في سياق أوروبي محتقن، تشهده عواصم كبرى من لندن إلى باريس وبرلين ومدريد، حيث خرج مئات الآلاف من المتظاهرين تنديدًا بما يصفونه بـ«الإبادة الجماعية» في قطاع غزة، تتصاعد في الوقت ذاته وقائع مقلقة تتعلق بحرية التعبير داخل الجامعات الأوروبية، كان آخرها قضية الطالب المصري أسامة غانم، الذي يواجه خطر الترحيل من المملكة المتحدة على خلفية مشاركته في احتجاجات طلابية داعمة للشعب الفلسطيني.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الجامعات الأوروبية موجة غير مسبوقة من الاعتصامات والاحتجاجات الطلابية، رفضًا للعدوان الإسرائيلي على غزة، ومطالبة بوقف الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، وهو ما وضع إدارات جامعية عديدة في مواجهة مباشرة مع طلابها.
إجراءات تأديبية وسحب التأشيرة
وبحسب ما أفادت به تقارير إعلامية، بدأت جامعة كينغز كوليدج لندن باتخاذ إجراءات تأديبية بحق أسامة غانم، شملت تعليق دراسته إلى أجل غير مسمى منذ أيار/ مايو الماضي، إلى جانب سحب رعاية تأشيرته الدراسية، بعد مراجعات متكررة لنشاطه الطلابي المرتبط بالاحتجاجات المؤيدة لغزة.
واتهمت إدارة الجامعة الطالب المصري بارتكاب مخالفات غير أكاديمية، تضمنت ـ وفق خطاب رسمي ـ «انتهاكات تنظيمية وإجرائية»، و«سلوكًا مسيئًا أو مهينًا»، و«تعطيل سير العمليات داخل الحرم الجامعي»، وهي اتهامات ينفيها غانم، مؤكدًا أن مشاركته جاءت في إطار احتجاجات سلمية وقانونية.
إنذار بالترحيل دون تهم جنائية

وأُبلغ غانم بضرورة العودة إلى بلاده إلى حين إعادة النظر في قرار تعليق دراسته في آب/ أغسطس المقبل، فيما كشفت معلومات لاحقة أن وزارة الداخلية البريطانية أبلغته سرًا بإلغاء تأشيرته الدراسية في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، مع تحذير صريح من احتمال مطالبته بمغادرة المملكة المتحدة خلال مهلة لا تتجاوز 60 يومًا، أي بحلول 27 كانون الثاني/ يناير.
ورغم خطورة القرار، لم تُوجَّه إلى الطالب المصري أي تهم جنائية، ما أثار تساؤلات واسعة في الأوساط الحقوقية والأكاديمية حول خلفيات الإجراءات، وما إذا كانت مرتبطة بشكل مباشر بمواقفه السياسية ودعمه العلني للقضية الفلسطينية.
مخاوف من الترحيل إلى مصر
ونقلت شبكة سي إن إن عن غانم مخاوفه من أن يؤدي ترحيله إلى مصر إلى تعريضه للاعتقال أو الاضطهاد السياسي، خاصة في ظل سجل سابق من الانتهاكات بحقه.
وأوضح غانم أنه سبق أن تعرض للاعتقال عام 2020 مع شقيقه ووالده، بسبب نشاطهم السياسي، مؤكدًا أنه تعرض حينها للضرب والصعق الكهربائي وسوء المعاملة، وهو ما يجعل عودته القسرية إلى مصر خطرًا حقيقيًا على سلامته.
رد الجامعة ودعم أكاديمي واسع
من جهتها، أكدت جامعة كينغز كوليدج لندن في بيان رسمي أن طلابها «لا يُعاقبون بسبب انتماءات قانونية، بما في ذلك دعمهم للقضية الفلسطينية، ولا بسبب مشاركتهم في احتجاجات قانونية»، مشددة على أن الإجراءات المتخذة بحق غانم لا تتعلق بمواقفه السياسية.
إلا أن هذا التبرير لم يقنع قطاعًا واسعًا من الأكاديميين والطلاب، حيث يحظى غانم بدعم مئات الأشخاص داخل الجامعة وخارجها، من بينهم أكثر من 40 أستاذًا من شبكة أبحاث العرق بالجامعة، الذين وجهوا خطابًا رسميًا للإدارة اتهموها فيه بـ«التمييز المؤسسي»، وطالبوا بإلغاء قرار الترحيل فورًا.
«هربت من الاستبداد فوجدته في الجامعة»
وفي تصريح مؤثر، قال أسامة غانم:
«لقد تركت نظامًا استبداديًا في مصر لأجد نوعًا آخر من الاستبداد داخل جامعة كينغز كوليدج لندن. أنا أؤمن بأن الاستبداد يجب أن يُواجه ويُتحدّى، لا أن يُقبل أو يُبرر».
وتتولى هيئة الدفاع عن غانم حاليًا رفع دعوى قضائية ضد الجامعة، تتضمن اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، والتمييز، والتحرش، والتسبب بإصابات وأضرار نفسية، في قضية باتت رمزًا أوسع للصراع الدائر داخل الجامعات الأوروبية حول حدود حرية التعبير، ودور المؤسسات الأكاديمية في زمن الحروب.
قضية فردية أم ظاهرة أوسع؟
قضية أسامة غانم لم تعد مجرد نزاع قانوني بين طالب وجامعته، بل تحولت إلى نموذج يعكس التوتر المتصاعد بين الإدارات الأكاديمية والحركات الطلابية المناهضة للحرب، في وقت تتسع فيه رقعة التظاهرات الأوروبية الرافضة لما يجري في غزة، وسط اتهامات متزايدة بازدواجية المعايير في التعامل مع حرية الرأي حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.


