الحوثيون يزحفون نحو مرتفعات باب المندب.. وترامب يتراجع عن ضربة بحسب تقرير أمريكي
دخلت الحرب في اليمن مرحلة أكثر حساسية مع محاولة جماعة الحوثي السيطرة على مرتفعات كهبوب الواقعة بين محافظتي تعز ولحج، في تحرك تقول مصادر عسكرية يمنية إنه يستهدف حماية المكاسب التي حققتها الجماعة مؤخرًا قرب مضيق باب المندب وتأمين ظهر قواتها على الساحل الغربي.
وتأتي المعارك بالتزامن مع تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أفاد بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت تستعد لشن غارات على الحوثيين الأحد، قبل أن يلغي ترامب العملية في اللحظة الأخيرة بينما كانت القنابل تُحمّل على الطائرات.
لكن رويترز قالت إنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من صحة هذا التقرير، كما لم يقدم البيت الأبيض تعليقًا فوريًا.
لماذا تعد جبال كهبوب مهمة؟
تكمن أهمية المرتفعات في موقعها الجغرافي.
فهي تقع في المنطقة التي تفصل ساحل البحر الأحمر عن المناطق الجنوبية التي ما زالت تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية.
وقالت خمسة مصادر عسكرية يمنية لرويترز إن الحوثيين يحاولون السيطرة على هذه المرتفعات بهدف تأمين مواقعهم حول باب المندب وفتح جبهات إضافية.
المعارك تتركز في الوازعية ورأس العارة
شهدت أطراف مديرية الوازعية الجبلية في تعز قتالًا مكثفًا، إلى جانب منطقة رأس العارة الواقعة على الساحل بين مدخل البحر الأحمر والمناطق المتصلة بعدن.
وبحسب المصادر العسكرية، فإن السيطرة على المرتفعات ستجعل استهداف المواقع الحوثية الجديدة على الساحل أكثر صعوبة، كما توفر للجماعة نقاط مراقبة وتحكم أفضل في محاور الحركة البرية.

الحوثيون يوسعون سيطرتهم على الساحل الغربي
حقق الحوثيون خلال سبتمبر تقدمًا سريعًا على ساحل البحر الأحمر، بعدما كانوا يسيطرون على العاصمة صنعاء منذ عام 2014.
ويقول تقرير رويترز إن هذا التقدم أدى إلى تراجع قوات تابعة للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، ووضع مناطق شديدة الحساسية قرب باب المندب تحت نفوذ الحوثيين.
وكان مجلس الأمن قد أشار في 15 سبتمبر إلى تصاعد القتال على الساحل الغربي وتقدم الحوثيين باتجاه باب المندب، مع تقارير عن سيطرتهم على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر.
هل يسيطر الحوثيون على باب المندب بالكامل؟
التقارير الحالية تشير إلى سيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية حول المضيق وعلى أجزاء مؤثرة من الساحل، لكن تعبير «السيطرة الكاملة على باب المندب» يحتاج إلى قدر من الحذر.
فالمضيق ممر بحري دولي واسع، والسيطرة على مواقع ساحلية مطلة عليه تمنح قدرة كبيرة على تهديد الملاحة، لكنها لا تعني بالضرورة السيطرة الفعلية على كل حركة السفن داخله.
والأمم المتحدة قالت في 15 سبتمبر إن حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر كانت لا تزال مستمرة في ذلك الوقت، رغم ارتفاع المخاطر.
ترامب ألغى الغارات في اللحظة الأخيرة؟
هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة في التقرير.
بحسب «نيويورك تايمز»، كانت القوات الأمريكية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التحضير لغارات ضد الحوثيين، لكن ترامب أصدر قرارًا بإلغائها في اللحظة الأخيرة.
رويترز نقلت التقرير لكنها شددت على أنها لم تتحقق منه بصورة مستقلة. كما أحالت القيادة المركزية الأمريكية الأسئلة إلى البيت الأبيض.
لماذا قد تتردد واشنطن؟
الولايات المتحدة تواجه حسابين متعارضين.
من جهة، تتعرض السعودية لضغط عسكري متزايد وتطلب دعمًا أكبر من حليفتها واشنطن.
ومن جهة أخرى، فإن دخول القوات الأمريكية مباشرة في الحرب ضد الحوثيين قد يوسع نطاق الصراع الإقليمي، في وقت تخوض فيه واشنطن أصلًا مواجهة مع إيران.
هذا توصيف لحسابات السياسة الأمريكية الظاهرة من الوقائع الحالية، وليس تأكيدًا للدافع الشخصي وراء قرار ترامب.
السعودية طلبت دعمًا أمريكيًا
قالت رويترز إن واشنطن رفضت حتى الآن طلبات سعودية متكررة للانضمام عسكريًا إلى القتال ضد الحوثيين.
كما أجرى ترامب الأحد اتصالًا بالرئيس اليمني رشاد العليمي، بحثا خلاله التقدم الحوثي قرب باب المندب.
وطلب العليمي دعمًا أمريكيًا مباشرًا لحكومته، لكن مصدرين مطلعين قالا إن ترامب لم يقدم تعهدًا عسكريًا خلال الاتصال.
هجوم على الرياض يزيد الضغط على السعودية
قال الحوثيون السبت إنهم استهدفوا مواقع في الرياض، بينما سُمع دوي انفجارات وشوهد دخان قرب مطار الملك خالد الدولي.
وقالت رويترز إن هذه كانت أولى الضربات الظاهرة على العاصمة السعودية منذ بدء التصعيد الحالي، بينما لم تصدر الرياض تعليقًا رسميًا على تفاصيل الهجوم في التوقيت الذي نُشر فيه التقرير.
كما أعلن الحوثيون استهداف منشأة لأرامكو في ينبع على البحر الأحمر.
السعودية تكثف الغارات على الحوثيين
في المقابل، يقول الحوثيون إن السعودية نفذت مئات الغارات على مواقعهم في المرتفعات خلال الأيام الماضية.
ورغم ذلك، تشير التطورات الميدانية إلى استمرار القتال ومحاولة الجماعة تثبيت مكاسبها الجديدة بالقرب من باب المندب.
الأزمة الإنسانية تتفاقم سريعًا
لم تعد التطورات مجرد صراع على المواقع العسكرية.
بحسب رويترز نقلًا عن الأمم المتحدة، قُتل نحو 700 شخص وأصيب آلاف منذ تصاعد القتال، فيما اقترب عدد النازحين داخليًا من 130 ألفًا، وفر أكثر من 3 آلاف شخص عبر البحر إلى أفريقيا.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة الاتجاه نفسه؛ ففي 18 سبتمبر قالت المنظمة الدولية للهجرة إن عدد النازحين تجاوز 112 ألف شخص بالفعل، مع وصول قرابة 3 آلاف إلى جيبوتي، والأعداد كانت مستمرة في الارتفاع.
لماذا يقلق العالم من باب المندب؟
مضيق باب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ولذلك يمثل أحد أهم طرق التجارة والطاقة عالميًا.
وأي تهديد مستمر للملاحة عبره ينعكس على:
النقل البحري، أسعار التأمين، تكلفة الشحن، حركة النفط، وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا.
الأزمة أخطر بالنسبة للسعودية
تكمن المفارقة في أن السعودية تعتمد على مسار البحر الأحمر باعتباره بديلًا لمضيق هرمز عندما تكون الملاحة في الخليج مهددة.
لكن تقدم الحوثيين قرب باب المندب جعل هذا الطريق البديل نفسه أكثر خطورة.
السعودية تعود بقوة إلى مضيق هرمز
ردت المملكة بزيادة صادرات النفط عبر مضيق هرمز.
وتظهر بيانات الأقمار الصناعية التي استشهدت بها رويترز أن الصادرات السعودية عبر هرمز ارتفعت إلى نحو 2.9 مليون برميل يوميًا خلال الأيام الأخيرة، مقابل نحو 700 ألف برميل يوميًا في أغسطس.
وهذا تحول مهم، لأن السعودية كانت تسعى أساسًا إلى تقليل اعتمادها على هرمز عبر خط الأنابيب المتجه إلى البحر الأحمر.
النفط يتراجع رغم الحرب
رغم هذه المخاطر، انخفض خام برنت الاثنين إلى نحو 101 دولار للبرميل بعد أن اقترب من 110 دولارات الأسبوع الماضي.
ويرجع ذلك إلى تحسن بعض الصادرات السعودية وآمال الأسواق في حدوث تقدم دبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لكن تكلفة نقل النفط ما تزال مرتفعة بصورة استثنائية بسبب مخاطر الحرب.
لماذا يمثل تقدم الحوثيين تغيرًا استراتيجيًا؟
الخطر لا يتمثل فقط في احتلال مرتفع جبلي إضافي.
إذا نجح الحوثيون في تثبيت مواقعهم حول باب المندب وتأمينها من المرتفعات المحيطة، فإنهم سيحصلون على ثلاث مزايا:
حماية مواقع الساحل، الضغط على خصومهم في الجنوب، وزيادة قدرتهم على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
وهذا تحليل للجغرافيا العسكرية بناءً على التحركات التي نقلتها المصادر، وليس حكمًا على نتيجة المعركة قبل حسمها.
من حرب يمنية إلى أزمة طاقة دولية
ما بدأ باعتباره جولة جديدة من القتال الداخلي في اليمن تحول سريعًا إلى أزمة تتجاوز حدود البلاد.
السعودية باتت مضطرة إلى إعادة توزيع مسارات تصدير النفط.
واشنطن تتعرض لضغط للمشاركة عسكريًا لكنها حتى الآن لم تقدم التزامًا مباشرًا.
والحوثيون يسعون إلى تحويل تقدمهم الساحلي إلى سيطرة أكثر رسوخًا عبر المرتفعات.
لهذا تبدو معركة جبال كهبوب أكبر من مجرد مواجهة محلية: نتيجتها قد تؤثر في أمن باب المندب، وفي حسابات السعودية، وفي تكاليف نقل الطاقة عالميًا.
أما تقرير إلغاء ترامب للغارات الأمريكية في اللحظة الأخيرة، فيبقى حتى الآن تقريرًا صحفيًا لم تؤكده الإدارة الأمريكية أو تتحقق منه رويترز بصورة مستقلة.


