اتهامات لصدام حفتر بهجمات مسيرات تهدد مسار توحيد المؤسسات الليبية
تواجه جهود توحيد المؤسسات الليبية اختبارًا جديدًا بعد ظهور اتهامات تربط صدام حفتر، نجل قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر ونائب قائد قواته، بهجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت للوقود والطاقة في غرب البلاد خلال أغسطس الماضي.
وقالت صحيفة «الجارديان» البريطانية إن الاتهامات الجديدة أربكت مسارًا سياسيًا مدعومًا من الولايات المتحدة كان يستهدف تقريب معسكري شرق ليبيا وغربها وإعادة توحيد مؤسسات الدولة، مشيرة إلى أن مسؤولين في حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس باتوا يشككون في إمكانية استمرار التعاون مع صدام حفتر.
لكن الاتهامات الواردة في التقرير تظل منسوبة إلى مصادر تحدثت للصحيفة، ولم تثبت قضائيًا حتى الآن، كما لم تعلن جهة قضائية ليبية مسؤولية صدام حفتر عن الهجمات.
صدام حفتر في قلب أزمة جديدة
بحسب «الجارديان»، جاءت الأزمة بعد تحقيقات أجرتها سلطات في غرب ليبيا مع أشخاص أوقفوا للاشتباه في ارتباطهم بمخطط لاستهداف منشآت حيوية.
وتقول الصحيفة إن المعلومات التي ظهرت خلال التحقيقات دفعت مسؤولين داخل حكومة الوحدة إلى التشكيك في إمكانية الاستمرار في مسار التعاون مع صدام حفتر، بعدما كان يمثل أحد الشخصيات الأساسية في الاتصالات السياسية والأمنية بين الشرق والغرب.
ولم يصدر، وفق المعلومات المنشورة، حكم قضائي يثبت هذه الاتهامات، ولذلك تظل رواية الصحيفة بحاجة إلى الفصل بينها وبين النتائج الرسمية لأي تحقيقات ليبية.
هل انهارت خطة توحيد المؤسسات الليبية؟
تشير «الجارديان» إلى أن التطورات الأخيرة تسببت في تعثر جانب من جهود التقارب المدعومة أمريكيًا.
وكانت الولايات المتحدة تدفع خلال الأشهر الماضية نحو ترتيبات تستهدف إنهاء الانقسام الممتد بين مؤسسات الشرق والغرب وبناء سلطة أكثر توحيدًا تمهد الطريق أمام الانتخابات.
كما كشفت رويترز في يوليو عن وجود مباحثات موازية بشأن خطة لإعادة توحيد المؤسسات الليبية، تضمنت ترتيبات انتقالية بين القوى الرئيسية في شرق البلاد وغربها.
هجمات الزاوية تشعل الأزمة
تعود جذور التطورات الحالية إلى سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيرة شهدتها مدينة الزاوية غرب طرابلس في أغسطس 2026.
واستهدفت الهجمات منشآت نفطية وخزانات وقود ومرافق حيوية، في واحدة من أخطر موجات استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وأكدت المؤسسة الوطنية للنفط تعرض منشآت في الزاوية لهجمات متكررة باستخدام طائرات مسيرة، وقالت إن الحرائق اندلعت في عدد من الخزانات نتيجة ما وصفته بـ«عمليات تخريبية».

خزان يحتوي على 4.5 مليون لتر من البنزين
كان أبرز الهجمات استهداف خزان تابع لشركة البريقة لتسويق النفط يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين.
وقالت وزارة النفط والغاز بحكومة الوحدة إن الخزان اشتعل ثم انهار نتيجة الهجوم، ودعت السلطات الأمنية والقضائية إلى إجراء تحقيق عاجل لتحديد المسؤولين عن الضربات.
وأكدت المؤسسة الوطنية للنفط لاحقًا السيطرة على الحرائق، فيما ذكرت رويترز أن المصفاة نفسها لم تتعرض لأضرار مباشرة كبيرة، رغم تعطل بعض العمليات وتأثر إمدادات الوقود بصورة مؤقتة في المنطقة الغربية.
هجمات متتالية على منشآت حيوية
لم يكن استهداف خزان البنزين حادثًا منفردًا.
فقد تعرضت المنطقة خلال عدة أيام لسلسلة من الهجمات باستخدام طائرات مسيرة، شملت منشآت مرتبطة بالتكرير وتخزين الوقود وتحلية المياه، إضافة إلى مواقع أخرى في مجمع الزاوية.
كما حذرت المؤسسة الوطنية للنفط وقتها من أن استمرار الهجمات قد يدفعها إلى إعلان القوة القاهرة ووقف العمليات بصورة كاملة في مجمع الزاوية.
الأمم المتحدة تحذر من التصعيد في الزاوية
تزامنت هجمات المسيرات مع اشتباكات مسلحة شهدتها الزاوية وصرمان.
وقالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في 11 أغسطس إن الاشتباكات أسفرت عن قتلى ومصابين وألحقت أضرارًا بالممتلكات والبنية التحتية الحيوية، ومن بينها مصفاة الزاوية، مطالبة بوقف التصعيد ومحاسبة المسؤولين عنه.
كما أبلغت رئيسة البعثة الأممية مجلس الأمن بأن استخدام الطائرات المسيرة ضد المصفاة ومنشآت حيوية أخرى يمثل تطورًا مقلقًا، مشيرة إلى وقوع أضرار هيكلية وتعطل بعض الخدمات.
من يقف وراء هجمات الزاوية؟
عند وقوع الهجمات في أغسطس لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها.
وأكدت التقارير الأولية آنذاك أن المؤسسة الوطنية للنفط لم تحدد الطرف الذي يقف وراء الهجمات، وطالبت بفتح تحقيق رسمي.
أما الاتهامات المتعلقة بصدام حفتر فظهرت لاحقًا في تقرير «الغارديان»، الذي قال إن تحقيقات في طرابلس ربطت بعض المشتبه بهم بجهات تابعة لمعسكر الشرق.
وهنا تكمن أهمية التفرقة بين ثبوت وقوع هجمات المسيرات، وهو أمر مؤكد رسميًا، وبين تحديد الجهة التي أمرت بتنفيذها، وهو جانب لا يزال محل اتهامات وتحقيقات.
المبادرة الأمريكية لتوحيد ليبيا تحت الضغط
تأتي الأزمة بينما تعمل واشنطن على دفع الأطراف الليبية نحو تسوية أوسع.
وبرز خلال هذا المسار اسم مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، ضمن التحركات الرامية إلى تقريب القوى الليبية المتنافسة والوصول إلى ترتيبات لإنهاء الانقسام المؤسسي.
ووفق «الغارديان»، فإن الاتهامات الجديدة ألقت بظلالها على تلك المساعي، خصوصًا في ظل الدور الذي كان متوقعًا أن يلعبه معسكر حفتر في أي تسوية مستقبلية.

حفتر والدبيبة في حسابات التسوية
شهدت الأشهر الماضية تداول أكثر من تصور بشأن كيفية توزيع السلطة في مرحلة انتقالية جديدة.
وكشفت رويترز في يوليو عن مقترح لإدارة انتقالية مدتها 36 شهرًا، في إطار جهود موازية للتقريب بين شرق ليبيا وغربها، لكن تفاصيل الخطط المطروحة اختلفت باختلاف الوسطاء والمراحل التي وصلت إليها المفاوضات.
ولهذا لا توجد حتى الآن صيغة نهائية معلنة ومتفق عليها لتوزيع المناصب أو تشكيل سلطة تنفيذية موحدة.
المسار الأممي يتحرك في اتجاه الانتخابات
وبالتوازي مع التحرك الأمريكي، حققت بعثة الأمم المتحدة تقدمًا في مسار سياسي منفصل.
ففي 30 أغسطس 2026 وقع المشاركون في «الاجتماع المصغر» اتفاقًا يعالج نقطتين أساسيتين في خارطة الطريق الأممية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وينص الاتفاق على العمل نحو تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في ظل سلطة تنفيذية واحدة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا.
مجلس الأمن يرحب بالاتفاق
رحب مجلس الأمن بالاتفاق في 8 سبتمبر، واعتبره خطوة مهمة باتجاه الانتخابات وتوحيد المؤسسات الليبية، داعيًا الأطراف المحلية إلى دعمه وتنفيذه.
وفي 14 سبتمبر أيد مجلس النواب الليبي الاتفاق خلال جلسة في بنغازي، وهو ما رحبت به بعثة الأمم المتحدة في اليوم التالي.
إلا أن المجلس الأعلى للدولة أبدى اعتراضات على مخرجات الاتفاق وطريقة تعديل الإطار الانتخابي، وفق تقرير لمجلس الأمن، ما يعني أن المسار لا يزال يواجه خلافات سياسية حتى بعيدًا عن أزمة هجمات المسيرات.
هل تهدد اتهامات صدام حفتر الانتخابات؟
تكمن الخطورة السياسية في أن نجاح أي اتفاق لتوحيد المؤسسات يعتمد بدرجة كبيرة على وجود حد أدنى من الثقة بين معسكري الشرق والغرب.
ولهذا فإن اتهامات من هذا النوع، إذا تصاعدت أو تحولت إلى إجراءات رسمية، قد تجعل التوافق على ترتيبات أمنية وسياسية موحدة أكثر صعوبة.
وفي المقابل، لا يزال المسار الأممي مستمرًا؛ إذ اجتمع أعضاء «الاجتماع المصغر» مجددًا في تونس في 20 سبتمبر لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وأكدوا التزامهم بمواصلة العمل للوصول إلى انتخابات وطنية.
صراع محتمل داخل معسكر حفتر
لا تقف تداعيات القضية عند العلاقة بين طرابلس وبنغازي.
فتقرير «الجارديان» ربط الأزمة أيضًا بالتوازنات داخل معسكر خليفة حفتر، مشيرًا إلى بروز صدام حفتر خلال السنوات الأخيرة لاعبًا سياسيًا وعسكريًا بارزًا، بالتزامن مع صعود أدوار أبناء آخرين لخليفة حفتر.
وتقول الصحيفة إن الجدل الحالي قد يؤثر في موقع صدام داخل الترتيبات السياسية المستقبلية، إلا أن الحديث عن صراع خلافة داخل عائلة حفتر يظل في جانب منه تحليلًا صحفيًا وتقديرًا سياسيًا وليس مسارًا معلنًا رسميًا.
توحيد المؤسسات أم عودة الانقسام؟
تضع التطورات الأخيرة ليبيا أمام مسارين متوازيين.
الأول يسعى إلى إعادة توحيد المؤسسات والوصول إلى انتخابات عبر الجهود الأممية والتحركات الدولية، بينما يعكس الثاني استمرار هشاشة الوضع الأمني وقدرة الصراعات المسلحة على إرباك أي تقدم سياسي.
وهجمات الزاوية نموذج واضح لهذه المعضلة؛ فما بدأ باعتباره سلسلة ضربات على خزانات وقود ومنشآت للطاقة أصبح جزءًا من أزمة سياسية أوسع تطال الثقة بين الأطراف المشاركة في مفاوضات توحيد الدولة.
ومع ذلك، فإن ربط صدام حفتر شخصيًا بالهجمات لم يتحول حتى الآن إلى حقيقة قضائية مثبتة، ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت الاتهامات ستقود إلى أزمة سياسية رسمية بين الشرق والغرب، أم ستتمكن الوساطات الأمريكية والأممية من احتواء آثارها ومواصلة الطريق نحو توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.


