الأربعاء، ٣ يونيو ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ م

«التريند بأي ثمن».. جرائم البحث عن الأرباح والمشاهدات تهدد المجتمع

جريمة كل يوم.. والسبب مشاهدات وأرباح

لم تعد بعض الجرائم التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وقائع عابرة أو تصرفات فردية، بل أصبحت جزءًا من ظاهرة مقلقة عنوانها: السعي وراء المشاهدات بأي ثمن.

في كل يوم تقريبًا، تظهر واقعة جديدة تبدأ بفيديو أو بث مباشر أو منشور مثير، ثم تنتهي بتحقيقات، وبلاغات، وربما حبس وعقوبات. وبين البداية والنهاية، يكون هناك ضحية، وكرامة أُهدرت، وخصوصية انتُهكت، ومجتمع كامل يشاهد الصدمة وكأنها مادة للترفيه.

الأرباح تحولت إلى فخ

أصبح حلم الربح من مواقع التواصل مغريًا لكثيرين. البعض يبحث عن زيادة المتابعين، والبعض يطارد الإعلانات، والبعض الآخر لا يرى في الإنسان أمامه سوى «محتوى» يمكن استغلاله.

وهنا تبدأ الكارثة، عندما يتحول الألم إلى مادة للنشر، والفضيحة إلى فرصة للانتشار، والخلاف الشخصي إلى فيديو قابل للتداول، والضعف الإنساني إلى وسيلة لجمع المشاهدات.

فبدلًا من أن تكون مواقع التواصل مساحة للتعبير أو المعرفة أو العمل، تحولت عند بعض الأشخاص إلى ساحة مفتوحة لصناعة الإثارة، حتى لو كان الثمن هو حياة الآخرين وسمعتهم وسلامتهم النفسية.

الشهرة بأي ثمن.. أخطر أمراض السوشيال ميديا

الظاهرة الأخطر ليست فقط في نشر محتوى مخالف، بل في العقلية التي تقف خلفه. عقلية ترى أن الوصول للتريند أهم من احترام الناس، وأن عدد المشاهدات أهم من القانون، وأن الإعجاب والمشاركة يمكن أن يبررا أي تجاوز.

هناك من يصور مشاجرة بدل أن ينقذ مصابًا، ومن ينشر فضيحة بدل أن يستر إنسانًا، ومن يستغل الأطفال أو النساء أو كبار السن لتحقيق انتشار سريع، وكأن الكرامة أصبحت سلعة على شاشة الهاتف.

الضحية تدفع الثمن مرتين

في جرائم المشاهدات، الضحية لا تتعرض للأذى مرة واحدة فقط، بل مرتين.

المرة الأولى عند حدوث الواقعة نفسها، سواء كانت ابتزازًا أو تصويرًا دون إذن أو تشهيرًا أو استغلالًا.

والمرة الثانية عندما يتم نشر المحتوى وتداوله، فيتحول الضرر من موقف محدود إلى فضيحة عامة تلاحق صاحبها وأسرتها وربما مستقبلها بالكامل.

وهنا يصبح تداول الفيديو أو إعادة نشره مشاركة في الأذى، حتى لو لم يكن الناشر هو الفاعل الأصلي.

                         الداخلية تكشف حقيقة ادعاء سيدة باقتحام منزلها وضبط زوجها دون وجه حق في البحيرة

القانون لا يتسامح مع انتهاك الخصوصية

القانون يتعامل بجدية مع جرائم النشر والتشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية، خاصة عندما يكون الهدف تحقيق أرباح أو زيادة متابعين أو الضغط على الضحية.

فالتصوير دون إذن، ونشر صور أو مقاطع خاصة، وتهديد الأشخاص بفضحهم، واستخدام المحتوى للإساءة أو الابتزاز، كلها أفعال قد تضع صاحبها تحت طائلة القانون.

والأهم أن عبارة «كنت بهزر» أو «كنت بعمل محتوى» لم تعد كافية للهروب من المسؤولية، لأن القانون ينظر إلى الفعل ونتيجته، لا إلى المبررات التي يرددها صاحبه بعد انتشار الأزمة.

من صانع محتوى إلى متهم

كثيرون يبدأون الطريق باعتبار أنفسهم «صناع محتوى»، ثم يجدون أنفسهم فجأة أمام جهات التحقيق، لأنهم تجاوزوا الخط الفاصل بين الحرية والجريمة.

فصناعة المحتوى لا تعني اقتحام خصوصية الناس، ولا تصويرهم في لحظات ضعف، ولا استغلال القصر، ولا نشر الاتهامات بلا دليل، ولا تحويل السمعة إلى مادة للربح.

الانتشار لا يحمي صاحبه من الحساب، بل ربما يجعله أكثر وضوحًا أمام القانون.

السوشيال ميديا ميديا ليست محكمة

من أخطر نتائج مطاردة المشاهدات أن البعض يحول مواقع التواصل إلى محكمة شعبية. ينشر اتهامًا، يضع صورة، يكتب تعليقًا حادًا، ثم يترك الجمهور يهاجم ويدين ويشتم، دون أن ينتظر تحقيقًا أو حكمًا أو رواية كاملة.

وهذا خطر كبير، لأن سمعة الإنسان قد تُدمر خلال دقائق، بينما إثبات الحقيقة يحتاج وقتًا وجهدًا وإجراءات.

ليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل فيديو كاملًا، وليس كل تعليق بريئًا. أحيانًا يكون المحتوى مقطوعًا من سياقه، وأحيانًا يكون الهدف منه التشهير أو الضغط أو الانتقام.

  «اعتذار أبعادية دمنهور».. أهالي القرية يوجهون رسالة للداخلية بعد فيديو حمادة

لماذا ينجح هذا النوع من المحتوى؟

ينجح محتوى الفضائح لأنه يضغط على غرائز الفضول والغضب والصدمة. الناس تتوقف أمام العناوين المثيرة، وتشارك المقاطع الصادمة، وتدخل في التعليقات، فيرتفع الانتشار، وتزيد الأرباح.

لكن السؤال الأخطر: هل كل ما يجلب المشاهدات يستحق النشر؟

الإجابة واضحة: لا. لأن المجتمع الذي يحول فضائح الناس إلى ترفيه، يفتح الباب لأن يصبح أي فرد فيه ضحية في لحظة ما.

مسؤولية الجمهور أيضًا

المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده، بل على الجمهور أيضًا. فكل مشاركة لفيديو مسيء، وكل تعليق ساخر على ضحية، وكل إعادة نشر لمقطع خاص، تساهم في توسيع دائرة الضرر.

المشاهدة ليست دائمًا فعلًا بريئًا، والمشاركة قد تكون جزءًا من الجريمة الأخلاقية، وربما القانونية، إذا كان المحتوى يتضمن انتهاكًا للخصوصية أو تشهيرًا أو ابتزازًا.

المطلوب: وعي قبل العقوبة

العقوبة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب أيضًا وعي مجتمعي واضح بأن السوشيال ميديا ميديا ليست منطقة بلا قانون، وأن الهاتف المحمول ليس رخصة لتصوير الناس، وأن الأرباح لا تبرر إسقاط القيم.

يجب أن يعرف الشباب أن الطريق السريع للتريند قد ينتهي بمحضر وتحقيق وسجن، وأن الشهرة التي تُبنى على فضيحة الآخرين لا تصنع نجاحًا حقيقيًا، بل تصنع ملفًا قانونيًا ووصمة اجتماعية.

مطاردة التريند لا تمنح أحدًا الحق في انتهاك خصوصية الناس أو تشويه سمعتهم

جرائم البحث عن الأرباح والمشاهدات على مواقع التواصل أصبحت ظاهرة خطيرة تحتاج إلى وقفة حقيقية. فمطاردة التريند لا تمنح أحدًا الحق في انتهاك خصوصية الناس أو تشويه سمعتهم أو استغلال ضعفهم.

القانون يعاقب، والمجتمع يجب أن يرفض، والجمهور عليه أن يتوقف عن مكافأة هذا النوع من المحتوى بالمشاهدة والمشاركة.

فليس كل ما يُصور يُنشر، وليس كل ما ينتشر يستحق التصديق، وليس كل من يبحث عن الشهرة بريئًا من الأذى.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.