، لم تعد الحرب السودانية محصورة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل بدأت تتسع إلى ما يشبه حرب ظل إقليمية تتداخل فيها الحدود، والمسيّرات، والمطارات، ومعسكرات التدريب، وحسابات القوى الخارجية. وبينما تنتشر على مواقع التواصل روايات حادة عن “اعتداء إثيوبي مباشر” أو “طلعات جوية مجهولة” داخل السودان، فإن ما هو مثبت حتى الآن يكشف أزمة حقيقية، لكنها أكثر تعقيدًا من منشورات الإثارة: الخرطوم تتهم إثيوبيا والإمارات بالضلوع في هجمات مسيّرة، أديس أبابا تنفي، والحدود الشرقية تشهد تحشيدًا سودانيًا وسط مخاوف من انتقال الحرب إلى مستوى إقليمي أخطر.
ما هو المثبت حتى الآن؟
الثابت من المصادر المتاحة أن السودان وجّه اتهامات رسمية إلى إثيوبيا والإمارات بالتورط في هجمات مسيّرة استهدفت مواقع داخل السودان، بينها مطار الخرطوم ومواقع عسكرية ومدنية، وأن الخرطوم تحدثت عن انطلاق مسيّرات من داخل الأراضي الإثيوبية. كما استدعت السودان سفيرها من أديس أبابا للتشاور، في خطوة تعكس أن الأزمة تجاوزت مستوى التصريحات الإعلامية إلى مستوى دبلوماسي وأمني حساس.
في المقابل، نفت إثيوبيا هذه الاتهامات ووصفتها بأنها “بلا أساس”، بل اتهمت الخرطوم بدورها بارتكاب انتهاكات تمس الأمن الإثيوبي، ما يعني أن الطرفين دخلا مرحلة تبادل اتهامات رسمية قد ترفع احتمالات التصعيد إذا لم تُحتوَ سياسيًا.
كما أعلن الجيش السوداني، بحسب “سودان تريبيون”، إسقاط مسيّرة قال إنها دخلت الأجواء السودانية من اتجاه إثيوبيا قرب مدينة الدمازين في ولاية النيل الأزرق، وهو تطور مهم لأنه ينقل الاتهامات من مستوى “هجمات بعيدة على الخرطوم” إلى مستوى “اختراق حدودي مباشر” في منطقة شديدة الحساسية.
هل ثبت وجود اعتداء إثيوبي واسع منذ الصباح؟

لا. حتى الآن لا توجد تغطية موثوقة تؤكد رواية أن “إثيوبيا تعتدي على الأراضي السودانية منذ الصباح” أو أن هناك “أربع طلعات جوية مجهولة” موثقة في يوم واحد كما ورد في المنشورات المتداولة. هذه الصيغة أقرب إلى لغة مواقع التواصل، وتحتاج إلى تحقق رسمي من الجيش السوداني أو مصادر دولية مستقلة قبل نشرها كخبر مؤكد.
لكن عدم ثبوت هذه الصيغة لا يعني أن الوضع هادئ. العكس هو الصحيح: هناك توتر مثبت، اتهامات مثبتة، إسقاط مسيّرة مثبت إعلاميًا، وتحركات عسكرية سودانية على الحدود الشرقية بعد تصاعد الشكوك في استخدام الأراضي الإثيوبية كمنصة أو ممر لعمليات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
الحدود الشرقية تشتعل بالقلق
بعد الاتهامات المتبادلة، عزز الجيش السوداني وجوده العسكري في مناطق حدودية حساسة مع إثيوبيا، بينها شرق القلابات وباسندة والفشقة بولاية القضارف. هذه ليست مناطق عادية في الجغرافيا السودانية الإثيوبية؛ فهي مناطق تماس تاريخية، وسبق أن شهدت توترات بسبب الأراضي الزراعية والانتشار العسكري والنفوذ الحدودي.
تحريك القوات السودانية نحو هذه المناطق يعني أن الخرطوم لا تتعامل مع الاتهامات باعتبارها مجرد مناورة إعلامية، بل باعتبارها خطرًا محتملًا على السيادة والحدود. وفي حال تكرار اختراقات المسيّرات أو وقوع ضربة جديدة تُنسب إلى مسار قادم من إثيوبيا، فقد يتحول التوتر إلى اشتباك حدودي مفتوح، حتى لو لم تكن أديس أبابا راغبة في حرب مباشرة.
دور إثيوبيا.. نفي رسمي وشبهات ثقيلة
إثيوبيا تنفي رسميًا التورط في الهجمات، وهذا النفي مهم ويجب ذكره بوضوح. لكن في المقابل، جاءت تقارير دولية ثقيلة لتزيد الشكوك حول موقع أديس أبابا في الحرب السودانية. فقد نشرت رويترز تحقيقًا قالت فيه إن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، في إقليم بني شنقول-قمز قرب الحدود السودانية، وهو ما وصفته الوكالة بأنه مؤشر على انجذاب قوى إقليمية إلى واحدة من أكثر حروب العالم دموية.
هذا لا يعني تلقائيًا أن إثيوبيا نفذت كل هجوم مسيّر تتهمها به الخرطوم، لكنه يضع النفي الإثيوبي داخل سياق أكثر تعقيدًا: هناك اتهامات سودانية، وتحقيقات دولية عن معسكرات تدريب، وحدود ملتهبة، وتنافس إقليمي على النفوذ داخل السودان.
الإمارات في قلب الاتهامات
اسم الإمارات حاضر بقوة في الاتهامات السودانية. الخرطوم تتهم أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وتربطها بتوفير دعم لوجستي أو تقني في ملف المسيّرات، بينما تنفي الإمارات مرارًا دعمها العسكري للدعم السريع. رويترز نقلت عن الجيش السوداني اتهامه لإثيوبيا والإمارات بالمساعدة في هجوم مسيّر على مطار الخرطوم، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الحرب السودانية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المسيّرات والدعم الخارجي.
في التحليل السياسي، لا يمكن فصل هذا عن صراع الموانئ والذهب والبحر الأحمر والنفوذ في القرن الأفريقي. السودان ليس دولة داخلية معزولة، بل بوابة على البحر الأحمر، وجسر بين الساحل والقرن الأفريقي ووادي النيل. لذلك فإن كل طرف خارجي يرى في الحرب السودانية فرصة لترتيب نفوذ طويل المدى.
الدعم السريع.. المستفيد الأكبر من حرب المسيّرات؟
قوات الدعم السريع أصبحت، وفق تقارير عديدة، أحد أطراف الحرب الأكثر استفادة من الدعم الخارجي والشبكات العابرة للحدود. وإذا صحت التقارير عن تدريب مقاتلين في إثيوبيا، فهذا يعني أن الحرب لم تعد تعتمد فقط على خطوط الإمداد داخل السودان، بل على بنية إقليمية أوسع تشمل معسكرات، وتمويلًا، وتكنولوجيا، وربما ممرات جوية وبرية.
استخدام المسيّرات يمنح قوات مثل الدعم السريع قدرة على ضرب أهداف بعيدة دون السيطرة الأرضية الكاملة عليها. وهذا ما يجعل مطارات وموانئ ومخازن وقواعد الجيش السوداني أهدافًا سهلة نسبيًا إذا توفرت المعلومات التقنية والدعم الخارجي.
لماذا المسيّرات تغير قواعد الحرب؟
المسيّرات هي السلاح الأخطر في الحرب السودانية الحالية لأنها تكسر معادلة المسافة. لم يعد الطرف الذي يسيطر على الأرض فقط هو القادر على الضغط، بل الطرف الذي يمتلك مسيّرات ومعلومات وإحداثيات يستطيع تعطيل مطار، أو ضرب منشأة، أو إرباك مدينة كاملة.
وقد حذرت تقارير من أن استخدام المسيّرات في السودان بات جزءًا من تصعيد أوسع، وأن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر. وكالة AP نقلت، في سياق هجوم على سوق في غرب كردفان، أن حرب المسيّرات في السودان زادت المخاوف من تحول الصراع إلى حرب وكالة أوسع، مع سقوط أعداد كبيرة من المدنيين نتيجة هذه الهجمات.
السودان بين كماشة الداخل والخارج
الجيش السوداني يقاتل الدعم السريع داخليًا، لكنه يرى أن معركته لم تعد داخلية فقط. من وجهة نظر الخرطوم، هناك قوى خارجية تمنح خصمه القدرة على الاستمرار والمناورة والضرب من بعيد. لذلك تتجه لغة الجيش والحكومة إلى توسيع دائرة الاتهام: من الدعم السريع وحده إلى إثيوبيا والإمارات وربما شبكات تهريب وتمويل أخرى.
لكن الخطر هنا أن توسيع دائرة الاتهام قد يقود إلى توسيع دائرة الحرب. فإذا تحولت إثيوبيا من “جار متهم” إلى “خصم عسكري مباشر”، فإن السودان سيدخل جبهة جديدة وهو أصلاً منهك من حرب داخلية مدمرة. وإذا ظلت الاتهامات بلا مسار دبلوماسي أو تحقيق دولي، فقد تتحول الحدود إلى مساحة للرد والرد المضاد.

إثيوبيا أيضًا لها حساباتها
إثيوبيا ليست لاعبًا محايدًا تمامًا في الإقليم، ولديها ملفات حساسة مع السودان: سد النهضة، الفشقة، الحدود، علاقاتها مع الإمارات، علاقاتها مع قوى داخل السودان، ومخاوفها من انتقال الفوضى إلى بني شنقول-قمز، وهي منطقة شديدة الأهمية لأنها تحتضن سد النهضة.
من هذا المنظور، قد ترى أديس أبابا في السودان ساحة أمن قومي مباشر، وليس مجرد دولة مجاورة تعيش حربًا داخلية. لكنها في الوقت نفسه تخاطر إذا سمحت بتحول أراضيها إلى منصة ضد الجيش السوداني؛ لأن ذلك قد يدفع الخرطوم إلى التعامل معها كطرف حرب، لا كجار مضطرب.
أين مصر من هذا المشهد؟
مصر تراقب هذا التصعيد بحساسية شديدة. السودان يمثل عمقًا استراتيجيًا لمصر، وإثيوبيا طرف أساسي في ملف سد النهضة، والبحر الأحمر يمثل ممرًا حيويًا للأمن المصري. أي تمدد للفوضى بين السودان وإثيوبيا يضع القاهرة أمام معادلة معقدة: دعم استقرار السودان، عدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، ومراقبة أي نفوذ خارجي قد يغير ميزان القوى قرب حدودها الجنوبية.
كما أن اقتراب التوتر من مناطق النيل الأزرق والفشقة وسد النهضة يرفع حساسية الملف، لأن أي اشتعال عسكري هناك لن يكون مجرد نزاع سوداني إثيوبي، بل أزمة أمن إقليمي تمس وادي النيل كله.
هل نحن أمام حرب سودانية إثيوبية؟
حتى الآن، لا توجد دلائل كافية على حرب مباشرة شاملة بين السودان وإثيوبيا. الموجود هو تصعيد خطير قابل للاشتعال: اتهامات، نفي، إسقاط مسيّرة، تعزيز حدودي، وتحقيقات دولية عن معسكرات تدريب. وهذا النوع من التصعيد قد يبقى في إطار حرب الظل، وقد ينفجر إذا حدثت ضربة كبيرة أو سقط قتلى داخل منطقة حدودية حساسة.
النار تحت الرماد
الاحداث في القرن الأفريقي تكفي للقلق، لكنه لا يكفي لتأكيد الروايات الحماسية غير الموثقة. السودان اتهم إثيوبيا والإمارات بالضلوع في هجمات مسيّرة، إثيوبيا نفت، الجيش السوداني تحدث عن إسقاط مسيّرة قادمة من اتجاه إثيوبيا، والحدود الشرقية شهدت تعزيزات عسكرية. وفي الخلفية، تكشف تقارير دولية عن معسكرات تدريب مرتبطة بالدعم السريع داخل إثيوبيا، ودور خارجي متزايد في حرب لم تعد سودانية خالصة.
الخطر الحقيقي أن تتحول المسيّرات من أداة ضغط إلى شرارة حرب إقليمية. فالسودان المنهك لا يحتمل جبهة جديدة، وإثيوبيا لا تحتمل انفجارًا على حدود سد النهضة، ومصر لا تستطيع تجاهل تهديد عمقها الجنوبي، بينما تستفيد أطراف خارجية من استمرار الحرب وإعادة تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وبين النفي الإثيوبي والاتهام السوداني، تبقى الحقيقة الأكبر واضحة: الحرب السودانية لم تعد حربًا داخلية فقط، بل أصبحت ساحة مفتوحة لحسابات إقليمية ودولية، وكل مسيّرة جديدة قد تحمل معها خطر اشتعال أكبر مما يتخيله الجميع. السودان اليوم – بوابة الصباح اليوم.


