الديسكات والفصول على حساب الأهالي؟.. تبرعات المدارس تعود للجدل بعد واقعة القليوبية
عادت المواجهة التي شهدتها جولة محافظ القليوبية حسام عبدالفتاح داخل إحدى مدارس بنها ملفًا يعرفه كثير من أولياء الأمور منذ سنوات: من يدفع فعليًا تكلفة إصلاح الديسكات وتجديد الفصول وشراء المراوح وإجراء أعمال الصيانة البسيطة داخل المدارس؟
الجدل بدأ بعدما قالت مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار إنها تحملت هي ووكيلة المدرسة نحو 18 ألف جنيه من أموالهما الخاصة لتلبية احتياجات المدرسة، بينما قال المحافظ لاحقًا إنها لم تقدم ما يثبت أمامه إنفاق هذه المبالغ.
لكن الواقعة تفتح بابًا يتجاوز المديرة والمحافظ إلى واقع أوسع طالما اشتكى منه أولياء أمور في مناطق مختلفة بمصر: طلب مساهمات مالية أو عينية من الأسر لتوفير احتياجات يفترض أنها جزء من تجهيز المدرسة وصيانتها.
تبرعات المدارس.. شكاوى ليست جديدة
الحديث عن مساهمة أولياء الأمور في إصلاح المدارس ليس وليد واقعة القليوبية.
ففي عام 2018، نشرت تقارير صحفية شهادات لأولياء أمور تحدثوا عن مطالبتهم بمبالغ مالية أو مساهمات عينية شملت إصلاح مواسير المياه وشراء مستلزمات وصيانة مرافق، فيما وصف بعضهم تلك المساهمات بأنها كانت إجبارية وليست تبرعات اختيارية بالمعنى الحقيقي.
وتكررت الشكاوى بعد ذلك بسنوات. ففي 2024، أثار تحذير صادر عن إدارة 6 أكتوبر التعليمية من قبول تبرعات أولياء الأمور ردودًا من آباء وأمهات قالوا إن مدارس تطلب بالفعل مساهمات لشراء مراوح وأوراق وتجهيزات وإجراء أعمال داخل المباني المدرسية.
أي أن القضية ليست حكاية يتداولها أولياء الأمور في ما بينهم فقط، وإنما ملف ظهرت بشأنه شكاوى وتقارير وتحذيرات رسمية على مدار سنوات.
والمفارقة.. التبرعات ممنوعة رسميًا
المفارقة أن التعليمات الرسمية تسير في اتجاه مختلف تمامًا.
ففي أغسطس 2026، أي قبل أسابيع قليلة من واقعة مدرسة بنها، حذرت مديرية التربية والتعليم بالقليوبية أولياء الأمور من دفع أي تبرعات مرتبطة بقبول الطلاب أو تحويلهم، وأكدت أن طلبها بهذه الصورة يعد مخالفة تستوجب تقديم شكوى رسمية.
كما حذرت إدارة جنوب الجيزة التعليمية في الشهر نفسه المدارس التابعة لها من جمع تبرعات مالية أو عينية من الطلاب وأولياء الأمور تحت أي مسمى.
وهنا يظهر السؤال الأهم: إذا كانت التبرعات ممنوعة، فلماذا تستمر شكاوى أولياء الأمور منها؟

«مشاركة مجتمعية» أم فاتورة يدفعها ولي الأمر؟
لا خلاف على أن هناك أولياء أمور يتبرعون بإرادتهم لمساعدة مدارس أبنائهم، سواء بشراء مراوح أو إصلاح مقاعد أو توفير أجهزة أو المشاركة في تجميل الفصول.
وهذا يختلف تمامًا عن تحويل «التبرع» إلى مبلغ مطلوب من ولي الأمر، أو ربط قبول الطالب أو تحويله أو حصوله على خدمة بدفع مساهمة مالية أو عينية.
فالتبرع بطبيعته اختياري.
أما حين يشعر ولي الأمر أنه مضطر إلى الدفع لأن المدرسة تحتاج إلى إصلاح الديسكات أو النوافذ أو دورات المياه، فإننا لم نعد أمام تبرع بالمعنى الحقيقي، وإنما أمام تحميل الأسرة جزءًا من تكلفة تشغيل وصيانة مؤسسة عامة.
واقعة بنها تطرح سؤالًا يحتاج إلى مستندات
وجود هذه الظاهرة وشكاوى أولياء الأمور بشأنها لا يكفي وحده للقول إن مديرة مدرسة بنها لم تدفع أموالًا من حسابها الشخصي.
وهذه نقطة مهمة.
فمن الناحية الصحفية والمنطقية، من الممكن أن تكون المدرسة قد تلقت مساهمات مجتمعية، ومن الممكن في الوقت نفسه أن تكون المديرة قد أنفقت من مالها الخاص.
لذلك لا يمكن حسم هذه الجزئية إلا بالمستندات.
المديرة قالت إن لديها مخاطبات ومستندات تخص ما أنفقته وما طلبته من الجهات المختصة، فيما قال المحافظ إنها لم تقدم له ما يثبت دفع المبالغ خلال الواقعة.
وهنا يكون الطريق الطبيعي بسيطًا: فحص الفواتير والمستندات ومصادر الأموال التي أنفقت على المدرسة.
السؤال الأكبر: لماذا يحتاج مدير المدرسة إلى البحث عن تبرعات أصلًا؟
لكن حتى بعد حسم مسألة الـ18 ألف جنيه، ستبقى القضية الأساسية قائمة.
لماذا يصل مدير مدرسة حكومية إلى مرحلة البحث عن متبرع لإصلاح مقعد أو شراء مروحة أو صيانة دورة مياه؟
ولماذا يتحول ولي الأمر إلى مصدر تمويل بديل كلما ظهرت مشكلة في المدرسة؟
ولماذا تتكرر تعليمات منع جمع التبرعات إذا لم تكن هناك مشكلة تستدعي إصدار هذه التحذيرات أصلًا؟
الأمر يحتاج إلى مراجعة أوسع لميزانيات الصيانة وآليات صرفها، وليس الاكتفاء بمحاسبة مدير مدرسة لأن الحائط لم يطل أو لأن الديسكات تحتاج إلى إصلاح.
أولياء الأمور ليسوا ميزانية بديلة للتعليم
المشاركة المجتمعية يمكن أن تكون أمرًا إيجابيًا حين تكون طوعية وشفافة، وتتم من خلال قنوات قانونية معروفة.
لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى وسيلة دائمة لسد نقص الإمكانيات.
ولي الأمر يدفع مصروفات أبنائه ويتحمل تكلفة الأدوات والملابس والدروس والمواصلات، ولا ينبغي أن يجد نفسه في كل عام أمام قائمة جديدة: ديسك يحتاج إلى إصلاح، مروحة للفصل، دهانات، زجاج، ستائر أو صيانة مرافق.
واقعة القليوبية يجب ألا تنتهي عند سؤال: هل دفعت مديرة المدرسة 18 ألف جنيه من جيبها أم لا؟
السؤال الأكثر أهمية هو: من المفترض أصلًا أن يدفع ثمن إصلاح المدرسة؟
إذا كانت الإجابة هي الدولة، فيجب توفير الاعتمادات ومحاسبة من يقصر في استخدامها.
وإذا كانت هناك مشاركة مجتمعية، فيجب أن تكون اختيارية وموثقة وشفافة.
أما أن تبقى المدارس محتاجة، والإدارة تبحث عن الأموال، وأولياء الأمور يدفعون، ثم يتبادل الجميع الاتهامات عند ظهور المشكلة أمام الكاميرات، فهذا يعني أن القضية أكبر بكثير من مديرة مدرسة ومحافظ في جولة مفاجئة.


