الأمم المتحدة بين المنبر والعجز.. لماذا يسمع العالم الخطابات ولا يرى الحلول؟
في كل سبتمبر، يتجه زعماء العالم إلى نيويورك حاملين الملفات نفسها تقريبًا: الحروب، فلسطين، الشرق الأوسط، أوكرانيا، السودان، المناخ، الفقر، النزوح، والعقوبات. تتغير أسماء المتحدثين، وتتبدل صياغة الخطب، لكن كثيرًا من الأزمات تبقى مفتوحة عامًا بعد عام.
وهذا العام بدأت المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة تحت شعار لافت: «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع». لكن اختيار «استعادة الثقة» نفسه يعكس إدراكًا داخل المنظمة بأن الثقة في النظام الدولي تعرضت لضغوط شديدة. وقال الأمين العام أنطونيو غوتيريش في افتتاح الدورة إن الانقسامات الجيوسياسية تعمقت وإن الثقة تآكلت مع استمرار الحروب وانتهاك القانون الدولي.
العالم يعرف مشكلاته بالفعل
المفارقة أن سكان العالم لا ينتظرون اجتماعات الجمعية العامة حتى يعرفوا أين توجد الأزمات.
الجميع يعرف أن القضية الفلسطينية لم تُحل، وأن الحرب في أوكرانيا مستمرة، وأن السودان يعيش حربًا كارثية، وأن الشرق الأوسط دخل مرحلة أكثر خطورة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ومع ذلك، يصعد الزعماء واحدًا تلو الآخر إلى المنصة ليعيد كل منهم شرح الأزمة من وجهة نظرة.
وهنا يظهر السؤال الذي يطارد المؤسسة منذ سنوات:
هل وظيفة الأمم المتحدة تعريف العالم بالمشكلة، أم خلق قدرة حقيقية على حلها؟
منبر يعرف الجميع مسبقًا ما سيقال عليه
تستمر المناقشة العامة للدورة الحالية من 22 إلى 28 سبتمبر، ويشارك فيها رؤساء دول وحكومات ووزراء وممثلون رفيعو المستوى.
لكن المشاهد الذي يتابع الكلمات يستطيع أحيانًا توقع مضمون الخطاب قبل أن يبدأ.
الدولة المنخرطة في حرب ستدافع عن روايتها.
خصومها سيقدمون رواية مضادة.
الدول المحايدة نسبيًا ستطالب بالتهدئة والحوار.
والأمين العام سيدعو إلى احترام القانون الدولي.
ثم تنتهي الكلمات ويغادر الجميع القاعة.
المشكلة ليست في الخطابات نفسها؛ فالدبلوماسية تقوم جزئيًا على إعلان المواقف. المشكلة تبدأ عندما تصبح الكلمة هي المنتج النهائي بدل أن تكون بداية لتحرك يمكن قياس نتائجه.

فلسطين.. المثال الأكثر وضوحًا على فجوة القرار والتنفيذ
لا يوجد ملف يكشف أزمة التنفيذ بصورة أوضح من القضية الفلسطينية.
منذ عقود، تبنت الجمعية العامة عشرات القرارات المؤيدة لحق الفلسطينيين في تقرير المصير وحل الدولتين.
وفي سبتمبر 2025 أيدت الجمعية العامة «إعلان نيويورك» الخاص بالحل السلمي للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين بأغلبية 142 دولة مقابل 10. وفي ديسمبر من العام نفسه أيدت 151 دولة قرارًا جديدًا بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية.
بل إن رئيسة الجمعية العامة السابقة قالت في مايو 2025 إن المنظمة تدعو إلى حل الدولتين منذ نحو سبعة عقود، وإن التحدي أصبح تنفيذ القرارات وليس إصدار المزيد منها.
وهذه ربما هي العبارة التي تختصر المشكلة كلها.
القرار موجود.. لكن أين آلية التنفيذ؟
الجمعية العامة تملك قدرة كبيرة على التعبير عن الإرادة السياسية لغالبية دول العالم، لكن قراراتها في معظم القضايا الدولية هي توصيات غير ملزمة قانونيًا للدول، بعكس بعض قرارات مجلس الأمن. وهذا ليس ضعفًا طارئًا، بل جزء من بنية ميثاق الأمم المتحدة نفسه.
ولهذا يمكن لـ150 دولة أن تؤيد موقفًا داخل الجمعية العامة، ثم لا يتغير الواقع على الأرض بالقدر الذي يوحي به حجم التصويت.
مجلس الأمن.. حيث تبدأ أزمة القوة الحقيقية
إذا انتقل الملف إلى مجلس الأمن، تظهر مشكلة أخرى: الفيتو.
الدول الخمس دائمة العضوية –الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا– تستطيع إسقاط قرار موضوعي إذا استخدمت إحداها حق النقض.
وفي يونيو وسبتمبر 2025، فشل مجلس الأمن مرتين في اعتماد مشاريع قرارات بشأن وقف إطلاق النار في غزة بعدما استخدمت الولايات المتحدة الفيتو، رغم تصويت الأعضاء الأربعة عشر الآخرين لصالح أحد المشاريع في كل مرة.
وهنا تكمن مفارقة النظام الدولي:
الأمم المتحدة يفترض أن تمثل المجتمع الدولي، لكن قدرتها على التحرك في أخطر الملفات يمكن أن تتوقف على موقف دولة واحدة من القوى الكبرى.
الأمم المتحدة ليست حكومة عالمية
من الإنصاف أيضًا ألا نحمّل المنظمة ما لم يمنحها ميثاقها أصلًا.
الأمم المتحدة ليست دولة فوق الدول، ولا تملك جيشًا مستقلًا تستطيع إرساله متى شاءت، ولا تستطيع إجبار القوى الكبرى على التراجع إذا قررت تلك القوى استخدام نفوذها السياسي والعسكري.
فهي في النهاية منظمة أنشأتها الدول، وتعتمد في قراراتها وميزانياتها وعملياتها على الدول نفسها.
وبالتالي فإن جزءًا كبيرًا مما يوصف بأنه «عجز الأمم المتحدة» هو في الحقيقة عجز الدول الكبرى عن الاتفاق، أو رفضها الاتفاق عندما تتعارض القرارات مع مصالحها.
المؤسسة تعكس ميزان القوة أكثر مما تتغلب عليه
هذه هي العقدة الأساسية.
عندما تتفق القوى الكبرى، تستطيع المنظمة توفير شرعية دولية وآليات مراقبة ومساعدات وحفظ سلام.
لكن عندما تختلف هذه القوى، تظهر حدود المؤسسة بسرعة.
ولهذا لا يمكن فصل أزمة الأمم المتحدة عن أزمة النظام الدولي نفسه.

لماذا تبدو الاجتماعات الجانبية أحيانًا أهم من القاعة؟
هنا تظهر مفارقة أخرى.
قد تكون اللقاءات التي تعقد في غرف الفنادق والمكاتب وعلى هامش الجمعية العامة أكثر تأثيرًا في بعض الملفات من الكلمات الرسمية التي تُلقى أمام العالم.
فعلى هامش اجتماعات الدورة الحالية تجري اتصالات مكثفة بشأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وصرحت واشنطن بأنها منفتحة على لقاء مسؤولين إيرانيين إذا كان الاجتماع قادرًا على تحقيق نتيجة، بينما تجري دول الخليج اتصالات مرتبطة بالتهدئة والأمن الإقليمي.
كما اجتمعت مصر والسعودية وتركيا وباكستان على هامش الجمعية العامة لبحث التصعيد الإقليمي وأمن المنطقة.
وهنا يصبح مبنى الأمم المتحدة مهمًا، ولكن بوصفه مكانًا يجمع الخصوم في مدينة واحدة أكثر من كونه سلطة قادرة بمفردها على فرض التسويات.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اختبار جديد
تنعقد الدورة الـ81 فيما تستمر الحرب التي بدأت بهجمات أمريكية وإسرائيلية مشتركة على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من ردود إيرانية واتساع التوتر إلى الخليج واليمن والممرات البحرية.
ومع ذلك، فإن أحد أهم المسارات المحتملة لإنهاء الأزمة لا يجري من خلال قرار ملزم صادر عن الجمعية العامة، بل من خلال اتصالات مباشرة ووساطات واجتماعات جانبية.
وهذا يعيدنا إلى السؤال نفسه:
إذا كان الحل النهائي للحروب الكبرى سيأتي من تفاوض القوى المتحاربة نفسها، فأين تقف الأمم المتحدة؟
الجواب الأكثر واقعية أنها تستطيع توفير المكان، والشرعية، والوساطة، والمنظمات الإنسانية، وإطار القانون الدولي، لكنها لا تستطيع دائمًا صناعة الإرادة السياسية المفقودة.
الأمم المتحدة بين «المكلمة» والمنصة الضرورية
وصف الجمعية العامة بأنها «مكلمة دولية» يعبر عن إحباط مفهوم أمام مشهد خطابات تتكرر بينما يموت الناس في الحروب.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة.
فمن دون الأمم المتحدة سيظل الخلاف موجودًا، لكن ربما من دون منصة مشتركة، ومن دون آليات إنسانية عالمية، ومن دون مكان تستطيع فيه دولة صغيرة أن تخاطب القوى الكبرى أمام العالم.
ولهذا قالت رئيسة الدورة السابقة للجمعية العامة، في ختام ولايتها، إن على منتقدي المنظمة أن يفكروا في البديل: كيف سيكون العالم بلا أمم متحدة أصلًا؟
السؤال إذن ليس فقط:
هل الأمم المتحدة فشلت؟
بل أيضًا:
هل صُممت أصلًا بأدوات تكفي لمنع القوى الكبرى من تعطيلها؟
المشكلة في البنية قبل أن تكون في الخطب
حق النقض صُمم بعد الحرب العالمية الثانية لضمان بقاء القوى الكبرى داخل النظام الجديد.
لكن الأداة التي ساعدت على قيام المنظمة أصبحت أيضًا واحدة من أهم أسباب شللها في النزاعات التي يكون أحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين طرفًا فيها أو حليفًا رئيسيًا لطرف فيها.
والنتيجة أن العالم يستطيع الاتفاق أخلاقيًا وسياسيًا على قضية داخل الجمعية العامة، ثم يصطدم بميزان القوى داخل مجلس الأمن.
هنا تفقد القرارات جزءًا من قيمتها لدى المواطن العادي
المواطن لا يقرأ الفرق القانوني بين قرار الجمعية العامة وقرار مجلس الأمن.
هو يرى قرارًا يحمل شعار الأمم المتحدة ثم ينتظر تنفيذه.
وعندما تمر السنوات ولا يحدث التنفيذ، لا يقول إن «القرار كان توصية غير ملزمة».
بل يقول ببساطة:
ما فائدة الأمم المتحدة؟
وهنا تبدأ أزمة الثقة الحقيقية.
ماذا يحدث إذا استمرت الثقة في التراجع؟
ضعف الثقة في المنظمة لا يعني بالضرورة اختفاءها، لكنه قد يؤدي إلى عالم تعتمد فيه الدول بصورة أكبر على التحالفات العسكرية والإقليمية والاتفاقات الثنائية بدل المؤسسات متعددة الأطراف.
وهذا المسار ظاهر بالفعل في ملفات عديدة، حيث أصبحت مجموعات صغيرة من الدول تقوم بأدوار تفاوضية أكثر سرعة من المؤسسات العالمية الكبيرة.
لكن لذلك ثمن أيضًا.
فالعالم الذي تحكمه التحالفات فقط يعني أن الدول الصغيرة ستكون أقل قدرة على إسماع صوتها، وأن ميزان القوة العسكرية والاقتصادية سيصبح أكثر تأثيرًا من القواعد المشتركة.
إصلاح الأمم المتحدة أم انتظار الأزمة التالية؟
حتى قيادة المنظمة نفسها تعترف بالحاجة إلى الإصلاح.
غوتيريش تحدث في افتتاح الدورة الأخيرة عن عالم تتسع فيه الانقسامات، بينما تحمل الدورة شعار «استعادة الثقة»، وهو اعتراف واضح بأن النظام المتعدد الأطراف يواجه أزمة مصداقية.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يتعلق بتقليل مدة الخطب أو تغيير جدول الاجتماعات.
السؤال الجوهري هو:
كيف يمكن جعل القرارات التي تتعلق بالسلم والحرب أكثر قابلية للتنفيذ عندما تتصادم مع مصالح القوى الكبرى؟
وهذا السؤال أصعب كثيرًا من كتابة أي قرار جديد.
العالم لا يحتاج إلى إعادة جدول أزماته
في نهاية كل دورة، سيغادر الزعماء نيويورك.
وسيتبقى الفلسطيني ينتظر الدولة التي تحدث عنها عشرات القرارات، والأوكراني ينتظر نهاية الحرب، والسوداني ينتظر وقف القتال، وشعوب الشرق الأوسط تراقب مسار الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران.
وهنا يصبح الخطر الأكبر على الأمم المتحدة ليس عدم قدرتها على حل أزمة واحدة.
بل أن يعتاد العالم وجودها بلا انتظار شيء منها.
فالمنظمات لا تفقد قيمتها عندما يهاجمها خصومها فقط، بل عندما يتابع الناس اجتماعاتها وهم يعرفون مسبقًا أن الكلمات ستنتهي، والكاميرات ستغادر، وأن الملفات نفسها قد تعود إلى المنصة في سبتمبر المقبل.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي للدورة الـ81 ليس إضافة خطابات جديدة إلى أرشيف الأمم المتحدة.
إنه إثبات أن شعار «استعادة الثقة» يمكن أن يتحول من جملة معلقة فوق القاعة إلى نتائج يراها الناس خارجها.


