عاد اسم القيادي الفلسطيني محمد دحلان بقوة إلى واجهة ترتيبات «اليوم التالي» في قطاع غزة، بعدما تحدثت تقارير إسرائيلية عن قيادته تحركات مرتبطة بمشروع تجريبي لإنشاء ما يُسمى «مدينة إنسانية» في رفح، مستندًا إلى علاقته الوثيقة بدولة الإمارات وشبكة اتصالاته مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وفلسطينيين.
وتثير هذه التحركات تساؤلات صادمة بشأن حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه دحلان في مستقبل القطاع، وما إذا كانت أبوظبي تستعد للدخول بقوة على خط إعادة إعمار غزة وتمويل إدارتها الجديدة، في مقابل تراجع نفوذ السلطة الفلسطينية برام الله.
دحلان يقود ترتيبات «مدينة رفح» بدعم إماراتي
بحسب ما أوردته القناة 13 الإسرائيلية، مساء الخميس، يتولى محمد دحلان قيادة تحرك مرتبط بالترتيبات الجديدة في رفح، ضمن تصور أوسع لإدارة قطاع غزة خلال مرحلة ما بعد الحرب.
ويقيم دحلان في دولة الإمارات منذ سنوات، كما تربطه علاقة وثيقة بالقيادة الإماراتية. ويشير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أنه يعمل مستشارًا لدى أبوظبي في ملفات ذات طابع أمني، بعدما تحول خلال سنوات إقامته هناك إلى شخصية إقليمية صاحبة شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية.
وتمنح هذه العلاقة دحلان وزنًا إضافيًا في ملف غزة، خصوصًا مع إعلان الإمارات استعدادها للمشاركة في تمويل الإعمار ودعم الاستقرار، بشرط وجود إدارة فلسطينية متجددة تتسم بالكفاءة والاستقلال والشفافية.
هل أصبح دحلان حلقة اتصال مع البيت الأبيض؟
تحدثت تقارير إسرائيلية ودولية عن وجود قنوات اتصال تجمع دحلان بمبعوثين أمريكيين، أبرزهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لكن لم يصدر إعلان رسمي من البيت الأبيض يصف دحلان بأنه مستشار معتمد للإدارة الأمريكية.
وذكرت صحيفة «لوموند» أن دحلان لعب دور الوسيط بين فصائل فلسطينية ومبعوثي البيت الأبيض، مستفيدًا من العلاقات التي بناها في أبوظبي خلال مرحلة تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل. كما أشارت إلى أن عددًا من الشخصيات المطروحة للعمل ضمن لجنة إدارة غزة يتردد على الإمارات بصورة منتظمة. صحيفة لوموند

الإمارات تمسك بمفتاح التمويل
لا يتوقف الدور الإماراتي المحتمل عند الدعم السياسي، إذ تتحدث تقارير عن استعداد أبوظبي لتوفير تمويل ضخم لإعادة إعمار غزة وتسوية التزامات مالية متراكمة، حال الاتفاق على إدارة تكنوقراط لا تخضع بصورة مباشرة لحركة حماس أو للسلطة الفلسطينية بصورتها الحالية.
كما ساهم دحلان خلال السنوات الماضية في تسهيل وصول مساعدات إماراتية إلى القطاع عبر المؤسسات التابعة له أو المرتبطة بتياره، وهو ما منحه حضورًا ميدانيًا داخل غزة، خصوصًا في المناطق الجنوبية.
وتكشف هذه المعطيات أن علاقة دحلان بالإمارات أصبحت إحدى أهم أوراق قوته، إذ تجمع بين التمويل الإغاثي، والاتصالات الإقليمية، والعلاقات مع واشنطن وتل أبيب، إلى جانب امتلاكه تيارًا سياسيًا وشبكة من المؤيدين داخل القطاع.
موافقة من حماس ورفض من السلطة الفلسطينية
بحسب الرواية التي نقلتها القناة الإسرائيلية، أبدت حركة حماس موافقة على قيام دحلان بدور في التحرك الجاري، وهو تطور لافت بالنظر إلى الصراع الدموي الذي جمع الطرفين خلال أحداث عام 2007.
إلا أن التقارير تشير إلى أن دحلان أعاد بناء قنوات الاتصال مع الحركة خلال السنوات الماضية، وقدم نفسه باعتباره وسيطًا قادرًا على التفاوض مع الأطراف العربية والأمريكية.
في المقابل، تعارض السلطة الفلسطينية إنشاء أي لجنة أو هيئة لإدارة غزة خارج مظلة منظمة التحرير والحكومة الفلسطينية، وترى أن تلك الترتيبات قد تؤدي إلى تكريس الانقسام وفصل القطاع سياسيًا وإداريًا عن الضفة الغربية.
مشروع «المدينة الإنسانية» يشعل مخاوف التهجير
تقوم الفكرة المتداولة للمشروع التجريبي على إنشاء منطقة في رفح تستوعب عشرات الآلاف من الفلسطينيين، مع توفير الخدمات الأساسية والمساعدات وإخضاعها لإدارة مدنية وأمنية جديدة.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره نقطة انطلاق محتملة لعمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي يُفترض أن تتولى الشؤون المدنية والخدمية خلال المرحلة الانتقالية.
لكن المشروع يواجه تحذيرات حقوقية وإنسانية، وسط مخاوف من أن يتحول تجميع السكان في منطقة محدودة جنوب القطاع إلى وسيلة لفرض نزوح دائم أو تهجير قسري، خصوصًا إذا حُرم المدنيون من حرية العودة إلى مناطقهم الأصلية.
دحلان يعود إلى غزة من بوابة أبوظبي
تكشف التحركات الأخيرة أن دحلان لا يعود إلى المشهد الفلسطيني عبر منصب رسمي معلن، بل من خلال بوابة المساعدات الإماراتية والتمويل وشبكة الاتصالات التي تربطه بأبوظبي وواشنطن وتل أبيب وعدد من الفصائل الفلسطينية.
وبينما يقدمه مؤيدوه باعتباره شخصية قادرة على جذب التمويل وفتح المعابر والمشاركة في إعادة إعمار القطاع، يرى معارضوه أن صعوده قد يمهد لفرض إدارة فلسطينية جديدة بغطاء إقليمي ودولي بعيدًا عن السلطة الفلسطينية.
ويبقى مصير مشروع «مدينة رفح» ودور دحلان فيه مرهونين بنتائج مفاوضات وقف إطلاق النار، وموقف مصر، وقدرة لجنة إدارة غزة على دخول القطاع، إلى جانب الحصول على قبول فلسطيني يمنع تحول المشروع الإنساني المعلن إلى أزمة سياسية جديدة.


