في مشهد خيمت عليه حالة من الترقب، جلس المتهمان "مصطفى"، طالب بكلية الهندسة بجامعة أسيوط، وصديقه "هيثم"، الطالب بكلية التربية الرياضية، داخل قفص الاتهام بمحكمة جنايات أسيوط، مرتديين ملابس الحبس البيضاء، وبين أيديهما المصحف والسبح، بينما علت وجهيهما ملامح الانتظار، خلال جلسة إعادة محاكمتهما للمرة الثالثة في القضية التي هزت محافظة أسيوط، بعد اتهامهما بقتل خالة الأول وزوجها وسرقة مصوغاتهما الذهبية وأموالهما وهواتفهما المحمولة.
وخلال الجلسة، قررت الدائرة الأولى الاستئنافية بمحكمة جنايات أسيوط إحالة أوراق المتهمين إلى فضيلة مفتي الجمهورية، لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما، تمهيدًا للنطق بالحكم.
بداية الجريمة.. رائحة كريهة تكشف السر
تعود تفاصيل القضية إلى شهر يناير عام 2013، عندما لاحظ سكان أحد العقارات بشارع محمد علي مكارم بحي غرب مدينة أسيوط انبعاث رائحة كريهة من شقة بالطابق الأرضي، يقطنها الزوجان "محمد ت."، البالغ من العمر نحو 70 عامًا، وزوجته "عفاف م.".
وبعد محاولات متكررة لطرق باب الشقة دون استجابة، أبلغ الأهالي الأجهزة الأمنية، التي انتقلت إلى مكان البلاغ، لتكتشف جثتي الزوجين في حالة تعفن، وتحملان آثار طعنات متعددة، في جريمة أثارت صدمة واسعة بين سكان المنطقة.
الضحيتان كانا يعيشان حياة هادئة
أكد جيران المجني عليهما خلال التحقيقات أن الزوجين كانا يتمتعان بسمعة طيبة، ويعيشان بمفردهما دون أبناء، ولم تكن تجمعهما أي خلافات مع أحد، وهو ما جعل الجريمة تبدو غامضة في بدايتها، خاصة مع عدم وجود أي دلائل واضحة تشير إلى هوية الجناة.
فريق البحث يبدأ فك لغز الجريمة
على الفور، شكلت الأجهزة الأمنية فريق بحث جنائي لكشف ملابسات الواقعة، وأظهرت المعاينة بعثرة محتويات الشقة، ما رجح أن السرقة كانت الدافع الأساسي وراء ارتكاب الجريمة.
وبفحص دائرة معارف الضحيتين، تبين أن الشخص الوحيد الذي كان يتردد على المنزل بصورة مستمرة هو "مصطفى"، نجل شقيقة المجني عليها، الأمر الذي دفع رجال المباحث إلى توسيع دائرة الاشتباه حوله.
كاميرات المراقبة تقود إلى المتهمين
ساهمت كاميرات المراقبة الموجودة بمحيط العقار، إلى جانب التحريات المكثفة، في كشف هوية المتورطين، حيث تبين أن الجريمة ارتكبها مصطفى، طالب بكلية الهندسة، بالاشتراك مع صديقه "هيثم"، الطالب بكلية التربية الرياضية.
وكشفت التحريات أن المتهم الأول كان يحظى بمعاملة خاصة من خالته، التي كانت تعتبره أحد أبنائها، وتقدم له الدعم المادي باستمرار، إلا أنه قرر استغلال تلك الثقة لتحقيق حلم الثراء السريع.
التخطيط للجريمة.. شاي مخدر وسلاح أبيض
أوضحت التحقيقات أن المتهمين وضعا خطة محكمة للتخلص من الزوجين والاستيلاء على ممتلكاتهما، حيث اشتريا سلاحين أبيضين، إلى جانب مادة مخدرة لاستخدامها أثناء تنفيذ الجريمة.
وفي يوم الواقعة، توجه مصطفى إلى منزل خالته كعادته، واستقبله زوجها بحفاوة، بينما أعدت له خالته أكواب الشاي.
واستغل المتهم الأول دخولها إلى المطبخ، وقام بوضع المادة المخدرة داخل كوبها، وما إن تناولت الشاي حتى فقدت وعيها تمامًا.
تنفيذ الجريمة داخل الشقة
بعد تأكد المتهم الأول من فقدان خالته للوعي، فتح باب الشقة لصديقه هيثم، الذي كان ينتظر بالخارج.
وتوجه مصطفى لإشغال زوج خالته بالحديث داخل إحدى الغرف، بينما باغته المتهم الثاني بطعنات متتالية باستخدام سكين، حتى سقط جثة هامدة.
ولم يكتف المتهمان بذلك، بل توجها إلى الزوجة، وقاما بتكميم فمها، ثم سدد لها المتهم الثاني عدة طعنات بالسلاح الأبيض، حتى تأكدا من وفاتها.
سرقة الذهب والأموال والهروب
بعد ارتكاب الجريمة، فتش المتهمان أنحاء الشقة، واستوليا على المصوغات الذهبية الخاصة بالمجني عليها، ومبلغ مالي، وعدد من الهواتف المحمولة، قبل أن يغادرا المكان معتقدين أن جريمتهما لن تُكتشف.
بيع الذهب يكشف الجناة
واصل فريق البحث تتبع المصوغات الذهبية المسروقة، حتى توصل إلى بيعها داخل محل للمصوغات بمحافظة سوهاج.
وأدلى صاحب المحل بأقواله أمام جهات التحقيق، مؤكدًا أن المتهمين حضرا إليه وبحوزتهما فاتورة شراء تحمل اسم المجني عليها، وهو ما عزز الأدلة ضدهما.
اعترافات متبادلة أمام النيابة
عقب ضبط المتهمين، تبادلا الاتهامات خلال التحقيقات، وحاول كل منهما تحميل الآخر المسؤولية الرئيسية عن ارتكاب الجريمة، إلا أن الأدلة الفنية وتحريات المباحث أكدت تورطهما معًا في التخطيط والتنفيذ.
وبناءً على ما توصلت إليه التحقيقات، قررت النيابة العامة إحالتهما إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهما بتهم القتل العمد المقترن بالسرقة.
إحالة الأوراق إلى المفتي للمرة الثالثة
وخلال إعادة المحاكمة للمرة الثالثة، أصدرت الدائرة الأولى الاستئنافية بمحكمة جنايات أسيوط قرارها بإحالة أوراق المتهمين إلى فضيلة مفتي الجمهورية، لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما، تمهيدًا للنطق بالحكم.
وصدر القرار برئاسة المستشار هاني محمد عبد الآخر، وعضوية المستشارين إبراهيم علام عبد الحليم وشريف جرجس ميخائيل، وبحضور أمانة السر عادل أبو الريش وفنجري عبد الرحيم.


