الجمعة، ٢٩ مايو ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٢ ص

بطاقات الفقراء في يد المافيا.. هل تملك الحكومة شجاعة إنقاذ الدعم من النهب؟

الدعم في مصر.. أزمة لم تعد تحتمل التأجيل

لم يعد هناك مبرر حقيقي أمام حكومة الدكتور مصطفى مدبولي لاستمرار منظومة الدعم بصورتها الحإلىة، بينما تتكرر وقائع النهب والتحايل وسرقة مستحقات البسطاء بطرق ملتوية ومنظمة. فالقضية لم تعد مجرد أخطاء فردية أو مخالفات عابرة داخل مخبز أو محل تموين، بل أصبحت، في كثير من صورها، أقرب إلى شبكة فساد واسعة تتحرك تحت غطاء الدعم، وتبتلع من أموال الدولة ما كان ينبغي أن يصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا.

الحكومة تعرف، والدولة تملك من التقارير والبيانات ما يكفي لرصد حجم الخلل. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: إذا كانت منظومة الدعم الحإلىة قد ثبت فشلها في حماية المال العام وضمان وصول الحق إلى مستحقيه، فلماذا يتأخر القرار الجريء بإعادة بنائها من جديد؟

المافيا التي تسرق قوت الفقراء

أخطر ما في ملف الدعم أنه لا يُسرق من خزائن الدولة فقط، بل يُسرق من موائد الناس.
كل بطاقة تموين يتم الاستيلاء عليها، كل رغيف يُباع في السوق السوداء، كل حصة سلع تُصرف باسم مواطن لا يعلم عنها شيئًا، هي في النهاية لقمة ضائعة من فم أسرة بسيطة.

هناك تشكيلات منظمة تجمع بطاقات التموين من المواطنين، أو تستغل بياناتهم، أو تتحايل على المنظومة بطرق تبدو في ظاهرها صغيرة، لكنها حين تتراكم تتحول إلى مليارات مهدرة. والمشكلة الأكبر أن بعض الضحايا لا يملكون حتى القدرة على إثبات ما يحدث، أو لا يدركون أن حقوقهم تُصرف شهريًا باسمهم بينما لا تصل إليهم.

بل إن هناك حالات صادمة لمواطنين لا يمتلكون بطاقة تموين من الأساس، ومع ذلك تصلهم رسائل على هواتفهم بما تم صرفه شهريًا من حصص تموينية باسمهم. هذه ليست مجرد ثغرة إدارية، بل جرس إنذار خطير يكشف أن هناك من يتلاعب بالبيانات، ويصرف، ويبيع، ويتربح، بينما المواطن والدولة معًا يدفعان الثمن.

                                      نموذج لعصابات نهب الدعم

أين شجاعة المواجهة؟

كثيرًا ما تتحدث الحكومة عن تغيير منظومة الدعم، وعن التحول إلى نظام أكثر عدالة وكفاءة، وعن ضرورة وصول الدعم إلى مستحقيه. لكن الحديث وحده لم يعد كافيًا. المواطن لا يحتاج إلى تصريحات متكررة عن الإصلاح، بل يحتاج إلى قرار واضح وحاسم يوقف نزيف المال العام.

السؤال هنا ليس: هل نغيّر منظومة الدعم؟
السؤال الحقيقي: لماذا تأخرنا كل هذا الوقت؟

إذا كانت الحكومة تمتلك البيانات، وإذا كانت وزارة التموين قادرة على تتبع عمليات الصرف، وإذا كانت الأجهزة الرقابية تستطيع رصد المخالفات، فلماذا تظل المنظومة مفتوحة أمام من يحولون الدعم إلى تجارة؟ ولماذا يبقى الفساد أسرع من الإصلاح؟

الدعم بشكله الحإلى يظلم المستحقين

الفكرة الأساسية من الدعم نبيلة: حماية الفقير، وتخفيف الأعباء عن محدودي الدخل، وضمان حد أدنى من الأمان الغذائي والاجتماعي. لكن حين تتحول هذه المنظومة إلى مساحة للنهب، فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من عدالتها.

المواطن الملتزم، الذي ينتظر حصته الشهرية من السلع أو الخبز، يصبح الضحية الأولى. والدولة، التي تتحمل تكلفة ضخمة في الموازنة العامة، تصبح الضحية الثانية. أما المستفيد الحقيقي فيكون ذلك الوسيط الفاسد الذي يتاجر بالبطاقات والسلع والخبز وكأنه يمتلك حقًا خاصًا في مال عام.

لا يمكن قبول استمرار منظومة تدفع فيها الدولة مليارات، ثم يصل جزء منها إلى السوق السوداء بدلًا من البيوت المحتاجة.

الحل ليس إلغاء الدعم.. بل إنقاذه من الفساد

أي حديث عن إصلاح الدعم لا يجب أن يُفهم باعتباره دعوة لإلغاء الدعم أو التخلي عن الفقراء. على العكس تمامًا، المطلوب هو حماية الدعم من المافيا التي شوهت هدفه الاجتماعي  وتحويله إلى نظام أكثر دقة وعدالة وشفافية ويصل إلى مستحقيه لا إلى من يقومون بنهبه.

الإصلاح الحقيقي يعني أن يصل الدعم إلى مستحقه مباشرة، دون وسيط قادر على السرقة، ودون بطاقة يمكن تجميعها، ودون منفذ يستطيع التلاعب، ودون بيانات يمكن استغلالها.

وقد يكون التحول إلى نظام أكثر رقمنة وربطًا بقواعد بيانات الدولة خطوة مهمة، لكن الأهم هو وجود رقابة حقيقية، وعقوبات رادعة، وإعلان دوري عن نتائج الحملات، وعدد البطاقات المضبوطة، وقيمة الأموال المستردة، حتى يشعر المواطن أن الدولة لا تكتفي بالحديث، بل تتحرك وتحاسب.

لماذا لا تُفتح ملفات البطاقات الوهمية؟

من أخطر الملفات التي يجب فتحها فورًا ملف البطاقات الوهمية أو المستغلة دون علم أصحابها، وكذلك البطاقات التي يتم تجميعها من المواطنين مقابل مبالغ بسيطة أو وعود وهمية.

يجب أن تكون هناك حملة قومية لمراجعة بيانات المستفيدين، ومطابقة الصرف الفعلي ببيانات المواطنين، وفتح باب سهل وآمن للإبلاغ عن أي صرف يتم باسم شخص دون علمه. المواطن الذي تصله رسالة بصرف تموين لم يحصل عليه يجب أن يجد قناة واضحة للإبلاغ، وأن يتم التحقيق في الواقعة بسرعة، لا أن يظل وحيدًا أمام شبكة تعرف كيف تتحرك وتختفي.

التاجر الفاسد لا يقل خطرًا عن مهرب المال العام

التلاعب في الدعم ليس مخالفة بسيطة. من يسرق بطاقة تموين، أو يصرف خبزًا وسلعًا بغير حق، أو يجمع بطاقات البسطاء، يعتدي على المال العام وعلى الأمن الاجتماعي في الوقت نفسه.

لذلك، لا بد أن تكون العقوبة بحجم الجريمة. الغلق وحده لا يكفي، والغرامات المحدودة لا تردع شبكات تربح أضعافها. المطلوب تحقيقات موسعة في كل شبكة، من صاحب المنفذ إلى الوسطاء إلى من يسهل استخراج أو تشغيل أو تجميع البطاقات.

كل من ينهب الدعم يجب أن يُعامل باعتباره شريكًا في جريمة منظمة ضد الفقراء.

حكومة مدبولي أمام اختبار العدالة

حكومة الدكتور مصطفى مدبولي تقف أمام اختبار حقيقي: هل تملك الجرأة لمواجهة منظومة فساد كبرى داخل ملف الدعم؟ أم سيظل الحديث عن الإصلاح مؤجلًا خوفًا من التعقيدات؟

الإصلاح لن يكون سهلًا، لكنه أصبح ضرورة. والاستمرار في الوضع الحإلى يعني أن الدولة تمول منظومة يستفيد منها الفاسد قبل الفقير، وأن المواطن البسيط يدفع ثمن ضعف الرقابة مرتين: مرة من حقه الضائع، ومرة من الضرائب والموارد العامة التي تهدر في غير محلها.

لا مساواة بين الفقير والمحتال

من الظلم أن يُوضع المواطن البسيط المستحق للدعم في نفس الصورة مع من يسرق الدعم. المستحق لا يجب أن يُعاقب بسبب فساد المحتإلىن، ولا ينبغي أن يكون إصلاح الدعم على حساب الفقراء.

المعادلة العادلة هي: حماية المستحق، وضرب الفاسد، وغلق ثغرات المنظومة، وتحويل الدعم إلى حق واضح لا يمكن بيعه أو سرقته أو الاتجار به.

الدعم قضية عدالة اجتماعية

نهب الدعم في مصر لم يعد ملفًا إداريًا عاديًا، بل قضية عدالة اجتماعية وأمن اقتصادي. وكل يوم تتأخر فيه الحكومة عن مواجهة هذه المافيا، تخسر الدولة أموالًا جديدة، ويخسر المواطن البسيط جزءًا من حقه.

المطلوب من حكومة الدكتور مصطفى مدبولي ليس مجرد إعلان نوايا، بل قرار شجاع: مراجعة شاملة، رقابة صارمة، عقوبات رادعة، منظومة رقمية لا تسمح بالتلاعب، وقناة إبلاغ تحفظ حق المواطن وتحميه.

الدعم ليس غنيمة للفاسدين.
الدعم حق للفقراء.
ومن يسرقه، يسرق قوت الناس قبل أن يسرق مال الدولة.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.