عامل الدليفري في مرمى الجريمة.. رزق على الطريق ومخاطر خلف كل باب
تعددت في الفترة الأخيرة الجرائم ضد العاملين في مجال الدليفري فلم يعد عامل الدليفري أو مندوب الشحن مجرد شخص يحمل طلبًا من مكان إلى آخر، بل أصبح في كثير من الوقائع ضحية سهلة لجرائم متكررة تبدأ بالنصب والهرب بعد استلام الأوردر، وقد تصل إلى الاعتداء والسرقة وخطف الدراجة النارية التي تمثل مصدر رزقه الوحيد.
في الشارع، وبين العمارات، وأمام الأبواب المغلقة، يعمل آلاف الشباب يوميًا تحت ضغط الوقت، ومطاردة لقمة العيش، معرضين لمواقف لا يتخيلها كثيرون. عميل يطلب شحنة ثم يهرب دون دفع ثمنها، وآخر يستدرج عامل توصيل لسرقة دراجته، وثالث يتعامل مع المندوب وكأنه بلا حماية أو كرامة، رغم أنه يؤدي عملًا شريفًا من أجل الرزق الحلال.
واقعة بني سويف.. استلم الشحنة وهرب دون دفع ثمنها
كشفت الأجهزة الأمنية ملابسات مقطع فيديو تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمن تضرر مندوب شحن من أحد الأشخاص، بعدما قام الأخير بالهرب عقب استلام شحنة دون دفع ثمنها بمحافظة بني سويف.
وبالفحص، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد القائم بالنشر، وتبين أنه مندوب شحن مقيم بمحافظة بني سويف. وبسؤاله، أقر بأنه أثناء قيامه بتوصيل شحنة تحتوي على كشاف كهرباء لأحد الأشخاص بدائرة قسم شرطة بني سويف، وبعد تسليم الشحنة فوجئ بطالبها يهرب دون دفع سعرها.
وعقب الفحص والتحريات، أمكن تحديد وضبط مرتكب الواقعة، وتبين أنه عاطل له سوابق جنائية، مقيم بدائرة مركز شرطة بني سويف. وبمواجهته، اعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، كما أرشد عن المسروقات المستولى عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
من سرقة الشحنة إلى سرقة الدراجة النارية
واقعة بني سويف ليست مجرد حادث فردي، لكنها تفتح بابًا واسعًا للحديث عن سلسلة جرائم يتعرض لها عمال الدليفري ومندوبو الشحن، خاصة مع اعتماد كثير من الشركات والمطاعم والمتاجر الإلكترونية على التوصيل المباشر.
ففي بعض الحالات، تكون الجريمة بسيطة في ظاهرها: شخص يطلب أوردر أو شحنة، ثم يأخذها ويغلق الباب أو يهرب دون دفع الحساب. لكن هذه الواقعة بالنسبة للمندوب قد تعني خصمًا من راتبه، أو مشكلة مع الشركة، أو خسارة يوم عمل كامل.
وفي حالات أخرى، تكون الجريمة أكثر قسوة، إذ يتم استدراج عامل الدليفري إلى مكان معين، ثم الاعتداء عليه أو تهديده وسرقة دراجته النارية، وهي ليست مجرد وسيلة انتقال، بل مصدر رزقه وسلاحه الوحيد في مواجهة ظروف الحياة.

جرائم ضد الحلقة الأضعف
عمال الدليفري غالبًا من الشباب البسطاء الذين يعملون لساعات طويلة، يتحملون الحر والبرد والزحام وخطر الطرق، من أجل دخل محدود. ومع ذلك، يجد بعضهم نفسه في مواجهة أشخاص يستغلون طبيعة عمله، وثقته في بيانات الطلب، ووجوده منفردًا أمام منزل أو شارع جانبي.
هنا تتحول مهنة التوصيل إلى منطقة خطر، لأن المندوب لا يعرف دائمًا من ينتظره خلف العنوان، ولا ما إذا كان الطلب حقيقيًا أم فخًا، أو هل العميل سيدفع أم سيغلق الباب في وجهه.
وتزداد الأزمة عندما يكون المندوب مطالبًا بتحمل قيمة الشحنة أو الأوردر إذا لم يتم تحصيل ثمنه، وهو ما يضاعف شعوره بالظلم، خاصة إذا كان قد أدى عمله وسلّم الطلب بالفعل.
لماذا تتكرر جرائم الدليفري؟
تكرار هذه الوقائع يرتبط بعدة أسباب؛ أبرزها سهولة استدراج عامل التوصيل بعنوان وهمي أو طلب غير جاد، وضعف الإجراءات التأمينية في بعض الطلبات، إضافة إلى أن المندوب يكون غالبًا وحده ويحمل معه شحنة أو أموالًا أو دراجة نارية يسهل استهدافها.
كما أن بعض الجناة يظنون أن سرقة أوردر أو الهروب دون دفع ثمن شحنة أمر بسيط لن يتم ملاحقته، لكن تحرك الأجهزة الأمنية في واقعة بني سويف يؤكد أن مثل هذه الجرائم تخضع للفحص والتحري، وأن مقاطع الفيديو المتداولة قد تتحول إلى بلاغات رسمية تنتهي بضبط المتهمين.
حماية عمال الدليفري مسؤولية مشتركة
حماية عمال الدليفري لا يجب أن تكون مسؤولية الأمن وحده، بل مسؤولية الشركات والعملاء والمجتمع أيضًا. فمن المهم أن تعتمد الشركات على بيانات أكثر دقة للعملاء، وتفعيل وسائل دفع إلكترونية مسبقة في الطلبات مرتفعة القيمة، وتوفير دعم سريع للمندوب عند حدوث مشكلة.
كما يجب التعامل مع عامل الدليفري باعتباره شخصًا يؤدي خدمة شريفة، لا طرفًا ضعيفًا يمكن استغلاله أو التنمر عليه أو الاعتداء عليه. فخلف كل حقيبة توصيل شاب يسعى للرزق، وربما يعول أسرة كاملة، ويقطع يوميًا عشرات الكيلومترات من أجل دخل لا يتحمل خسارة أوردر أو دراجة.
رسالة من واقعة بني سويف
واقعة مندوب الشحن في بني سويف تعيد التذكير بأن الجريمة قد تبدأ بتصرف يبدو بسيطًا: استلام شحنة والهروب دون دفع ثمنها. لكنها في حقيقتها اعتداء على رزق إنسان، وعلى أمان مهنة يعتمد عليها آلاف الشباب.
ومع ضبط المتهم واتخاذ الإجراءات القانونية، تبقى الرسالة الأهم: عامل الدليفري ليس فريسة سهلة، وحقوقه يجب أن تُصان، وأي اعتداء عليه أو نصب أو سرقة بحقه هو جريمة تستوجب المحاسبة.
وفي النهاية، يبقى هؤلاء الشباب عنوانًا للكفاح اليومي في الشوارع، يستحقون الحماية والاحترام، لا أن يتحولوا إلى ضحايا لأبواب تُغلق في وجوههم بعد استلام الطلب، أو لجرائم تستهدف قوت يومهم ودراجاتهم وأمانهم.


