأمريكي
دخلت القوات الأمريكية العراق في مارس 2003 ضمن الغزو الذي أطاح بالرئيس العراقي صدام حسين.
وارتفع عدد الجنود الأمريكيين في ذروة الحرب إلى أكثر من 170 ألف جندي، قبل أن تنسحب القوات الأمريكية بنهاية عام 2011.
لكن صعود تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا دفع واشنطن إلى إعادة قواتها إلى العراق في عام 2014 بناءً على طلب الحكومة العراقية، ضمن التحالف الدولي لمحاربة التنظيم.
وتقول رويترز إن نحو 4500 عسكري أمريكي قتلوا خلال الحرب والعمليات المرتبطة بالعراق منذ عام 2003.
إيران وحلفاؤها يحتفلون بخروج القوات الأمريكية
ينظر مسؤولون إيرانيون وفصائل عراقية متحالفة مع طهران إلى الانسحاب باعتباره تحولًا استراتيجيًا في المنطقة.
وقال أبو مجتبى الياسري، القيادي في ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، لرويترز إن خروج القوات الأمريكية يمثل، من وجهة نظر الفصائل، «انتصارًا تاريخيًا»، فيما رحب مسؤولون إيرانيون بالانسحاب واعتبروه خطوة باتجاه إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
لكن تقديم الانسحاب باعتباره «انتصارًا لإيران» يمثل موقفًا تتبناه طهران وحلفاؤها، وليس توصيفًا متفقًا عليه؛ فالحكومة العراقية تضع الخطوة في إطار إنهاء مهمة التحالف واستعادة السيادة الكاملة على القرار الأمني.
هل يزيد الانسحاب الأمريكي نفوذ إيران في العراق؟
هذا هو أحد أكبر الأسئلة المطروحة بعد مغادرة القوات الأمريكية.
ويرى محللون أمنيون عراقيون تحدثوا لرويترز أن خروج القوات الأمريكية يزيل عاملًا ظل لسنوات يشكل موازنًا للنفوذ الإيراني، ما قد يتيح للفصائل المقربة من طهران توسيع تأثيرها الأمني والسياسي.
وتواجه الحكومة العراقية بالفعل صعوبة في تنفيذ خطتها لحصر السلاح بيد الدولة.
وكان رئيس الوزراء العراقي قد تعهد بتفكيك أو دمج الجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدولة بحلول الموعد نفسه المقرر للانسحاب، إلا أن عدة فصائل قوية مدعومة من إيران رفضت تسليم أسلحتها.

ماذا سيحدث للفصائل المسلحة بعد خروج الأمريكيين؟
يرتبط ملف الانسحاب مباشرة بمستقبل السلاح خارج سيطرة الدولة.
وتقول بغداد إن المرحلة التي تبدأ بعد خروج التحالف يجب أن تتزامن مع حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، فيما ترفض بعض الفصائل المسلحة حل تشكيلاتها أو تسليم أسلحتها بصورة كاملة.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن جماعات، من بينها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء»، أبدت مقاومة واضحة لمطالب نزع السلاح.
ولهذا قد يتحول الأول من أكتوبر من نهاية ملف الوجود العسكري الأمريكي إلى بداية اختبار آخر للحكومة العراقية: هل تستطيع فرض سيطرة الدولة على كل القوى المسلحة داخل البلاد؟
مخاوف من عودة تنظيم داعش بعد الانسحاب الأمريكي
لا تتعلق المخاوف بإيران والفصائل فقط.
فمسؤولون أمنيون عراقيون وأكراد يحذرون من أن تنظيم «داعش» لا يزال يمتلك خلايا نائمة قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية.
ورغم أن التنظيم خسر «الخلافة» التي أعلنها وسيطرته الإقليمية الواسعة منذ سنوات، فإن الولايات المتحدة والعراق أكدا مرارًا أن خطر التنظيم تقلص لكنه لم يختفِ بالكامل.
ما الذي قد يخسره العراق بعد خروج القوات الأمريكية؟
تتركز المخاوف تحديدًا حول بعض القدرات التي كان التحالف يقدمها للقوات العراقية، ومنها:
الدعم الاستخباراتي، المراقبة الجوية، الطائرات المسيرة، الخدمات اللوجستية، التدريب، وتبادل المعلومات عن تحركات الخلايا المسلحة.
وقال قائد كردي لرويترز إن تراجع هذه القدرات قد يمنح خلايا داعش مساحة أكبر لإعادة التنظيم والتحرك، مشيرًا إلى رصد نشاط لخلايا نائمة بالتزامن مع اقتراب موعد الانسحاب.
هل العراق مستعد أمنيًا بعد رحيل القوات الأمريكية؟
هذه النقطة محل انقسام داخل العراق.
فمؤيدو الانسحاب يرون أن أكثر من عقد على هزيمة داعش إقليميًا وتطوير قدرات الجيش العراقي يجعل استمرار الوجود العسكري الأجنبي غير ضروري.
أما المعارضون أو المتحفظون فيخشون من أن تكون القوات الأمنية غير مستعدة بعد لسد جميع الفجوات، خصوصًا في مجالات الاستخبارات والاستطلاع الجوي والدفاع الجوي.
وكانت الولايات المتحدة والعراق قد أكدا سابقًا أن قدرات القوات العراقية تطورت بصورة كبيرة، وأن المرحلة التالية ينبغي أن تقوم على علاقة أمنية ثنائية طويلة المدى بدل مهمة عسكرية للتحالف.
كردستان تخشى الفراغ الأمني
تبدو المخاوف أكبر في إقليم كردستان العراق، حيث بقيت القوات الأمريكية في بعض المواقع الشمالية لفترة أطول من بقية مناطق البلاد.
وحذر رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني قبل أيام من أن الانسحاب قد يجعل الإقليم أكثر عرضة للتهديدات الإيرانية، كما أبدى مسؤولون أكراد مخاوف من تكرار سيناريو الفراغ الأمني الذي سبق صعود داعش.
كما تعرضت مواقع في الإقليم خلال الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية لضربات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيرة.
الانسحاب الأمريكي يأتي وسط حرب مع إيران
يزداد المشهد تعقيدًا لأن الانسحاب يحدث فيما تخوض الولايات المتحدة وإيران مواجهة عسكرية مباشرة بدأت خلال 2026.
وأصبح العراق خلال السنوات الماضية أحد أكثر ميادين التنافس حساسية بين واشنطن وطهران.
فالولايات المتحدة قتلت قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في ضربة قرب مطار بغداد في يناير 2020، بينما شنت فصائل مرتبطة بإيران هجمات متكررة على قواعد تضم قوات أمريكية.
وفي الصراع الحالي بين واشنطن وطهران، استمرت الأراضي العراقية في التأثر بالمواجهة الإقليمية، ما يزيد أهمية السؤال بشأن طبيعة التوازنات بعد رحيل القوات الأمريكية.
هل يعني الانسحاب نهاية العلاقة العسكرية بين العراق وأمريكا؟
ليس بالضرورة.
الولايات المتحدة والعراق سبق أن أكدا أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء العلاقات الأمنية بين البلدين.
وتحدث الطرفان منذ 2024 عن الانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية تشمل التعاون والتدريب وبناء قدرات القوات العراقية، بدلًا من استمرار المهمة العسكرية للتحالف الدولي بالشكل الذي بدأ عام 2014.
وبالتالي فإن يوم 30 سبتمبر يمثل نهاية مرحلة محددة من الوجود العسكري وليس بالضرورة نهاية التعاون الأمني الأمريكي العراقي.
2003 إلى 2026.. أهم محطات الوجود الأمريكي في العراق
بدأت المرحلة الأولى في 2003 مع الغزو الأمريكي وإسقاط نظام صدام حسين.
وفي 2011 انسحبت القوات الأمريكية بصورة شبه كاملة.
ثم عادت في 2014 بعد اجتياح داعش مناطق واسعة من العراق، لتشارك في عمليات التحالف الدولي الذي ساعد القوات العراقية في استعادة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم.
وفي 2017 أعلنت بغداد هزيمة داعش عسكريًا على مستوى السيطرة على الأراضي، لكن مهمة مكافحة خلاياه استمرت.
وفي 2024 أعلنت بغداد وواشنطن خطة انتقال لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف.
أما 30 سبتمبر 2026 فهو الموعد المحدد لإتمام خروج القوات العسكرية المتبقية التابعة للتحالف من العراق.
ماذا بعد 30 سبتمبر؟
ستكون الأيام والأسابيع التالية للانسحاب اختبارًا حقيقيًا للدولة العراقية.
الاختبار الأول يتعلق بقدرة الجيش والأجهزة الأمنية على الحفاظ على الضغط على داعش دون الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي المباشر.
والثاني يتعلق بقدرة الحكومة على تنفيذ وعدها بحصر السلاح بيد الدولة.
أما الثالث، وربما الأكثر حساسية سياسيًا، فهو قدرة بغداد على الحفاظ على سياسة التوازن التي اتبعتها طويلًا بين الولايات المتحدة وإيران.
وبينما تحتفل طهران وحلفاؤها بخروج القوات الأمريكية، يرى آخرون أن الحكم الحقيقي على نتائج الانسحاب لن يكون في يوم مغادرة آخر جندي، بل فيما إذا كان العراق قادرًا بعد ذلك على منع عودة داعش ومنع أي قوة خارج مؤسسات الدولة من ملء الفراغ.


