في مطلع الألفية الجديدة، عاشت مصر واحدة من أبشع القضايا الجنائية التي استهدفت أطفال الشوارع، بعدما تحوّل شخص يُدعى رمضان عبد الرحيم منصور، المعروف إعلاميًا بـ**"التوربيني"**، إلى رمز للرعب بعد اتهامه بارتكاب سلسلة من الجرائم البشعة التي راح ضحيتها عشرات الأطفال. لم تكن القضية مجرد جرائم قتل متفرقة، بل كشفت التحقيقات عن نشاط إجرامي منظم اعتمد على استغلال الأطفال المشردين الذين لا يسأل عنهم أحد.
نشأة قاسية صنعت مجرمًا
وُلد رمضان عبد الرحيم منصور عام 1980 بمدينة طنطا بمحافظة الغربية، ونشأ في بيئة قاسية داخل الشوارع، حيث اختلط منذ صغره بأطفال الشوارع والعصابات الصغيرة. وفي تلك البيئة، كان العنف هو اللغة السائدة، إذ تعرض -بحسب ما ورد في التحقيقات والروايات المتداولة عن القضية- لأشكال مختلفة من الإيذاء الجسدي على يد من كانوا يكبرونه سنًا، حتى اعتاد العنف وأصبح جزءًا من شخصيته.
ومع مرور الوقت، لم يعد ذلك الطفل ضحية، بل تحول إلى شخص يفرض سيطرته بالقوة، وتمكن من تكوين مجموعة من الأطفال والشباب المشردين الذين أصبحوا يعملون تحت إمرته، لتبدأ واحدة من أخطر العصابات التي استهدفت أطفال الشوارع.
الواقعة التي كانت بداية سلسلة الجرائم
تعود بداية القضية إلى خلاف نشب بين "التوربيني" وأحد الأطفال، ويدعى أحمد ناجي، وكان يبلغ من العمر 12 عامًا.
وتشير أوراق القضية إلى أن رمضان حاول الاعتداء على الطفل، إلا أن الأخير تمكن من إبلاغ الشرطة، وتم القبض على المتهم، لكنه أُخلي سبيله لاحقًا لعدم كفاية الأدلة.
لم ينسَ "التوربيني" تلك الواقعة، وقرر الانتقام من الطفل، فاستدرجه في وقت لاحق، ثم اعتدى عليه وقتله وأخفى جثمانه، لتكون تلك الجريمة الشرارة الأولى التي فتحت الباب أمام سلسلة من الجرائم المروعة.
لماذا لُقب بـ"وحش القطارات"؟
بعد ارتكاب الجريمة الأولى، لجأ "التوربيني" إلى أسلوب جديد يصعب كشفه.
فقد استغل هو وأفراد عصابته قطارات السكك الحديدية التي تتحرك بين القاهرة والإسكندرية وعدد من المحافظات الأخرى، حيث كانوا يتنقلون باستمرار بحثًا عن أطفال الشوارع الذين لا يمتلكون مأوى أو أسرة تبحث عنهم.
وكان أفراد العصابة يستدرجون الأطفال إلى أماكن معزولة داخل محيط القطارات أو أعلى عرباتها، ثم يعتدون عليهم ويقومون بتعذيبهم، قبل التخلص منهم بإلقائهم من القطار أثناء سيره، فيسقط الضحايا على قضبان السكك الحديدية أو بجوارها، بينما تُقيد معظم الوقائع ضد مجهول بسبب صعوبة التعرف على هوية الضحايا.
ومن هنا جاء لقب "التوربيني"، في إشارة إلى القطار السريع الذي ارتبط اسمه بمسرح جرائمه.
سنوات من الرعب دون أن يعلم أحد
استمرت الجرائم لفترة طويلة دون أن تتكشف خيوطها كاملة، بسبب أن أغلب الضحايا كانوا من أطفال الشوارع الذين لا توجد بلاغات باختفائهم، وهو ما صعّب على أجهزة الأمن الربط بين الوقائع المختلفة.
وكان العثور على جثمان طفل بجوار شريط السكة الحديد يُسجل في كثير من الأحيان باعتباره حادثًا منفصلًا، إلى أن بدأت تتكرر الوقائع بصورة لافتة.
العثور على الجثامين يكشف الحقيقة
بدأت النهاية عندما عثرت قوات الشرطة على جثمان طفل عارٍ بالقرب من خطوط السكك الحديدية، لتبدأ تحقيقات موسعة كشفت عن وجود وقائع مشابهة في أكثر من محافظة.
ومع استمرار البحث، عُثر على جثامين أخرى في أماكن مختلفة، بينها مناطق مجاورة للسكك الحديدية وأخرى في مياه النيل، وهو ما عزز فرضية وجود عصابة تقف وراء تلك الجرائم.
وبحسب ما انتهت إليه التحقيقات، بلغ عدد الضحايا الذين نُسبت جرائمهم إلى العصابة 32 طفلًا.
سقوط العصابة
في عام 2006، تمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على اثنين من أفراد العصابة، وبعد مواجهتهما بالأدلة اعترفا بتفاصيل الجرائم، كما أرشدا عن زعيم المجموعة رمضان عبد الرحيم منصور.
وعقب القبض عليه، خضع "التوربيني" لتحقيقات مطولة استمرت أكثر من عام، كشفت تفاصيل الجرائم وأدوار المتهمين فيها.
محاولة للهروب من المسؤولية
خلال جلسات التحقيق، حاول "التوربيني" التنصل من مسؤوليته عن الجرائم، وادعى -وفق ما تداولته وسائل الإعلام آنذاك- أنه كان واقعًا تحت تأثير "جنّية" كانت تدفعه لارتكاب تلك الأفعال.
إلا أن التحقيقات وتقارير الأدلة الجنائية وشهادات المتهمين الآخرين لم تدعم هذه الادعاءات، واستمرت إجراءات محاكمته حتى صدور الحكم.
حكم الإعدام
في عام 2007، أصدرت محكمة جنايات طنطا حكمها بإعدام رمضان عبد الرحيم منصور، المعروف بـ"التوربيني"، وشريكه سمير. م، الشهير بـ"حناطة"، بعد إدانتهما في القضية.
واستنفد المتهمان مراحل التقاضي، حتى أصبح الحكم نهائيًا وباتًا.
نهاية "سفاح القطارات"
في صباح الخميس 16 ديسمبر 2010، نُفذ حكم الإعدام داخل سجن برج العرب بحق "التوربيني" وشريكه، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للرأي العام في مصر، والتي ظلت لسنوات رمزًا لبشاعة الجرائم التي استهدفت أطفال الشوارع، ولأهمية حماية الفئات الأكثر عرضة للاستغلال والعنف.


