الأحد، ٢٥ يناير ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٩ م

كيف أساء الضباط الأحرار فهم السياسة والمواطنة؟

لم تكن أزمة يهود مصر بعد ثورة يوليو حادثًا عارضًا في إدارة ملف شديد الحساسية، بل كانت نتاجًا مباشرًا لسوء فهم جوهري لمعنى السياسة والمواطنة والدولة الحديثة. ما جرى لم يكن خطأً إداريًا يمكن تجاوزه، بل تعبيرًا فاضحًا عن خلفية سياسية وثقافية محدودة لحكام جدد لم يمتلكوا أدوات التمييز بين الأمن القومي والحقوق المدنية، ولا بين الهوية والمواطنة.

جاء الضباط الأحرار من بيئة اجتماعية مغلقة، ريفية في تكوينها الذهني، لم تختبر التعدد، ولم تعش تعقيد المدينة، ولم تتعامل مع مفهوم “المواطن” باعتباره فردًا تُكفل حقوقه بالقانون المجرد، لا بالانتماء الديني أو الطبقي. حملوا إلى الحكم منطق القرية:
الغريب يُشك فيه، الاختلاف خطر، والولاء يُقاس بالهوية لا بالقانون.

هذه الخلفية، بحد ذاتها، ليست خطيئة اجتماعية. لكنها تحولت إلى كارثة سياسية حين أُسند إليها حكم دولة مركبة مثل مصر: مدينةً، وتاريخًا، وتركيبًا بشريًا. بدل بناء دولة مؤسسات، أُدير الحكم بعقلية أمنية بدائية ترى السياسة صراعًا صفريًا، وترى المواطنة امتيازًا يُمنح لا حقًا يُصان.

في هذا السياق، لم يكن مستغربًا أن يُختزل يهود مصر — وهم مكوّن تاريخي أصيل — في صورة “الآخر المشكوك فيه”. لم يفرّق الحكّام الجدد بين اليهودي والصهيوني، ولا بين المواطن والعدو؛ لا لأن الفروق غامضة، بل لأن الأدوات الفكرية والخبرة السياسية اللازمة لهذا التمييز لم تكن موجودة أصلًا.

جاء عدوان 1956 ليكشف عمق هذا العجز. فبدلًا من محاسبة المتورطين في التجسس أو الخيانة وفق القانون، اختارت الدولة أقصر الطرق وأكثرها فجاجة: العقاب الجماعي. طرد، مصادرة، اعتقال، وإجبار على الرحيل، جميعها جرت تحت لافتة “السيادة الوطنية”، بينما كانت في جوهرها فشلًا ذريعًا في إدارة التنوع.

ما تعرّض له يهود مصر لم يكن فعلًا ثوريًا، بل انحدارًا سياسيًا. دولة تزعم الحداثة لكنها تحاكم الناس بهويتهم. سلطة ترفع شعارات العدالة الاجتماعية لكنها تعجز عن تحقيق أبسط صور العدالة القانونية. نظام يتحدث باسم الشعب، لكنه يخشى المجتمع.

الأخطر أن هذا النموذج لم يتوقف عند هذه الحالة. لقد أرسى الضباط الأحرار تقليدًا سياسيًا بالغ الخطورة:

  • الدولة فوق القانون،

  • الأمن يبرّر الإقصاء،

  • والثقافة ليست شرطًا للحكم.

بهذا المعنى، لم يكن خروج يهود مصر استثناءً، بل كان التمرين الأول على دولة لا تفهم المواطنة، ولا تثق في المجتمع، ولا ترى في الاختلاف سوى تهديد. دولة تحكمها غريزة الريف لا تعقيد المدينة، ومنطق الثكنة لا روح السياسة.

إن نقد تجربة الضباط الأحرار اليوم ليس تطاولًا على التاريخ، بل ضرورة معرفية لفهم كيف تحوّل مشروع وطني واعد إلى سلطة تُدير الخوف بدل القانون. فالدول لا تُدار بالنوايا، ولا تُبنى بالشعارات، ولا تُحكم بعقلية لا ترى في المواطن سوى مشتبهٍ به محتمل.

 
 

مقالات ذات صلة

اردغان وقيادة باكستان أسرار السياسة
الأحد، ٢٥ يناير ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٠ م

«زلزال دبلوماسي» في جنوب آسيا.. لماذا أنهت باكستان إدارة الإمارات لمطار إسلام أباد؟ وكيف أعاد الحلف السعودي-التركي رسم الخريطة الإقليمية؟

ما جرى في باكستان لم يكن إجراءً إداريًا عابرًا، ولا خلافًا تقنيًا حول عقد تشغ

لمزيد من التفاصيل
عاجل
مباريات اليوم السبت 7 نوفمبر.. الأهلي وريال مدريد والسيتي | بشرى حجيج تفوز برئاسة الاتحادات الرياضية الأفريقية الأولمبية | مصرع أولاد القط في سوهاج بعد مواجهة استمرت 4 ساعات | طبيبة الهرم.. رحلت وحيدة ولم تُكتشف وفاتها لثلاث سنوات | إيران تعلن إسقاط مسيرة أمريكية فوق جزيرة قشم | شهادات البنك الأهلي الجديدة.. كم عائد 100 ألف جنيه؟ | مسلسل نوح.. تيم حسن يكشف اسم عمله في رمضان 2027 | انتخاب مجلس إدارة جديد لمركز شباب شم القبلية بالمنيا | كأس العرب للكرة الشاطئية.. 32 هدفًا ومصر تهزم السعودية ببورسعيد | د  . راشد الشاشاني يكتب : اللغة ومعايير ضبط الأحلام.. هل الفصاحة أهم من الإنجاز؟ | فيديو استقطاب الفتيات بالإسكندرية.. الداخلية تكشف مفاجأة تعديل الوجه | . مباريات اليوم الجمعة 6 نوفمبر.. الزمالك وأبرز المواجهات العالمية | البرلمان التركي يقر اتفاق مكة للدفاع مع السعودية وباكستان | . سعر الريال السعودي اليوم الجمعة.. 14.38 جنيه للبيع بالبنك الأهلي | سعر الدولار اليوم الجمعة 6 نوفمبر.. 53.87 جنيه للشراء | أسعار الذهب اليوم الجمعة 6 نوفمبر.. عيار 21 عند 6260 جنيهًا |