الأحد، ٢٥ يناير ٢٠٢٦ في ٠٢:١٥ م

ما يحدث في واشنطن ليس نزوة رئيس… بل لحظة إخراج لاستراتيجية عمرها قرنان

ما يجري اليوم في واشنطن لا يمكن فهمه بوصفه نزوة عابرة لرئيس مثير للجدل، ولا بوصفه انحرافًا مؤقتًا في المسار الأمريكي. اختزال المشهد في شخصية دونالد ترامب هو قراءة سطحية، عاطفية، تفترض أن الدولة الأمريكية تُدار بالمزاج، لا بالمؤسسات، وبالخطابات لا بالتراكمات الاستراتيجية.

الحقيقة أكثر تعقيدًا — وأكثر خطورة.
ترامب لم يكن صانع المشروع، بل المنفّذ الذي جاء في التوقيت المناسب.

وهم «ترامب الظاهرة»… قراءة قاصرة للمشهد

يذهب كثيرون إلى تفسير ما يحدث في واشنطن على أنه نتيجة مباشرة لشخصية ترامب:
رجل شعبوي، صدامي، متهور، سيزول أثره بخروجه من البيت الأبيض أو مع خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر 2026.

لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية:
الولايات المتحدة ليست دولة تُدار برغبة فرد، بل منظومة مؤسسات ومصالح ومشاريع طويلة الأمد. الرؤساء يتغيرون، أما الاتجاهات الكبرى فتبقى.

«الدولة العميقة»… ليست خرافة بل اسم آخر للاستمرارية

مصطلح Deep State لا يشير إلى كيان سري غامض بقدر ما يعبر عن الاستمرارية المؤسسية داخل الدولة الأمريكية.
فالسياسات الكبرى لا تُولد في خطابات الحملات الانتخابية، بل تتشكل داخل:

  • مراكز أبحاث استراتيجية

  • مؤسسات الأمن القومي

  • وزارة الدفاع

  • اللوبيات الاقتصادية الكبرى

  • التيارات الفكرية المحافظة والقومية

كثير من هذه المشاريع وُضع منذ عقود، لكنه ظل مؤجلًا لغياب رئيس مستعد لتحمّل كلفة الصدام داخليًا وخارجيًا.

ترامب لم يأتِ ليبتكر.
أتى ليكسر المحرمات، ويؤدي دور «الرجل السيئ» الذي تحتاجه الدولة حين تقرر الانتقال من التلميح إلى الفعل.

عودة مبدأ مونرو… ولكن بصيغة القرن الحادي والعشرين

ما نشهده اليوم هو إحياء عملي لمبدأ مبدأ مونرو الذي صيغ قبل أكثر من 200 عام تحت شعار:
«الأمريكيتان للأمريكيين».

لكن العودة هذه المرة ليست أكاديمية ولا خطابية، بل خشنة ومباشرة، وتتجلى في:

  • رفض التمدد الصيني في أمريكا اللاتينية

  • تشديد ملف الهجرة وتحويله إلى قضية أمن قومي

  • إعادة تعريف الحدود باعتبارها خطوط دفاع استراتيجية

  • الانسحاب من التعددية الدولية حين تمس الهيمنة الأمريكية

هذا المبدأ لم يُخترَع من جديد، بل أُعيد تفعيله لأن ميزان القوة العالمي تغيّر، ولم تعد واشنطن ترى في النظام الليبرالي العالمي ضمانة تلقائية لمصالحها.

الهجرة… ملف جاهز للتنفيذ لا قرارًا شخصيًا

DC Statehood, Explained | Brennan Center for Justice

تشديد الهجرة، تقليص اللجوء، وبناء الجدران، ليست «نزعة عنصرية» مستحدثة.
هذه الملفات:

  • طُرحت منذ عهد بوش

  • نوقشت بعمق في عهد أوباما

  • صيغت تقاريرها داخل مراكز أبحاث محافظة وليبرالية

لكن لم يوجد رئيس مستعد لدفع الثمن السياسي والإعلامي.
ترامب فعل ما لم يجرؤ عليه غيره:
حوّل التوصيات المؤجلة إلى قرارات تنفيذية.

لماذا ترامب بالذات؟

لأنه يملك الصفات التي تحتاجها الدولة في لحظة صدام:

  • لا يهتم برأي الإعلام

  • لا يسعى لإرث أخلاقي

  • لا يخشى الصدام الداخلي أو الخارجي

  • مستعد لتحمل صورة «الشرير»

الدولة العميقة لا تبحث عن رؤساء مثقفين بقدر ما تبحث عن رؤساء قابلين للاستخدام.

بعد ترامب… المشروع لا يتوقف

الخطأ التحليلي الأخطر هو الاعتقاد أن خروج ترامب يعني نهاية المرحلة.
الحقيقة أن:

  • الجمهوريين القادمين لا يختلفون معه في الجوهر

  • كثير منهم أكثر تطرفًا… وأكثر تنظيمًا

  • ما سيتغير هو الأسلوب، لا الاتجاه

ترامب كسر السقف وجرّب الصدمة.
من سيأتون بعده سيديرون المشروع بهدوء أكبر… لا بتراجع.

لماذا يهم هذا العالم العربي؟

لأن التحول الأمريكي لم يعد أخلاقيًا أو تبشيريًا، بل نفعيًا بحتًا:

  • عودة منطق النفوذ لا القيم

  • أولوية الداخل على «نشر الديمقراطية»

  • الدول الضعيفة تُترك للفوضى أو لتوازنات إقليمية

  • العلاقات تُبنى على المصالح والاتفاقيات لا الشعارات

العالم يتجه إلى نظام تحكمه القوة والصفقات، لا الخطب والمثاليات.

الخلاصة: لحظة انتقال لا عابر

ما يحدث في واشنطن ليس انحرافًا مؤقتًا، بل مرحلة انتقال استراتيجية.
الخطاب تغيّر، لكن الأهم أن التنفيذ بدأ.

نحن أمام عالم تُدار فيه السياسة بلا أقنعة،
بعيدًا عن الشعارات،
وبعيدًا عن تكرار الأخطاء ذاتها،
في زمن تحكمه المصالح… لا النوايا.