لم يكن الأب محمود عبد الله منصور يتخيل أن رحلة الغربة التي تحمل مرارتها من أجل مستقبل أبنائه ستنتهي بعودته إلى مصر لوداع أصغرهم، بدلًا من الاحتفال بتخرجه من كلية الصيدلة.
«أنا كان بقالي 15 شهر في العراق، وجيت علشان أغسل ابني».. كلمات قالها الأب المكلوم، وهو يستعيد ذكريات نجله علي محمود، الشهير بـ«علي حواس»، الذي رحل عن عمر 20 عامًا في واقعة مأساوية بمدينة طلخا بمحافظة الدقهلية.
حلم البالطو الأبيض.. أب يغترب من أجل ابنه
بدأت حكاية علي بحلم بسيط؛ أن يصبح صيدليًا ويرتدي البالطو الأبيض الذي طالما تمناه.
وعندما ظهرت نتيجة الثانوية العامة، لم يكن مجموعه كافيًا للالتحاق بكلية الصيدلة التي يحلم بها، لكنه وجد في والده سندًا لم يتردد في التضحية من أجله.
يروي الأب أنه وعد نجله بتحقيق حلمه مهما بلغت التكاليف، حتى لو اضطر للبقاء في العراق أربع أو خمس سنوات إضافية.
وبالفعل التحق علي بكلية الصيدلة، ونجح في الفصل الدراسي الأول، بينما ظل والده ينتظر اليوم الذي يعود فيه ليراه طبيبًا ناجحًا كما كان يتمنى.
آخر هدية من الأب لابنه.. هاتف آيفون وفرحة لم تكتمل
يتذكر الأب آخر لقاء جمعه بعلي عندما عاد من الغربة حاملًا له هاتف آيفون 16، وكيف استقبله نجله بفرحة كبيرة.
لم يكن يعلم أن تلك اللحظات ستصبح من أثمن ذكرياته، وأن عودته التالية لن تكون محملة بالهدايا، وإنما بالحزن والدموع.
18 ألف جنيه وراء مأساة طالب الصيدلة في طلخا
إلى جانب دراسته، كان علي يعمل في تجارة الهواتف المحمولة مع أحد أصدقائه، محاولًا الاعتماد على نفسه وتخفيف الأعباء عن أسرته.
وبحسب رواية والده، نشب خلاف مالي بين نجله وشخصين بشأن ثمن هواتف محمولة، بعد تبقي مبلغ 18 ألف جنيه من قيمة المبيعات.
ويقول الأب إن الخلاف تطور إلى مطاردة بالسيارات بدأت من منطقة العباسي بمدينة طلخا، وانتهت بالقرب من الموقف الجديد، حيث تعرضت سيارة علي لحادث أودى بحياته.
وأكد أن الواقعة وثقتها كاميرات مراقبة، مطالبًا بكشف جميع الملابسات ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
«غسلته بإيدي».. عودة من العراق لوداع الحلم
بصوت يختلط فيه الحزن بالحسرة، تحدث الأب عن أصعب لحظة عاشها، حين عاد من العراق بعدما تلقى خبر وفاة ابنه.
كان ينتظر أن يشاهده يومًا مرتديًا البالطو الأبيض، لكنه عاد ليغسله ويودعه إلى مثواه الأخير.
«أنا ما شفتش ابني يوم وهو رايح كلية الصيدلة.. ما شفتهوش وهو لابس البالطو الأبيض.. أنا ما لحقتش أشبع من ابني».
حلم الزواج الذي لم يتحقق.. «ياريتني كنت خطبتهاله»
لم تكن دراسة الصيدلة حلم علي الوحيد؛ فقد أخبر والده بعد نجاحه في الفصل الدراسي الأول بأنه يحب فتاة ويتمنى خطبتها، خوفًا من أن يتقدم إليها شخص آخر.
لكن الأب طلب منه التريث حتى تتحسن الظروف المادية، بسبب مصروفات الدراسة والتزامات الأسرة.
واليوم يستعيد تلك المحادثة بحسرة، متمنيًا لو أنه وافق على خطبته وأدخل الفرحة إلى قلبه قبل رحيله.
والد علي يطالب بالقصاص العادل
لم يطلب الأب سوى تحقيق العدالة لنجله، ومعرفة الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الواقعة.
وتواصل الجهات المختصة التحقيق في ملابسات الحادث، فيما تبقى الاتهامات خاضعة للأدلة والإجراءات القضائية حتى صدور أحكام نهائية.
رحل علي قبل أن يرتدي البالطو الأبيض الذي حلم به، وقبل أن يحتفل الأب بتخرجه أو زواجه، تاركًا وراءه أسرة مكلومة وأحلامًا لم تكتمل، وأبًا اختصر أوجاعه في أمنية واحدة: أن يأخذ ابنه حقه بالقانون.






