منذ أن عرفت البشرية قصة أول جريمة قتل بين ابني آدم، قابيل وهابيل، ظلت جرائم الأشقاء تحمل وجعًا مختلفًا، لكن المأساة تصبح أكثر قسوة عندما يجد أب نفسه بين ابن متهم بقتل شقيقه، وابن آخر رحل إلى الأبد.
هذا هو المشهد الإنساني القاسي الذي حملته قضية مقتل شقيق وزوجته بمنطقة الحاكورة بمحافظة الفيوم، والتي عادت إلى الواجهة مجددًا أمام محكمة جنايات مستأنف الفيوم، وسط تفاصيل مؤلمة تجاوزت حدود الجريمة نفسها إلى مأساة أسرة وجد أبناؤها أنفسهم على طرفي قضية قتل.
جريمة الحاكورة بالفيوم.. نحو 10 طعنات تنهي حياة شقيق وزوجته
بحسب ما ورد في أوراق القضية، تعرض المجني عليه وزوجته لاعتداء باستخدام سلاح أبيض، وتلقيا نحو 10 طعنات أودت بحياتهما.
وبدأت عقب الواقعة رحلة التحقيقات والإجراءات القضائية، ليجد أحد أبناء الأسرة نفسه متهمًا في القضية، بينما غاب شقيقه إلى الأبد، تاركًا الأب أمام واحدة من أصعب المواقف التي يمكن أن يواجهها والد.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الجريمة والتحقيقات.
أب بين ابنه المتهم وابنه المقتول
داخل قاعة المحكمة، أصبح الأب أمام معادلة إنسانية شديدة القسوة؛ ابن ما زال حيًا ويواجه اتهامًا قد يقوده إلى عقوبة بالغة الخطورة، وابن آخر قُتل ولم يعد قادرًا على الحديث أو الدفاع عن حقه.
وطلب الابن المتهم من والده الوقوف إلى جانبه والإدلاء بما قد يساعده في القضية، ليجد الأب نفسه أمام صراع بين غريزة الأبوة وحق ابنه المقتول.
كان من الممكن أن ينحاز الأب إلى ابنه الذي ما زال حيًا، وأن يبحث عن أي سبيل يساعده في النجاة من العقوبة، لكنه اختار موقفًا آخر أكثر ألمًا بالنسبة إليه.
«مش هقدر أظلم أخوك علشان أنقذك»
اختار الأب ألا تتحول أبوته إلى سبب، من وجهة نظره، في ضياع حق ابنه الذي رحل.
وجاءت كلماته لتختصر مأساة أسرة بأكملها:
«لو شهدت معاك هضيّع حق أخوك.. وأنا مش هقدر أظلم أخوك علشان أنقذك».
عبارة قصيرة، لكنها تحمل صراعًا إنسانيًا بالغ التعقيد؛ الخوف على الابن الحي في مواجهة الحزن على الابن المقتول.
فالأب لم يكن قاضيًا يحكم على ابنه، ولم يكن طرفًا يملك تحديد مصيره، لكنه وجد نفسه أمام ضميره: إما أن يقول ما يعتقد أنه الحقيقة، أو يقدم شهادة يرى أنها قد تساعد ابنًا على حساب حق ابنه الآخر

إحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية
وبعد نظر القضية، قررت محكمة جنايات مستأنف الفيوم إحالة أوراق المتهم الأول إلى فضيلة مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي بشأن عقوبة الإعدام، مع تحديد جلسة لاحقة للنطق بالحكم.
وتعد إحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية إجراءً قضائيًا يسبق إصدار حكم بالإعدام، بينما تظل الكلمة النهائية للمحكمة عند إصدار حكمها في القضية.
ماذا تعني إحالة أوراق المتهم إلى المفتي؟
إحالة الأوراق إلى مفتي الجمهورية لا تعني بذاتها أن الحكم النهائي أصبح باتًا أو أن العقوبة جرى تنفيذها، وإنما تأتي ضمن الإجراءات القانونية المرتبطة بنظر عقوبة الإعدام أمام المحكمة.
ومن ثم يبقى مصير المتهم مرتبطًا بما تقرره المحكمة في جلسة النطق بالحكم، إلى جانب ما يتيحه القانون من إجراءات وطرق للطعن بحسب مرحلة القضية.
الأب يترك مصير ابنه للقضاء
أما الأب، فقد ترك الكلمة الأخيرة للقضاء.
فإذا انتهت الإجراءات القضائية إلى حكم نهائي واجب التنفيذ، فإن تنفيذ العقوبة يظل من اختصاص الدولة والجهات المختصة، وليس الأب.
لكن الموقف الأكثر إيلامًا في القضية ربما يظل موقف والد وجد نفسه أمام ابنين؛ أحدهما رحل قتيلًا، والآخر يقف متهمًا أمام القضاء.
أب اختار أن يقول ما يراه حقيقة، رغم إدراكه أن هذه الحقيقة قد تكون ثقيلة على ابنه الآخر.
من قابيل وهابيل إلى مأساة الفيوم
منذ قصة قابيل وهابيل، لم تتغير بعض الأسئلة التي تطرحها جرائم الأشقاء: ماذا يبقى للأسرة عندما يصبح أحد أبنائها ضحية والآخر متهمًا؟ وكيف يمكن لأب أن يختار بين الدفاع عن ابن حي والحفاظ على ما يراه حقًا لابن مات؟
في قضية الحاكورة بالفيوم، لم يحاول الأب أن يمنح نفسه سلطة الحكم، ولم يقرر العقوبة، وإنما رفض - وفق موقفه أمام المحكمة - أن يقدم ما يعتقد أنه قد يضيع حق ابنه المقتول من أجل إنقاذ ابنه المتهم.
وبين ابن رحل، وآخر ينتظر كلمة القضاء، بقي الأب في المنتصف يحمل مأساة لا يختصرها حكم ولا تنتهي بانتهاء جلسات المحكمة.


