الجلابية والعباية تتصدران الجدل.. ماذا كشفت جولة محافظ القليوبية داخل المدارس؟
أثارت جولة تفقدية لمحافظ القليوبية على عدد من المدارس لمتابعة الاستعدادات للعام الدراسي الجديد جدلا واسعا بعد تداول مقاطع مصورة من الجولة ظهر خلالها المحافظ وهو يوجه انتقادات حادة لعدد من المسؤولين والعاملين بالمدارس، من بينهم مدير مدرسة بسبب ارتدائه جلابية أثناء وجوده في مقر عمله، إلى جانب واقعة أخرى شهدت نقاشا حادا مع إحدى مديرات المدارس حول مستوى الاستعدادات وما أعلنته عن إنفاقها أموالا من حسابها الخاص لتجهيز المدرسة.
الجولة لم تتوقف عند المظهر العام للعاملين، وإنما تضمنت ملاحظات تتعلق بالنظافة والصيانة وتجهيزات المدارس، وهو ما دفع المحافظ إلى توجيه تعليمات وملاحظات مباشرة للمسؤولين، في مشاهد أثارت انقساما على مواقع التواصل الاجتماعي بين من رأى أن المحافظ مارس حقه في الرقابة والمحاسبة، ومن اعتبر أن طريقة تعامله مع العاملين كانت قاسية.
وبعيدا عن الانقسام حول أسلوب المحافظ، تطرح الواقعة سؤالا أوسع يستحق النقاش: هل أصبحنا نميل إلى تبرير الخطأ والدفاع عن صاحبه لمجرد أنه تعرض للتوبيخ، بدلا من النظر أولا إلى أصل المخالفة ومسؤولية كل طرف عنها؟
في تقديري، هناك فارق واضح بين انتقاد أسلوب المسؤول وبين رفض مبدأ المحاسبة نفسه. من حق أي موظف أن يحافظ على كرامته، ومن حق أي مواطن أن يعترض على أي تجاوز في حقه، لكن في المقابل من حق المسؤول أيضا، بل من واجبه، أن يتابع أداء المؤسسات الواقعة تحت مسؤوليته وأن يوجه اللوم عندما يرصد تقصيرا أو مخالفة.
جولة محافظ القليوبية لم تكن مرتبطة بالملابس فقط
المشكلة أن النقاش العام تحول سريعا من السؤال عن مستوى جاهزية المدارس إلى الدفاع عن الجلابية والعباية، وكأن القضية أصبحت مرتبطة بالملابس في حد ذاتها، بينما الأهم هو وجود قواعد واضحة للمظهر والانضباط الوظيفي وتطبيقها على الجميع دون تمييز.
إذا كانت هناك قواعد تلزم العاملين بزي أو مظهر معين داخل المؤسسات التعليمية، فيجب إعلانها بوضوح وتطبيقها بعدالة، وإذا لم تكن هناك قواعد واضحة، فهذه مسؤولية الجهات المختصة التي عليها وضع معايير محددة بدلا من ترك الأمر للاجتهاد الشخصي.
أما الواقعة الأخرى المتعلقة بمديرة المدرسة وما أعلنته عن إنفاقها أموالا من مالها الخاص على تجهيز المدرسة، فهي تحتاج إلى التحقق من المستندات والوقائع كاملة، وليس إلى إصدار أحكام مسبقة بناء على مقطع مصور لا يتجاوز دقائق. فالمديرة إذا كانت أنفقت بالفعل من مالها الخاص تستحق التقدير، وإذا كانت الوقائع مختلفة فعليها أن توضحها، وفي الحالتين يجب أن يكون الفيصل هو المستند والتحقيق لا الانطباع.
لماذا نخلط بين رفض الإهانة ورفض المحاسبة؟
وفي المقابل، فإن تأييد حق المحافظ في الرقابة لا يعني منحه حصانة من النقد. المسؤول، أيا كان منصبه، مطالب بأن يمارس صلاحياته في إطار القانون وأن يحافظ على كرامة العاملين أثناء المحاسبة، لأن هيبة الدولة لا تقوم على رفع الصوت، وإنما على وضوح القواعد وعدالة تطبيقها.
لكن ما يستحق التوقف أمامه هو أننا أصبحنا في كثير من الأحيان نخلط بين رفض الإهانة ورفض المحاسبة، فإذا تعرض موظف للتوبيخ تحول تلقائيا إلى ضحية، وإذا حاول مسؤول تطبيق الانضباط أصبح متسلطا.
هذه المعادلة تحتاج إلى مراجعة.
هل أصبح التوبيخ سببا كافيا لتحويل المخطئ إلى ضحية؟
نحن نطالب دائما بالانضباط ومحاربة الإهمال وتحسين مستوى الخدمات، لكن لا يمكن تحقيق ذلك إذا أصبح كل إجراء رقابي موضع هجوم، وكل خطأ بحاجة إلى مرافعة للدفاع عنه.
المطلوب ليس أن ننتصر لمحافظ أو موظف، وإنما أن ننتصر لفكرة المؤسسة المنضبطة. من أخطأ يحاسب، ومن تجاوز يحاسب، ومن تعرض للظلم يملك حق التظلم، وفي النهاية تكون القواعد والقانون هما الفيصل.
فإذا كنا نريد مدارس أفضل، فعلينا أن نتوقف عن تبرير الخطأ لمجرد التعاطف مع صاحبه، وأن نتوقف أيضا عن اعتبار كل محاسبة إهانة. الانضباط لا يعني القسوة، والمحاسبة لا تعني الإهانة، لكن تبرير الخطأ بالتأكيد ليس طريقا لإصلاح مؤسساتنا.