«روحوا العبوا في حتة تانية».. كوميديا سوداء داخل مبنى الأمم المتحدة
تذكرنا اجتماعات الأمم المتحدة هذا العام بذلك الرجل الذي كان يسكن في أول الشارع، وكلما تجمع الأطفال أمام بيته للعب الكرة خرج بخرطوم المياه ورش الشارع وهو يصيح:
«روحوا العبوا في حتة تانية!»
الفارق الوحيد أن أطفال الحارة كانوا يتشاجرون على كرة، أما هنا فلدينا رؤساء دول وجيوش وصواريخ وحروب واقتصاد عالمي ومصير ملايين البشر.
تدفع الدول الملايين، وتُغلق شوارع نيويورك، وتُستدعى أجهزة الأمن، ويجتمع قرابة 130 من رؤساء الدول والحكومات خلال الأسبوع رفيع المستوى، وفق الأمم المتحدة، ثم تتحول القاعة أحيانًا إلى مشهد غريب: رئيس يتحدث، والوفد المعترض يجمع أوراقه ويخرج
بمعنى آخر: «مش عاجبك الكلام؟ خد شنطتك والباب يفوّت جمل!»
ترامب يتكلم.. وكوبا تقول: إحنا ماشيين
بدأ العرض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقف على منصة الأمم المتحدة، واستعرض رؤيته للعالم وإنجازات إدارته، ثم انتقل إلى كوبا، فوصفها بأنها «دولة فاشلة» وتوقع سقوط النظام الشيوعي.
الوفد الكوبي لم ينتظر نهاية الحلقة.
جمع أوراقه وخرج من القاعة احتجاجًا.
لا بيان مطول، ولا طلب حق رد.
خلاص يا جماعة.. إحنا زعلنا وماشيين.
ثم انتقل ترامب إلى إيران وهددها في خطابه، وهنا كرر الوفد الإيراني المشهد تقريبًا، فغادر عدد من أعضائه القاعة بينما بقي ممثل واحد.
والأمم المتحدة واقفة في النص كأنها صاحبة البيت في فرح عائلي، تحاول ألا يغادر نصف المدعوين قبل تقديم العشاء.

أردوغان يتحدث.. والوفد الإسرائيلي إلى الخارج
ثم جاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
فتح ملف غزة وهاجم السياسة الإسرائيلية بشدة، ووصف القطاع بأنه أصبح «معسكر اعتقال» واتهم إسرائيل باتباع ما سماه «عقلية إبادة جماعية».
وبينما كان يتحدث، غادر الوفد الإسرائيلي القاعة.
ومع اختلاف المواقف السياسية من خطاب أردوغان نفسه، فإن المشهد أصبح مألوفًا:
الميكروفون يشتغل.. الكراسي تفضى.
وكأن الأمم المتحدة ابتكرت نظامًا دبلوماسيًا جديدًا:
بدل «حق الرد» أصبح لدينا «حق الانسحاب».
إيران ترد.. وأمريكا أيضًا تعرف طريق الباب
في اليوم التالي، جاء دور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
رفع صورًا لأطفال قتلوا في ضربة على مدرسة في ميناب، وصورة للمرشد الإيراني السابق، ثم وجه اتهامات حادة للولايات المتحدة وإسرائيل، ورد على خطاب ترامب.
فماذا حدث؟
غادر ممثل الوفد الأمريكي القاعة أثناء الخطاب، بينما كان الوفد الإسرائيلي غائبًا أيضًا.
وهكذا اكتملت اللعبة:
ترامب يتحدث → الإيرانيون يخرجون.
بزشكيان يتحدث → الأمريكي يخرج.
أردوغان يتحدث → الإسرائيليون يخرجون.
ولو استمر النظام بهذه الطريقة، ربما تحتاج الأمم المتحدة العام المقبل إلى باب دوّار أسرع بدل إصلاح مجلس الأمن.
المشكلة ليست في الخروج.. المشكلة أن العالم يحترق في الخارج
الأمر المضحك في الصورة هو الانسحابات.
أما المأساوي فهو أن الملفات التي يتشاجر عليها الجميع ليست ندوة جامعية.
هناك حروب حقيقية، وقتلى حقيقيون، ونازحون، ومدن مدمرة، وأزمات اقتصادية، وممرات بحرية مهددة.
الأمين العام أنطونيو غوتيريش نفسه استخدم خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للمطالبة بوقف الحروب وإصلاح مؤسسات الأمم المتحدة، في وقت تواجه المنظمة انتقادات متزايدة بسبب عجزها أمام الانقسامات بين القوى الكبرى. (
لكن المواطن الذي يشاهد كل ذلك من منزله لا يقرأ لوائح مجلس الأمن.
هو يرى فقط أن المشكلة كانت موجودة قبل الاجتماع، والزعماء تحدثوا عنها، ثم انتهى الاجتماع... والمشكلة ما زالت موجودة.
وحتى الدخول إلى «بيت العالم» يحتاج موافقة صاحب العقار
ثم نصل إلى واحدة من أكثر مفارقات القصة غرابة: التأشيرات.
مقر الأمم المتحدة موجود في نيويورك، أي أن من يريد حضور اجتماع «العالم كله» عليه أولًا أن يحصل على إذن دخول من الولايات المتحدة.
هذا العام منعت واشنطن الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعددًا من المسؤولين الفلسطينيين من الحصول على تأشيرات لحضور الجمعية العامة، للعام الثاني على التوالي، وبررت الخارجية الأمريكية القرار بمواقفها من السلطة الفلسطينية.
فتصبح الصورة الساخرة:
أنت عضو في المنظمة الدولية، لديك كلمة أمام المنظمة الدولية، لكن المنظمة الدولية موجودة في دولة تقول لك:
«آسفين.. اسمك مش على الباب.»

والبرهان أيضًا ينتظر التأشيرة
وتكرر الجدل مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.
مصادر دبلوماسية قالت لرويترز إن الولايات المتحدة حجبت إصدار تأشيرته قبل كلمته المرتقبة في الجمعية العامة، وإن الأمر بدا مرتبطًا بمقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا.
واشنطن لم تكن قد أعلنت رسميًا وقت التقرير أن هذا هو سبب التأخير، بينما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه بشأن عدم إصدار التأشيرة.
وهنا يتحول مقر الأمم المتحدة عمليًا إلى ما يشبه ناديًا عالميًا:
العضوية للجميع... لكن موظف البوابة له رأي آخر.
نتنياهو، ممداني.. والحلقة تنتقل إلى نيويورك
وفي زاوية أخرى من المسرح، دخل عمدة نيويورك زهران ممداني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مواجهة كلامية قبل زيارة الأخير للأمم المتحدة.
ممداني سبق أن طالب الحكومة الفيدرالية بتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو إذا حضر إلى الولايات المتحدة، مع إقراره بأن سلطات المدينة لا تمنحه بنفسه صلاحية تنفيذ الاعتقال.
أما نتنياهو فرد بفيديو أعلن فيه أنه قادم إلى الأمم المتحدة وأنه سيستخدم خطابه للرد على ممداني وانتقاده علنًا.
ومذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ما تزال قائمة وفق أحدث التقارير المتعلقة بالمحكمة.
أي أن الأسبوع الذي يفترض أنه مخصص لإنقاذ النظام الدولي أصبح يحتوي أيضًا على تراشق فيديوهات قبل الوصول إلى القاعة.
ناقص فقط أن يكتب أحدهم:
«استناني لما أوصل نيويورك».
الأمم المتحدة أم جروب واتساب للعالم؟
المشكلة ليست أن الدول تختلف.
لو اتفقت الدول أصلًا على كل شيء لما احتجنا إلى الأمم المتحدة.
المشكلة أن المؤسسة التي أنشئت حتى يتحاور الخصوم أصبحت أحيانًا مكانًا يلقي فيه كل طرف خطابه أمام أنصاره، ثم يغادر عندما يبدأ خصمه الكلام.
كل رئيس يدخل ومعه روايته.
يقولها.
يصفق له حلفاؤه.
يغضب خصومه.
ينسحب بعضهم.
ثم تبدأ الاجتماعات الجانبية في الفنادق والغرف المغلقة، والتي تكون في كثير من الأحيان أكثر أهمية من ساعتين من الخطب أمام الكاميرات.
حتى تقارير هذا الأسبوع تشير إلى أن جزءًا مهمًا من الدبلوماسية الفعلية يحدث بالفعل في الاجتماعات الثنائية والجانبية المصاحبة للجمعية العامة.
يعني باختصار:
الحفل الرسمي في القاعة.. والشغل الحقيقي في الكواليس.
أين «الدادة»؟
وهنا نعود إلى تشبيه الحضانة.
لدينا 193 دولة، وخمس دول كبرى تملك الفيتو في مجلس الأمن، ومئات الوفود، وآلاف الدبلوماسيين، وأطنان من البيانات.
لكن حين يقع خلاف كبير، لا توجد «دادة» قادرة على أن تقول للجميع:
اقعدوا.
اسمعوا بعض.
لن يخرج أحد حتى ننتهي من المشكلة.
لأن الأمم المتحدة ليست حكومة عالمية أصلًا، ولا تملك سلطة عليا تجبر القوى الكبرى على تنفيذ ما لا تريد تنفيذه.
وهذه ربما هي المفارقة الكبرى:
العالم يطلب من الأمم المتحدة أن توقف الحروب، بينما الدول نفسها لم تمنح الأمم المتحدة القوة التي تسمح لها بفعل ذلك.
ملايين الدولارات.. ثم نعود العام المقبل بالمشكلات نفسها
وفي نهاية الأسبوع ستعود الطائرات الرئاسية إلى بلادها.
ستُفك الحواجز في نيويورك.
ستنتهي المؤتمرات الصحفية.
وسيجمع موظفو الأمم المتحدة الأوراق من فوق الطاولات.
لكن غزة ستبقى ملفًا.
والسودان سيبقى ملفًا.
وإيران ستبقى ملفًا.
وأوكرانيا ستبقى ملفًا.
وفلسطين ستعود إلى جدول الأعمال مرة أخرى.
لذلك فإن السخرية ليست من فكرة أن يتحدث العالم.
الكلام أفضل من إطلاق النار.
السخرية هي من أن يتحول الكلام نفسه إلى غاية، وكأن مجرد وصول الرئيس إلى المنصة وقراءة عشر صفحات يعني أن شيئًا قد تغير.
«روحوا العبوا في حتة تانية»
ربما أصبحت أشهر جملة مناسبة لوصف المشهد هي جملة عمنا صاحب خرطوم المياه:
«روحوا العبوا في حتة تانية.»
ترامب يتكلم؟ الوفد الكوبي والإيراني يخرج.
أردوغان يتكلم؟ الإسرائيليون يخرجون.
بزشكيان يتكلم؟ الأمريكي يخرج.
عباس يريد الحضور؟ لا تأشيرة.
البرهان يريد الحضور؟ التأشيرة معلقة.
ونتنياهو وممداني يكملان المباراة خارج المبنى.
وفي المنتصف تقف الأمم المتحدة، المنظمة التي أنشئت كي تمنع تحول الخلافات بين الدول إلى حروب، تراقب المشهد بينما يتجادل الجميع حول من سيجلس في القاعة أصلًا ومن سيغادرها.
ولو استمر الأمر هكذا، فربما يكون أوفر في العام المقبل أن توزع الأمم المتحدة على الوفود عند المدخل ثلاث بطاقات:
بطاقة للكلمة.
بطاقة للاعتراض.
وبطاقة مكتوب عليها: «زعلان؟ الباب هناك».
أما الملايين التي تُنفق على المؤتمر والتأمين والمراسم، فسيظل السؤال المشروع بشأنها قائمًا:
هل يقاس نجاح هذا التجمع بعدد الخطب التي أُلقيت؟
أم بعدد الأزمات التي لم نعد مضطرين إلى سماع الخطبة نفسها عنها في سبتمبر المقبل؟


