باعة الوهم» على مواقع التواصل.. من إنبات الشعر إلى علاج البواسير بمنتجات بلا رقابة
تحولت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه عيادات وصيدليات افتراضية بلا أبواب؛ إعلان يعد بإنبات الشعر من جديد، وآخر يعلن انتهاء البواسير «نهائيًا دون طبيب أو جراحة»، وثالث يقدم خلطة للتخسيس أو علاج آلام المفاصل أو مشكلات أخرى، وكل ذلك في كثير من الأحيان مصحوب بعبارة واحدة مغرية: «النتيجة مضمونة».
لكن خلف الصور اللامعة وشهادات العملاء ومقاطع «قبل وبعد»، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل المنتج نفسه مسجل؟ وهل الادعاء العلاجي الموجود في الإعلان حصل أصلًا على موافقة الجهات الرقابية؟
السؤال لم يعد نظريًا، بعدما كثفت هيئة الدواء المصرية رقابتها على بيع وترويج المستحضرات الطبية عبر الإنترنت، وأطلقت في أغسطس 2026 خدمة تتيح للمواطنين الاطلاع على نماذج من المخالفات الإعلانية للمنتجات الدوائية والطبية.
إنبات الشعر في أيام.. أول أبواب «العلاج السحري»
ربما تكون منتجات الشعر من أكثر الأمثلة وضوحًا على هذه الظاهرة.
فالمستخدم يواجه يوميًا إعلانات عن زيوت وسيرومات وأمبولات وخلطات تزعم أنها تستطيع إنبات الشعر أو علاج الصلع أو ملء الفراغات في فترة قصيرة.
وتعتمد كثير من الحملات على صور قبل وبعد، أو أشخاص يروون تجاربهم، بينما لا يظهر للمستهلك بوضوح رقم تسجيل المستحضر أو الشركة المصنعة أو الدراسات التي تثبت الادعاءات المستخدمة في الإعلان.
وهنا تكمن المشكلة، لأن تساقط الشعر ليس مرضًا واحدًا له علاج واحد؛ فقد تكون أسبابه مختلفة، ومن ثم فإن الوعد بمنتج واحد يصلح للجميع ينبغي التعامل معه بحذر شديد.
«البواسير تختفي دون طبيب».. إعلان قد يؤخر التشخيص
النموذج نفسه يتكرر مع البواسير.
تظهر إعلانات تقول إن كريمًا أو زيتًا أو أعشابًا يمكنها إنهاء المشكلة بصورة نهائية، وأحيانًا تستخدم عبارات مثل «بدون كشف» أو «بدون جراحة» أو «علاج نهائي من أول استخدام».
لكن خطورة هذا النوع من الإعلانات لا تتوقف عند خسارة المال.
فبعض الأعراض التي يفسرها الشخص بنفسه باعتبارها بواسير، خصوصًا النزيف أو الألم المستمر، قد تحتاج إلى تقييم طبي لتحديد السبب الحقيقي، وبالتالي فإن الاعتماد على منتج مجهول قد يؤدي إلى تأخير التشخيص والعلاج المناسب.

المنتج قد يكون مسجلًا.. والإعلان نفسه مخالف
وهذه واحدة من أهم النقاط التي يغفل عنها كثير من المستهلكين.
فوجود منتج مسجل لدى هيئة الدواء المصرية لا يعني أن كل ما يقال عنه في الإعلان صحيح أو معتمد.
هيئة الدواء أوضحت عند إطلاق خدمتها الخاصة بالمخالفات الإعلانية في 18 أغسطس 2026 أن المخالفات قد تشمل إعلانًا غير مرخص لمنتج مسجل يتضمن ادعاءات مضللة أو غير معتمدة، كما قد تشمل منتجًا غير مسجل أصلًا يجري الترويج له بادعاءات علاجية.
إذن هناك سؤالان وليس سؤالًا واحدًا
عندما ترى إعلانًا لمنتج صحي، يجب التفريق بين:
هل المنتج مسجل لدى هيئة الدواء؟
وهل الادعاءات المستخدمة في تسويقه والإعلان عنه معتمدة؟
فقد تكون العبوة موجودة بصورة قانونية في السوق، لكن الإعلان يمنحها قدرات علاجية لم توافق عليها الجهة المنظمة.
هيئة الدواء: لا تنساقوا وراء المحتوى غير المرخص
حذرت هيئة الدواء المصرية المواطنين صراحة من الاعتماد على المحتوى الإعلاني والتسويقي غير الموثق أو غير المرخص، وطالبت بعدم استخدام المنتجات استنادًا إلى ادعاءات دعائية غير معتمدة.
وسبق للهيئة كذلك أن حذرت من مستحضرات مجهولة المصدر يجري الترويج لها على وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، بعدما تبين أن بعض المنتجات التي تُسوّق لعلاج مشكلات صحية غير موجودة ضمن قاعدة بيانات المستحضرات المسجلة لديها.
الرقابة الإلكترونية تكشف حجم السوق
الأرقام التي أعلنتها هيئة الدواء تكشف أن الأمر أكبر من بضعة منشورات عشوائية.
ففي حملة رقابية حديثة، أعلنت الهيئة ضبط 85 منشأة غير مرخصة وأدوية مجهولة المصدر في 17 محافظة، مع مضبوطات تجاوزت قيمتها 70 مليون جنيه.
وعلى مستوى الإنترنت وحده، أعلنت الهيئة رصد 39 صفحة وحسابًا إلكترونيًا تستخدم في الترويج والبيع غير المشروع للأدوية والمستحضرات الطبية، إلى جانب ضبط 17 قضية مرتبطة بتداول أدوية مجهولة المصدر عبر الإنترنت، بينها عشر وقائع للترويج والاتجار عبر تطبيقات المراسلة ومواقع التواصل.
عندما يصبح «واتساب» صيدلية
تبدأ رحلة الشراء في كثير من الحالات بإعلان على فيسبوك أو تيك توك أو إنستجرام.
يضغط المستخدم على الإعلان، فينتقل إلى رسالة خاصة أو رقم واتساب، ثم يسأله البائع عن المشكلة ويقترح المنتج ويحدد الجرعة وطريقة الاستخدام، قبل إرسال العبوة عن طريق مندوب.
وفي دقائق قليلة يصبح الشخص الذي يدير الصفحة بائعًا ومشخصًا للحالة ومقدمًا للنصيحة العلاجية في الوقت نفسه.
ووثقت حملات سابقة لهيئة الدواء بالفعل وقائع ترويج تركيبات غير مرخصة ووصفات علاجية لمستحضرات مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل، وانتهت بعض عمليات التتبع بضبط مخازن غير مرخصة وكميات كبيرة من المستحضرات.
مصانع ومخازن بعيدًا عن أعين المستهلك
وفي حملات رقابية أخرى خلال 2026، أعلنت هيئة الدواء ضبط مصنع غير مرخص يحتوي على عشرات الآلاف من العبوات، إضافة إلى مواد خام ومعدات تعبئة وتغليف، كما رصدت في القاهرة نشاطًا لتداول أدوية عبر مواقع التواصل انتهى بضبط مخزن يضم أدوية غير مسجلة ومستحضرات تجميل مجهولة المصدر.
ويوضح ذلك المشكلة الأساسية في شراء مستحضر مجهول عبر الإنترنت: المستهلك يرى العبوة النهائية فقط، لكنه لا يعرف أين صنعت، أو ماذا تحتوي، أو كيف خُزنت، أو ما إذا كانت بياناتها حقيقية.
«وزارة الصحة وافقت».. جملة لا تكفي
من أكثر الحيل التسويقية استخدامًا كتابة عبارات مثل:
«مصرح من وزارة الصحة» أو «مسجل ومعتمد».
لكن العبارة الموجودة في الإعلان ليست إثباتًا في حد ذاتها.
وسجل جهاز حماية المستهلك حالة أعلن فيها تحذيره من منتج بعد رصد إعلان على صفحات التواصل يدعي حصول المنتج على تصريح من وزارة الصحة، بينما أكد الجهاز أن هذا الادعاء كان مخالفًا للحقيقة واتخذ الإجراءات القانونية بشأنه.
كيف يتأكد المواطن من المنتج؟
توفر هيئة الدواء المصرية قاعدة إلكترونية للبحث في المستحضرات المسجلة، ويمكن البحث باستخدام بيانات مثل الاسم التجاري أو رقم التسجيل أو اسم الشركة أو المادة الفعالة بحسب نوع المستحضر.
كما توفر الهيئة خدمات للإبلاغ عن مخالفات المستحضرات والمنشآت الصيدلية وعن المواد الدعائية الدوائية غير الملائمة، وتتيح التواصل عبر الخط الساخن 15301.
إشارات تضع الإعلان في دائرة الشك
هناك علامات متكررة لا تثبت وحدها أن المنتج مخالف، لكنها تستوجب التوقف والتحقق:
- وعد بعلاج نهائي أو نتيجة مضمونة بنسبة 100%.
- علاج عدة أمراض مختلفة بالمنتج نفسه.
- عبارة «بدون طبيب» تُستخدم كميزة تسويقية.
- عدم توضيح اسم المصنع أو رقم تسجيل يمكن التحقق منه.
- الاعتماد بالكامل على صور «قبل وبعد» وشهادات مجهولة.
- الإلحاح على التحويل أو الشراء عبر واتساب.
- الادعاء بأن المنتج «طبيعي تمامًا ولذلك بلا آثار جانبية».
- تخويف العميل من الأطباء أو الأدوية المعروفة لإقناعه بالمنتج.
- تقديم تشخيص أو جرعات علاجية من مسؤول مبيعات لا تعرف صفته الطبية.
- رفض البائع توضيح المكونات أو مصدر المنتج بصورة قابلة للتحقق.
لماذا ينجح «باعة الوهم»؟
لأنهم في كثير من الأحيان لا يبيعون الدواء بقدر ما يبيعون الحل السريع.
الشخص الذي يعاني من تساقط شعر شديد يريد أن يستعيد شعره، ومن يتألم من البواسير يريد التخلص من الحرج والكشف الطبي، ومن يحاول إنقاص وزنه يبحث عن طريق أسرع من تغيير نمط حياته.
وهنا يدخل الإعلان إلى نقطة الضعف مباشرة:
«لا كشف.. لا عملية.. لا انتظار.. اطلب الآن».
وهذه القدرة على استغلال الخوف أو الحرج أو اليأس هي التي تجعل التسويق الصحي المضلل أكثر خطورة من إعلان تجاري عادي.
وسائل التواصل غيرت شكل الإعلان الطبي
كانت الإعلانات العلاجية في الماضي تمر عادة عبر وسائل إعلام واضحة يمكن معرفة صاحبها ومراجعتها.
أما اليوم فيستطيع أي شخص إنشاء صفحة خلال دقائق، وشراء إعلان ممول والوصول إلى مئات الآلاف من المستخدمين، ثم تغيير اسم الصفحة أو حذفها والبدء من جديد.
ولهذا أصبح التفتيش الإلكتروني ومراقبة المحتوى التسويقي جزءًا أساسيًا من عمل الجهات الرقابية، وهو ما يظهر في حملات هيئة الدواء ورصدها للحسابات التي تستخدم الإنترنت في بيع وتداول المستحضرات بصورة غير مشروعة.
هيئة الدواء تفتح ملف الإعلانات المضللة أمام الجمهور
واللافت أن هيئة الدواء اتخذت في أغسطس 2026 خطوة جديدة بإتاحة نماذج المخالفات الإعلانية للجمهور، بهدف مساعدة المواطنين على التفرقة بين التسويق المقبول والمحتوى غير المرخص أو المضلل.
كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن الإعلانات التي يشتبه في مخالفتها بدلًا من الاكتفاء بتجاهلها.
ليست كل المنتجات على الإنترنت وهمية
وفي المقابل، يجب تجنب التعميم.
فليس كل منتج يباع أو يعلن عنه على الإنترنت مخالفًا، وليس كل مستحضر للشعر أو للبواسير أو للعناية الصحية غير فعال.
المشكلة تبدأ عندما يُباع المستحضر خارج القنوات الموثوقة، أو يكون مجهول المصدر، أو تُنسب إليه فوائد علاجية أكبر من تلك المعتمدة، أو يتحول الإعلان إلى بديل عن الطبيب والتشخيص.
وهذا الفارق ضروري حتى لا يتحول التحذير من الاحتيال إلى تشكيك عشوائي في جميع المنتجات الصحية.
الصحة ليست تجربة «اطلب وجرب»
ربما تكون أخطر جملة في هذا السوق هي: «جرب ومش هتخسر حاجة».
ففي المنتجات العادية قد تكون الخسارة مبلغًا من المال، أما في المنتجات الصحية فقد تكون الخسارة أيضًا تأخير العلاج الصحيح أو التعرض لمادة مجهولة أو استخدام مستحضر غير مناسب للحالة.
ولهذا فإن هيئة الدواء تؤكد أن مأمونية وفاعلية وجودة المستحضرات جزء من اختصاصها الرقابي، وتحذر من المنتجات مجهولة المصدر والمحتوى الدعائي غير المعتمد.
«باعة الوهم» لا يبيعون عبوة فقط
القضية أكبر من زيت يدعي إنبات الشعر أو كريم يَعِد بإنهاء البواسير.
إنها سوق كاملة تستفيد من قوة الإعلان الممول وسهولة الوصول إلى المريض وضعف معرفة المستهلك بالفارق بين التسجيل والترخيص الإعلاني والادعاء الطبي المعتمد.
والقاعدة الأبسط قبل شراء أي منتج يَعِد بعلاج مشكلة صحية هي: لا تجعل الإعلان هو الطبيب، ولا تعتبر عدد المشاهدات أو تعليقات العملاء دليلًا على الفاعلية، وتحقق من المنتج وادعاءاته من الجهات الرسمية قبل أن تتحول الرغبة في العلاج إلى فرصة جديدة لأحد «باعة الوهم».


