الصين تبني.. وأمريكا تدق ناقوس الخطر
تتصاعد داخل الولايات المتحدة نبرة القلق من التمدد الصيني السريع في مجال بناء السفن، وسط تحذيرات أمريكية من أن بكين لم تعد تنافس فقط في التجارة والتكنولوجيا، بل تتحرك بقوة للسيطرة على البحار والممرات البحرية التي تمر عبرها النسبة الأكبر من التجارة العالمية.
الطرح الأمريكي الأكثر حدة يقول إن الصين تبني ما يشبه تسونامي بحريًا من السفن التجارية والعسكرية، بينما تراجعت قدرة الولايات المتحدة على بناء السفن إلى مستويات يصفها منتقدون بأنها خطيرة، خصوصًا إذا تحولت المنافسة الاقتصادية إلى أزمة عسكرية أو مواجهة مفتوحة في المحيطين الهادئ والهندي.
أرقام تثير القلق في واشنطن
بحسب الطرح المتداول في الأوساط الأمريكية، وصلت حصة الصين من بناء السفن التجارية عالميًا إلى نحو 71% في عام 2023، مع بناء آلاف السفن، بينما لا تبني الولايات المتحدة سوى عدد محدود جدًا من السفن التجارية الكبيرة العابرة للمحيطات سنويًا.
هذه الفجوة لا تُقرأ في واشنطن باعتبارها مشكلة صناعية فقط، بل كـحالة طوارئ أمن قومي، لأن من يملك القدرة على بناء السفن بسرعة يملك أيضًا القدرة على تعويض الخسائر، وتوسيع الأسطول، ودعم النفوذ العسكري والتجاري في أوقات الأزمات.
لماذا تخيف السفن الصينية أمريكا؟
الخوف الأمريكي لا يتعلق بعدد السفن وحده، بل بما تمثله هذه القدرة الصناعية من قوة استراتيجية. فالصين لا تبني سفنًا تجارية فقط، بل توسع كذلك قدراتها البحرية، وتمنح نفسها ميزة ضخمة في أي مواجهة محتملة.
ففي حال اندلاع أزمة كبرى، تستطيع بكين زيادة الإنتاج البحري، وتعويض الخسائر، وتحريك التجارة والإمدادات عبر شبكة واسعة من الموانئ والسفن، بينما ستجد واشنطن نفسها أمام قاعدة صناعية محدودة وأحواض سفن غير كافية لمنافسة هذا الإيقاع.
السيطرة على الممرات البحرية.. جوهر الصراع
الممرات البحرية ليست مجرد طرق للسفن، بل شرايين الاقتصاد العالمي. فجزء ضخم من التجارة الدولية يتحرك عبر البحار، ومن يملك القوة البحرية والقدرة على حماية أو تعطيل هذه الممرات يمتلك ورقة ضغط كبرى على الاقتصاد العالمي.
ولهذا تنظر واشنطن إلى تفوق الصين في بناء السفن باعتباره خطرًا يتجاوز الاقتصاد، لأنه قد يمنح بكين قدرة أكبر على التأثير في سلاسل الإمداد العالمية، وفرض نفوذها في مناطق حساسة مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان والمحيط الهادئ.

دعوات أمريكية لإعادة بناء أحواض السفن
يرى التيار المتشدد داخل الولايات المتحدة أن الرد لا يجب أن يكون بالكلام أو التقارير أو التشريعات المؤجلة، بل بإطلاق خطة وطنية عاجلة لإعادة بناء صناعة السفن الأمريكية.
وتشمل هذه المطالب:
تحديث أحواض السفن الأمريكية
هناك دعوات لتوسيع وتحديث أحواض بناء السفن الكبرى، مثل هنتنغتون إنجلز وجنرال ديناميكس NASSCO وBath Iron Works، حتى تصبح قادرة على إنتاج سفن تجارية وعسكرية بوتيرة أسرع.
بناء ساحات ضخمة جديدة
يطالب البعض بإنشاء أحواض سفن حديثة على ساحل الخليج والساحل الشرقي وشمال غرب المحيط الهادئ، بما يعيد للولايات المتحدة القدرة الصناعية التي فقدتها تدريجيًا خلال العقود الماضية.
تدريب جيل جديد من العمال
من بين المقترحات إطلاق برنامج وطني للتلمذة الصناعية، يستهدف تدريب المحاربين القدامى والشباب الأمريكيين على وظائف بناء السفن واللحام والصناعات البحرية، باعتبارها وظائف عالية الأجر ومرتبطة بالأمن القومي.
قانون الشحن الأمريكي.. خريطة طريق للمواجهة
تتجه الأنظار إلى مشروع قانون الشحن الأمريكي المدعوم من الحزبين، والذي يتضمن حوافز ضريبية لتحديث أحواض السفن، وصندوقًا استئمانيًا للأمن البحري، وضمانات قروض موسعة، إلى جانب هدف طموح لزيادة أسطول العلم الأمريكي بنحو 250 سفينة خلال عشر سنوات.
الفكرة الأساسية وراء هذا القانون أن الولايات المتحدة لا يمكنها مواجهة الصين ببيانات القلق فقط، بل تحتاج إلى صناعة حقيقية، وسفن حقيقية، وتمويل مستدام يترجم الشعارات إلى فولاذ ولحام وأحواض تعمل بكامل طاقتها.
هل تجعل واشنطن الصين تدفع الثمن؟
من المقترحات المثيرة للجدل فرض رسوم موانئ مرتفعة على السفن الصينية التي تدخل المياه الأمريكية، ثم توجيه هذه الأموال لإعادة بناء القاعدة الصناعية البحرية الأمريكية.
ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أن الصين استفادت طويلًا من تفوقها الصناعي ومن حركة التجارة العالمية، وبالتالي يجب أن تتحمل تكلفة إعادة التوازن، بينما يرى آخرون أن هذا المسار قد يزيد التوتر التجاري ويدفع بكين إلى إجراءات انتقامية.
ترامب واستعادة الهيمنة البحرية
يربط بعض الداعين لهذا الاتجاه بين الأزمة البحرية وبين توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استعادة الهيمنة البحرية الأمريكية، معتبرين أن اللحظة الحالية تتطلب قرارات تنفيذية وتشريعية حاسمة، لا مجرد تحذيرات.
ووفق هذا التصور، فإن واشنطن أمام خيارين: إما إعادة بناء أحواض السفن واستعادة قدرتها الصناعية، أو ترك المجال للصين كي تواصل توسيع نفوذها البحري لجيل كامل.
هل تتعجل أمريكا المواجهة مع الصين؟
السؤال الأخطر هنا: هل تتعجل الولايات المتحدة المواجهة مع الصين، أم أنها تحاول فقط منع خسارة موقعها قبل فوات الأوان؟
الواقع أن القلق الأمريكي من الصين لم يعد محصورًا في تايوان أو التكنولوجيا أو الرقائق الإلكترونية، بل أصبح يمتد إلى السفن والموانئ والمحيطات وسلاسل الإمداد. وهذا يعني أن المواجهة بين القوتين تتحول تدريجيًا من منافسة تجارية إلى صراع شامل على أدوات القوة العالمية.
لكن التعجل في المواجهة قد يحمل مخاطر كبرى، لأن التصعيد الاقتصادي والبحري مع الصين قد يربك التجارة العالمية، ويرفع تكلفة الشحن، ويدفع العالم إلى مزيد من الاستقطاب بين محورين اقتصاديين وعسكريين.
أمريكا بين القوة والضعف الصناعي
المفارقة أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأولى في العالم، لكنها تواجه تحديًا في القاعدة الصناعية التي تدعم هذه القوة. فحاملة الطائرات والمدمرة والغواصة تحتاج إلى سلاسل إنتاج وأحواض وعمالة وموردين، لا إلى قرارات سياسية فقط.
ولهذا فإن أزمة السفن تكشف سؤالًا أعمق: هل تستطيع أمريكا أن تعيد بناء نفسها صناعيًا بالسرعة المطلوبة؟ أم أن الصين سبقتها في سباق طويل بدأ منذ سنوات ولم تنتبه واشنطن إلى خطورته إلا متأخرة؟
مرحلة جديدة من الصراع بين القوتين
القلق الأمريكي من الصين في ملف بناء السفن يعكس مرحلة جديدة من الصراع بين القوتين. فبكين تبني بسرعة، وتوسع أسطولها التجاري والعسكري، بينما تحاول واشنطن استعادة صناعة بحرية تراجعت كثيرًا.
وبين دعوات فرض رسوم على السفن الصينية، وتحديث أحواض السفن، وتمويل برامج وطنية لبناء الأسطول الأمريكي، يبدو أن المواجهة البحرية والاقتصادية بين أمريكا والصين لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل ملفًا حاضرًا بقوة في قلب معركة الهيمنة العالمية.


