العليمي يدعو اليمنيين إلى «التعبئة العامة» ويعرض عفوًا على المنسحبين من الحوثيين.. ماذا وراء الخطوة؟
دخل الصراع اليمني مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، بعدما دعا رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني المعترف به دوليًا، الجمعة 25 سبتمبر/أيلول 2026، إلى «التعبئة العامة والنفير الوطني» والانضمام إلى القوات المسلحة والأمن عبر القنوات الرسمية، في مواجهة التقدم الأخير لقوات الحوثيين.
ولم يقتصر خطاب العليمي على الدعوة إلى التعبئة، بل تضمن أيضًا عرضًا سياسيًا معاكسًا تمامًا في اتجاهه العسكري، إذ أعلن أن من يترك صفوف الحوثيين أو يتوقف عن القتال أو العمل لصالحهم ابتداءً من عشية 26 سبتمبر سيكون مشمولًا بعفو عام يصدر لاحقًا وفق الإجراءات الدستورية والقانونية.
الجمع بين التعبئة من جهة وفتح باب العفو من جهة أخرى يجعل الخطاب أكثر من مجرد دعوة لزيادة أعداد المقاتلين؛ فهو يحمل محاولة لإعادة ترتيب موازين القوة عسكريًا ونفسيًا وسياسيًا في لحظة شهدت تقدمًا حوثيًا على عدة جبهات.
ماذا قال رشاد العليمي؟
قال العليمي في كلمته إنه يدعو اليمنيين إلى «التعبئة العامة والنفير الوطني»، والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، والالتحاق بصفوفها من خلال القنوات الرسمية، إلى جانب المساهمة في الدفاع عن الجمهورية ومؤسسات الدولة.
والصياغة المنشورة حتى الآن تتحدث عن دعوة إلى التعبئة والانضمام عبر المؤسسات الرسمية؛ ولا يظهر في المصادر التي راجعتها قرار مستقل بفرض تجنيد عام إلزامي على جميع المواطنين. لذلك فالأدق وصفها في هذه المرحلة بأنها دعوة سياسية وعسكرية للتعبئة، وليس إعلانًا تلقائيًا عن تجنيد إجباري شامل.
عفو لمن يترك الحوثيين
الشق الثاني في خطاب العليمي قد يكون الأكثر دلالة سياسيًا.
فقد أعلن فتح باب «العودة الآمنة»، وقال إن من يترك الحوثيين ويتوقف عن القتال أو العمل لصالحهم سيشمله عفو عام لاحق، وقدم الخطوة باعتبارها جزءًا من مسعى لحقن الدماء ومنع أعمال الانتقام والثأر.
وهذا يعني أن السلطة المعترف بها دوليًا ترسل رسالتين متزامنتين:
إلى أنصارها: استعدوا للانضمام إلى القوات ومواجهة التقدم الحوثي.
وإلى المقاتلين والموظفين في الجانب الآخر: هناك مخرج محتمل إذا انسحبتم الآن.

لماذا جاءت الدعوة الآن؟
التوقيت مرتبط بصورة مباشرة بتطورات عسكرية متسارعة.
الأمم المتحدة قالت في منتصف سبتمبر إن الحوثيين واصلوا تقدمهم على الساحل الغربي باتجاه منطقة باب المندب، بالتزامن مع إطلاق الحكومة اليمنية هجومًا مضادًا واندلاع مواجهات في مأرب ولحج والجوف وحجة والبيضاء وصعدة.
كما ذكرت رويترز أن الحوثيين حققوا خلال سبتمبر مكاسب استراتيجية قرب باب المندب والساحل الغربي، وهو ما دفع العليمي قبل أيام إلى طلب دعم أمريكي خلال اتصال مع الرئيس دونالد ترامب، لكن مصادر قالت إن ترامب لم يقدم التزامًا مباشرًا بتوفير مساعدة عسكرية.
وبذلك يأتي خطاب التعبئة بعد مرحلة لم تعد فيها الحكومة تتعامل فقط مع جبهات ثابتة، بل مع محاولة لوقف مكاسب ميدانية جديدة وإعادة بناء القدرة على المبادرة.
«التعبئة + العفو» استراتيجية مزدوجة
يمكن قراءة خطاب العليمي باعتباره محاولة للعمل على مستويين في الوقت نفسه.
عسكريًا، تحتاج الحكومة إلى زيادة القوى البشرية وتوسيع قاعدة الدعم للقوات الموجودة على الجبهات.
نفسيًا وتنظيميًا، يمكن لعرض العفو أن يهدف إلى إحداث تردد داخل صفوف الطرف الآخر، خصوصًا لدى المقاتلين أو العاملين الذين قد لا يكون ارتباطهم بالحوثيين عقائديًا أو دائمًا.
وهذه قراءة تحليلية لمغزى الخطوتين معًا، وليست دليلًا على أن حالات انشقاق واسعة قد بدأت بالفعل.
فنجاح عرض العفو يعتمد على عوامل أخرى، من بينها مدى ثقة المستهدفين في تنفيذ الضمانات، وقدرة الحكومة على استقبال المنسحبين وحمايتهم، والوضع الميداني في مناطقهم.
هل تستعد الحكومة لهجوم واسع؟
دعوة التعبئة قد ترفع احتمالات توسيع العمليات، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن هجومًا شاملًا محدد الموعد قد تقرر بالفعل.
المؤكد هو أن الحكومة أعلنت في الأسابيع الماضية عزمها استعادة المبادرة، وأن القتال اتسع عبر عدد من الجبهات، فيما تشهد المنطقة أيضًا زيادة في الهجمات الحوثية على السعودية.
كما أعلنت السعودية وتركيا وباكستان تحركات للتباحث بشأن دعم المملكة في مواجهة الهجمات الحوثية، بينما أكدت تركيا والسعودية وباكستان ومصر قبل أيام حق الرياض في الدفاع عن نفسها ودعت في الوقت نفسه إلى الحوار والحلول الدبلوماسية.
ومن ثم فإن التعبئة اليمنية تتحرك داخل مشهد إقليمي أوسع، وليس بمعزل عن التطورات على الحدود السعودية والبحر الأحمر.
باب المندب في قلب المعركة
تمثل منطقة باب المندب أحد أهم أسباب ارتفاع حساسية التطورات الأخيرة.
فالمضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويقع على واحد من أهم طرق التجارة البحرية العالمية. وقالت الأمم المتحدة في 15 سبتمبر إن تقدم الحوثيين باتجاه المضيق واحتلال مواقع وجزر في جنوب البحر الأحمر زاد مخاوف الأسواق، رغم أن حركة السفن التجارية لم تكن قد تعطلت بصورة كبيرة في ذلك الوقت.
لذلك فإن أي تغيير كبير في السيطرة العسكرية قرب باب المندب لا يحمل أثرًا يمنيًا داخليًا فقط، بل يمتد إلى السعودية ومصر ودول البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية.
لماذا يشكل العفو ورقة مهمة؟
من الناحية السياسية، عرض العفو يسمح للعليمي بتقديم المواجهة باعتبارها ليست صراعًا مع كل من يعيش أو يعمل في مناطق الحوثيين.
فالرسالة الرسمية تميز بين قيادة الحوثيين وبين من يمكنهم ترك التنظيم والعودة إلى المؤسسات الحكومية.
هذا التمييز يخدم ثلاثة أهداف محتملة: تقليل حجم القوة التي تحتاج الحكومة إلى مواجهتها، تشجيع الانشقاقات، ومنع تحويل الحرب إلى خصومة اجتماعية مفتوحة بين مجتمعات محلية مختلفة.
لكن النتائج الفعلية ستعتمد على التطبيق؛ إذ إن الإعلان عن العفو شيء، وقدرة الدولة على توفير آليات موثوقة لتنفيذه شيء آخر.
عامل 26 سبتمبر
اختار العليمي الإعلان عشية ذكرى ثورة 26 سبتمبر 1962، وهي مناسبة مرتبطة تاريخيًا بقيام الجمهورية في شمال اليمن وإنهاء النظام الإمامي.
والبيان الرسمي ربط بالفعل دعوة التعبئة بذكرى الثورة، واستخدم مفردات الدفاع عن «الجمهورية» و«المؤسسات الوطنية».
وهذا يمنح الخطاب بُعدًا رمزيًا؛ إذ تحاول السلطة اليمنية المعترف بها دوليًا وضع المواجهة داخل إطار الدفاع عن النظام الجمهوري، وليس تقديمها فقط باعتبارها صراعًا ميدانيًا على الأراضي.
لكن ثمن التصعيد الإنساني يتزايد
أي توسع إضافي في العمليات يأتي بينما الوضع الإنساني يزداد سوءًا بسرعة.
قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 22 سبتمبر إن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا داخل اليمن منذ بداية الشهر نتيجة توسع القتال، وإن أكثر من 5.2 مليون شخص كانوا نازحين أصلًا، بينما يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية.
كما قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 122 ألف شخص نزحوا بسبب التصعيد الأخير عبر ثماني محافظات، وإن الفترة من 6 أغسطس إلى 18 سبتمبر سجلت 3672 قتيلًا وجريحًا بحسب البيانات المتاحة لها.
وهذه الأرقام تجعل أي دعوة إلى توسيع التعبئة العسكرية مرتبطة أيضًا بسؤال إنساني أساسي: كم سيضيف تصاعد القتال إلى أعداد النازحين والضحايا؟
ماذا يعني خطاب العليمي سياسيًا؟
الخطاب يشير إلى أن القيادة اليمنية تريد الانتقال من احتواء التقدم الحوثي إلى تعبئة أوسع للموارد البشرية والسياسية.
لكن الأهم أنه لا يعتمد على الخيار العسكري وحده؛ فالعفو المقترح يحاول في الوقت ذاته فتح مسار لتقليل عدد الخصوم بدلًا من مواجهتهم جميعًا عسكريًا.
والنتيجة أن المعركة المقبلة، إذا توسعت، لن تدور فقط حول عدد الجنود والأسلحة، بل أيضًا حول من يستطيع الحفاظ على تماسك صفوفه، ومن يستطيع جذب السكان والمقاتلين المترددين إلى جانبه.
هل تغير هذه الخطوة ميزان الحرب؟
من المبكر القول ذلك.
دعوة التعبئة قد تزيد قدرة القوات الحكومية على التجنيد، وعرض العفو قد يضغط نفسيًا على الحوثيين، لكن موازين الحرب تتأثر أيضًا بالسيطرة على الأرض، والتسليح، والدعم الخارجي، والتنسيق بين الفصائل الحكومية المختلفة، ومدى استمرار الدعم السعودي والإقليمي.
وبالتالي، فإن خطاب العليمي يمثل إشارة واضحة إلى انتقال الصراع نحو مرحلة أكثر تعبئة وتنظيمًا، لكنه لا يحدد وحده الطرف الذي سيتمكن من تحقيق مكاسب ميدانية في المرحلة المقبلة.


