الأحد، ٢٥ يناير ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٠ م

«زلزال دبلوماسي» في جنوب آسيا.. لماذا أنهت باكستان إدارة الإمارات لمطار إسلام أباد؟ وكيف أعاد الحلف السعودي-التركي رسم الخريطة الإقليمية؟

ما جرى في باكستان لم يكن إجراءً إداريًا عابرًا، ولا خلافًا تقنيًا حول عقد تشغيل مطار، بل تطورًا يمكن وصفه دون مبالغة بـ «الزلزال الدبلوماسي». إلغاء اتفاقية تشغيل مطار إسلام أباد الدولي مع الإمارات العربية المتحدة حمل رسائل سياسية عميقة، وأعلن بوضوح عن تحول استراتيجي في تموضع إسلام أباد الإقليمي.

القرار، في جوهره، لم يكن اقتصاديًا، بل سياسي-سيادي بامتياز، ويعكس انضمام باكستان العملي إلى محور إقليمي جديد تقوده المملكة العربية السعودية و**تركيا**، في مواجهة سياسات أبو ظبي في عدد من ملفات الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

إلغاء اتفاق المطار.. ما وراء الرواية الرسمية

ظاهريًا، جرى تسويق القرار على أنه مراجعة لعقود تشغيل واستثمار، لكن خلف الكواليس كانت الحسابات مختلفة تمامًا.
النخبة السياسية والعسكرية في باكستان باتت ترى أن الاستثمارات الإماراتية المشروطة في مرافق سيادية حساسة، مثل المطارات والموانئ، تحولت إلى أداة ضغط سياسي تمسّ القرار الوطني، لا مجرد شراكات اقتصادية.

ومن هذا المنطلق، لم يكن إنهاء اتفاق مطار العاصمة سوى خطوة رمزية قوية تعلن أن السيادة الباكستانية خط أحمر، حتى لو كان الثمن صدامًا مباشرًا مع أحد أكبر المستثمرين التقليديين.

الحلف السعودي التركي.. إعادة تموضع لا مجاملة

«عربون محبة» سياسي لتحالف جديد

بدأت باكستان خلال الأشهر الأخيرة إعادة تموضع شاملة داخل محور إقليمي يتشكل بين الرياض وأنقرة، يقوم على رؤية مختلفة جذريًا عن سياسات أبو ظبي.
ووفق تقديرات مراقبين، جاء قرار إلغاء اتفاق المطار بمثابة رسالة سياسية مباشرة تؤكد جدية هذا التحول، وتقدّم «عربون ثقة» للحلف الجديد.

رؤية مختلفة للأمن والسيادة

الحلف السعودي التركي يدفع باتجاه:

  • تعزيز استقلالية القرار الوطني للدول الأعضاء

  • تقليص النفوذ الاقتصادي الخارجي في المرافق السيادية

  • ربط التعاون الاقتصادي بالأمن الاستراتيجي لا بالابتزاز السياسي

وهي مبادئ وجدت صدى واضحًا داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية.

لماذا أصبح الوجود الإماراتي «غير مرغوب»؟

مطار العاصمة.. مرفق حساس

ترى باكستان أن مطار العاصمة ليس مجرد منشأة مدنية، بل مرفق أمني ومخابراتي حساس، خاصة في ظل التحديات الإقليمية المحيطة بها.
ومع اتساع الفجوة السياسية مع أبو ظبي، بات وجود إدارة إماراتية في هذا الموقع الحساس مثار قلق استراتيجي.

تقارب عسكري مع أنقرة وأمني مع الرياض

التقارب المتسارع بين إسلام أباد وأنقرة في مجالات التصنيع العسكري والتكنولوجيا الدفاعية، إلى جانب التنسيق الأمني العميق مع الرياض، جعل من غير المنطقي – وفق الرؤية الباكستانية – الإبقاء على نفوذ اقتصادي لدولة تختلف معها سياسيًا في قلب البنية التحتية السيادية.

هل تخاطر باكستان بالاستثمارات؟

حسابات الربح والخسارة

يدرك صانع القرار في باكستان أن خسارة جزء من الاستثمارات الإماراتية كلفة حقيقية، لكنها تُعد أقل خطورة من استمرار الاعتماد على شريك يُنظر إليه باعتباره عامل ضغط سياسي طويل الأمد.

في المقابل، ترى إسلام أباد أن الحلف مع السعودية وتركيا:

  • أكثر استقرارًا على المدى المتوسط

  • أقل تدخلًا في القرار الداخلي

  • وأقرب إلى مصالحها الأمنية والاقتصادية

 وجهة واضحة بلا تردد

اختارت باكستان أن ترسم خطًا فاصلًا بين الاستثمار والسيادة، وأن تحدد بوضوح موقعها في الخريطة الإقليمية الجديدة.
التحالف مع الكتلة الصلبة (السعودية وتركيا) بات خيارًا استراتيجيًا، حتى لو استدعى ذلك مواجهة مباشرة مع أبو ظبي وأجندتها في المنطقة.

إنه تحول لا يتعلق بمطار فقط، بل بموازين نفوذ تتغير، وبنظام إقليمي يُعاد تشكيله بهدوء، لكن بقرارات حادة وواضحة.