واشنطن وبكين تمددان الهدنة التجارية حتى 10 يناير.. ماذا يتضمن «اتفاق بوسان»؟
أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الولايات المتحدة والصين اتفقتا على تمديد التفاهمات التجارية المعروفة باسم «اتفاق بوسان» حتى 10 يناير/كانون الثاني 2027، بعدما كان من المقرر انتهاء الهدنة في 10 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وجاء الإعلان عقب اجتماع بيسنت مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ في واشنطن، عشية القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ. (
والتفصيل المهم أن إعلان التمديد صدر حتى الآن عن الجانب الأمريكي، وتحديدًا عن بيسنت خلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز». أما البيان الصيني الرسمي الذي صدر بعد محادثات نيويورك السابقة فوصف المناقشات بأنها «صريحة ومعمقة وبناءة»، لكنه لم يكن قد أعلن آنذاك اتفاقًا على تمديد الهدنة.
ماذا قال وزير الخزانة الأمريكي؟
قال بيسنت إن الوفدين اجتمعا الأربعاء لبحث إمكانية الانتقال من سلسلة تفاهمات منفصلة إلى اتفاق تجاري أكبر، قبل أن يعلن التوصل إلى تمديد الترتيبات الحالية حتى 10 يناير.
وكان بيسنت قد قال قبل ساعات من الإعلان إن الجانب الصيني طرح خلال اجتماعات الأحد فكرة التوصل إلى «اتفاق أكبر»، وإن واشنطن منفتحة إما على استمرار ترتيبات بوسان أو دراسة الاتفاق الأشمل، من دون الكشف عن تفاصيل ما قد يتضمنه هذا الاتفاق الجديد.
ما هو «اتفاق بوسان»؟
يعود الاتفاق إلى لقاء ترامب وشي في بوسان بكوريا الجنوبية في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعدما وصلت الحرب التجارية بين البلدين إلى مرحلة تصعيد كبيرة شملت الرسوم الجمركية والقيود على المعادن النادرة والتكنولوجيا والزراعة.
وأدى اتفاق بوسان إلى خفض جانب من الرسوم الأمريكية، وتعليق إجراءات تصعيدية متبادلة، وتخفيف بعض القيود الصينية المرتبطة بالمعادن النادرة، إلى جانب استئناف
مشتريات صينية من المنتجات الزراعية الأمريكية. (ماذا حصلت عليه الصين بموجب الاتفاق؟
خفضت الولايات المتحدة الرسوم التي كانت قد فرضتها على السلع الصينية على خلفية ملف المواد الأولية المستخدمة في إنتاج الفنتانيل من 20% إلى 10%.
وبحسب مسؤولين أمريكيين آنذاك، أدى هذا الإجراء إلى خفض متوسط العبء الجمركي الأمريكي الإجمالي على الواردات الصينية من نحو 57% إلى قرابة 47%، مع استمرار رسوم أخرى سابقة مفروضة على المنتجات الصينية.
كما وافقت واشنطن على تعليق تطبيق توسع كبير في قائمة الشركات الخاضعة لقيود تصدير التكنولوجيا الأمريكية لمدة عام، وهو إجراء كان من شأنه أن يشمل شركات مملوكة بنسبة تزيد على 50% لكيانات مدرجة بالفعل على القوائم الأمريكية.
وماذا حصلت عليه الولايات المتحدة؟
وافقت الصين، وفق تفاصيل الاتفاق المعلنة في 2025، على تعليق عدد من القيود الجديدة على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، وهي مواد أساسية في صناعة السيارات والإلكترونيات والطائرات والمعدات العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة.
كما تضمنت التفاهمات تعهدات صينية بشأن صادرات الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والجرافيت، إلى جانب إجراءات تتعلق بسلائف الفنتانيل وإلغاء أو تعليق عدد من التدابير الانتقامية التي اتخذتها بكين ضد شركات أمريكية
فول الصويا في قلب الهدنة
مثلت الزراعة جزءًا رئيسيًا من اتفاق بوسان.
وتعهدت الصين بشراء 12 مليون طن متري من فول الصويا الأمريكي خلال الشهرين الأخيرين من 2025، إضافة إلى شراء ما لا يقل عن 25 مليون طن سنويًا في 2026 و2027 و2028، إلى جانب استئناف مشتريات الذرة الرفيعة والأخشاب الأمريكية.
وتكتسب هذه المشتريات أهمية اقتصادية وسياسية داخل الولايات المتحدة بسبب اعتماد قطاعات زراعية أمريكية واسعة على السوق الصينية.
المعادن النادرة.. الملف الأكثر حساسية
تظل المعادن الأرضية النادرة إحدى أهم نقاط التفاوض بين البلدين.
فالصين تسيطر على جزء كبير من عمليات استخراج ومعالجة هذه المعادن عالميًا؛ وتشير تقديرات حديثة إلى أنها تسيطر على ما يصل إلى نحو 70% من التعدين وأكثر من 85% من عمليات التكرير والإنتاج لبعض سلاسل المعادن النادرة.
ولهذا أصبحت قدرة بكين على تقييد صادرات المعادن والمغناطيسات النادرة ورقة ضغط مؤثرة على قطاعات أمريكية تشمل السيارات والطيران والدفاع والتكنولوجيا.
وقبل القمة الحالية، كانت واشنطن قد أبدت مخاوف من أن إمدادات بعض المعادن لا تزال أقل مما تتوقعه بموجب التفاهمات السابقة. وأظهرت بيانات الجمارك الصينية تراجع شحنات مغناطيسات المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة في أغسطس إلى نحو 512 طنًا، بانخفاض شهري يقارب 20%.
لماذا مُددت الهدنة الآن؟
كان اتفاق بوسان الحالي يواجه موعدًا مهمًا في 10 نوفمبر 2026، عندما تنتهي بعض الترتيبات المؤقتة المرتبطة بالرسوم والقيود التجارية.
وكانت الولايات المتحدة والصين أمام خيارين رئيسيين خلال المفاوضات الأخيرة: تمديد الإطار الحالي لمنع عودة التصعيد، أو الانتقال إلى اتفاق تجاري أوسع. وأكد بيسنت أن بكين هي التي طرحت فكرة الاتفاق الأكبر خلال المحادثات الأخيرة، لكن الجانبين لم يكشفا حتى الآن عن نطاقه التفصيلي.
ويمنح التمديد حتى 10 يناير الطرفين فترة إضافية لمواصلة التفاوض من دون عودة فورية للإجراءات التجارية التي جرى تعليقها.

هل انتهت الحرب التجارية بين أمريكا والصين؟
لا.
التمديد يعني استمرار الهدنة في أجزاء من النزاع التجاري، وليس إنهاء الخلافات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم.
فالولايات المتحدة لا تزال تفرض رسومًا وقيودًا على مجموعة كبيرة من المنتجات والتكنولوجيا الصينية، بينما تحتفظ الصين بقيود تصدير وآليات ترخيص في قطاعات استراتيجية. كما أن بعض ضوابط المعادن النادرة التي فرضتها بكين في أبريل 2025 لم تختف بالكامل بموجب اتفاق بوسان.
وبالتالي فإن وصف الاتفاق بأنه «إنهاء للحرب التجارية» سيكون أوسع مما تثبته التفاهمات الحالية.
الذكاء الاصطناعي يدخل المفاوضات
المفاوضات الاقتصادية لم تعد مقتصرة على الرسوم والسلع.
فخلال اجتماعات نيويورك هذا الأسبوع، اتفقت واشنطن وبكين على مواصلة حوار بشأن الذكاء الاصطناعي، واقترحت الولايات المتحدة إنشاء آلية لإبلاغ الطرف الآخر بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي قد تصل إلى مستوى تهديد الأمن القومي.
كما يجري العمل على إطار يعرف باسم مجلس التجارة الأمريكي الصيني لإدارة التجارة في بعض السلع التي لا تعتبر حساسة استراتيجيًا. وكان تأسيس مجالس للتجارة والاستثمار بين البلدين قد أُعلن خلال قمة ترامب وشي في مايو 2026.
اتفاقات مايو أضافت ملفات جديدة
في مايو الماضي، أعلنت واشنطن عن تفاهمات إضافية مع بكين شملت إنشاء مجلسي التجارة والاستثمار، إلى جانب التزامات صينية بشراء منتجات أمريكية.
ومن بين ما أعلنته الإدارة الأمريكية موافقة الصين على شراء 200 طائرة بوينغ بصورة أولية، فضلًا عن مشتريات زراعية أمريكية إضافية بقيمة لا تقل عن 17 مليار دولار سنويًا خلال الفترة المحددة في الاتفاق.
لكن تقارير حديثة أشارت إلى أن تنفيذ بعض الالتزامات السابقة لا يزال غير مكتمل، بما في ذلك مشتريات الطائرات وبعض المستهدفات الزراعية، وهو ما يجعل ملف التنفيذ جزءًا مهمًا من المفاوضات الحالية
ماذا عن الاتفاق التجاري الأكبر؟
حتى الآن، لا توجد تفاصيل رسمية كافية.
بيسنت قال إن الصين قدمت فكرة «اتفاق أكبر»، وإن واشنطن مستعدة لدراستها، لكنه امتنع عن تحديد البنود التي قد يتضمنها هذا الاتفاق.
ومن الملفات الموجودة بالفعل على طاولة المفاوضات: الرسوم الجمركية، المعادن النادرة، المشتريات الزراعية، الطائرات، الاستثمار، المنتجات غير الحساسة، الذكاء الاصطناعي وقيود التكنولوجيا. لكن لا يمكن اعتبار جميع هذه البنود جزءًا من «الاتفاق الأكبر» قبل الإعلان الرسمي عن تفاصيله.
قمة ترامب وشي قد تحدد المرحلة التالية
يأتي إعلان التمديد قبل لقاء الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في البيت الأبيض الخميس 24 سبتمبر.
وكانت المفاوضات بين بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني تهدف إلى تجهيز الملفات التي ستعرض على الرئيسين وتصفية ما وصفه وزير الخزانة الأمريكي بـ«الأعمال غير المنجزة» قبل القمة.
وبالتالي، فإن تمديد الهدنة حتى يناير يحدد إطارًا مؤقتًا للعلاقة التجارية، بينما يمكن أن تكشف القمة عن تفاهمات إضافية أو تفاصيل حول فكرة الاتفاق الأوسع.
ماذا يعني التمديد اقتصاديًا؟
اقتصاديًا، يعني القرار أن الإجراءات التي كان يمكن أن تعود بعد 10 نوفمبر لن تعود في ذلك الموعد وفق الإعلان الأمريكي، ما يمنح الشركات والمصدرين والمستوردين فترة إضافية من الاستقرار النسبي في قواعد التجارة بين البلدين.
لكنه لا يلغي الرسوم الموجودة حاليًا ولا القيود الاستراتيجية على التكنولوجيا والتجارة، ولذلك فإن الوضع بعد التمديد يظل هدنة تجارية مؤقتة وليس عودة إلى تجارة حرة بين الولايات المتحدة والصين


