لماذا لم تشارك مصر في اتفاقية مكة للدفاع المشترك؟ قراءة في حسابات التحالف الإقليمي
سؤال يمكن معه الإنطلاق نحو فهم حقيقة مُراد هذا التحالف ، لا يبدو مجدياً هنا الخوض في تفاصيل علاقة مصر بالإمارات ؛ من جهة . وعلاقة الإمارات بالسعوديّة ، فالتعقيد يتجاوز هذه الحدود وغيرها ؛ تخشى مصر معه مالم يكن بالحسبان
تركيا وسوريا في الحسابات الإقليمية.
عقيدتنا التي تقرّر : أنّ " الكرم في إطعام الضيف لا يوازيه كرم في تسليمه السيادة " فأردوغان الذي يسعى إلى فرض سيطرة على المنطقة ؛ وَجَد في سوريا مساحة مهمّة لها ، لن تتركَهُ دول المنطقة يفعل فِعلَتَه ، وهو يهجو نتنياهو من جهة ، ويبادل ترمب " الغمزات " من جهة ثانية ؛ في محاولة لحفظ قوّة دفعه ؛ التي يخشى سقوطها في عراكِه مع أبناء المنطقة ودوَلِها ؛ التي اختار لها باباً خلفيّا ؛ يُخفي عورة مآربِه ، يَلِجه في ليل الأحداث وسواد مآلها .
في ذات سياق التفكير؛ تَعمَد إيران إلى وخز الحوثي ؛ كي ينتفض فجاة ، ويهدأ فجأة في وجه السعوديّة ؛ التي لم تُنهي إعلان انشاء تحالف بحري ، حتّى أعلنت اتفاق مكّة للدفاع المشترك ، سبقه اتفاقها مع باكستان . قلنا عنه حينها : أنّه حائط صدّ في وجه ترمب قبل وصوله ، كما هو حال اتفاق مكّة هذا ، الذي يعتقد الجميع أنّه موجّه ضدّ ايران ، خشية استهدافها دول المنطقة ، في تزامن مع بثّها رسائل التودّد تجاه السعوديّة ومعها تركيا ؛ من خلال نافذة حزب الله وسوريا .
تحتفظ تركيا بعلاقات جيدة مع إيران وأذرعها ؛ تؤهّلها لمشاغلة ترمب ؛ الذي يستعمل تَظاهُرَه " بالغفلة " هذا لخلط الأوراق ؛ في كلّ لحظة يفشل عندها بإسقاط النظام الإيراني ؛ ويحاول مرّة جديدة إسقاطه بيد غيره ، دون أن يتنازل عن النصر ، وهي خطّة لم يعد أمام ترمب فيها ؛ سوى الزجّ بسوريا ، وقلب فصائل إيران في العراق ، لبنان ، اليمن ، والنائم في سوريا وغيرها .
إرباك حسابات ترمب مع الأكراد
يعني هذا : انهيار أحلام أردوغان ، وخسارته تكاليف دعم الفصائل والحكومة السوريّة معاً ؛ وبل واللعب بفارق الضغط بينها في إرباك حسابات ترمب مع الأكراد ، وخسارة السعودية أرض النفوذ السوري ، التي تقدّم خدمة لا يُستهان بها في ضبط إيقاع السياسة السعوديّة الإيرانيّة ، التي يسعى فيها الطرفان إلى التهدئة ، بل الوئام أيضاً ، لكن ؛ بطريقة " قرص الخدّ " الذي يتحيّن ترمب صفعه ؛ حين يُدير كلّ طرف من هذه الأطراف وجهه نحو زعامة إئتلاف دفاعي : لّن يُجدِ ؛ مع استهداف ايران قواعد أمريكيّة ، يوجب الدفاع عنها ؛ أن يتحوّل هذا الحلف إلى جندي أمريكي يقف بباب حراسة لا فائدة منها ، يتسابق أعضاؤه إلى إرضاء ترمب ، وهو ما لن يحدث

اتفاق الدول لحماية مصالحها وأذرعها في المنطقة.
مع تصوّر كهذا _ وهو يشمل التحالف البحري أيضا _ ينتهي الحلف بوصفه بنياناً في وجه تحوّل دول أعضائه إلى أدوات بيد ترمب ؛ يُلاعبها كيفما شاء ، بعد تحوّلها خصماً مباشراً لإيران ، بل يسعى هذا البنيان إلى أن لا تَستَغِلّ إيران وضعيَة التزام الدفاع هذا ؛ لجرّ الدول إلى متاهات التنازلات وليّ الأذرع ، حين توظّف اتفاق هذه الدول لحماية مصالحها وأذرعها في المنطقة .
حلف البوفية المفتوح !!
إذا ؛ حلف بلا فائدة عمليّة ، سوى خلق انطباع لدى ترمب ؛ بأنّ هناك قوّة تحول دون تسلّله بين تفاصيل الأحداث المتغيّرة ، لكنّ ترمب سيتهوّر ويدفع بمزيد من " حرق أعصاب المنطقة " بما يضمن لإيران فتح طرق أمام سيطرتها ، أوسع بكثير من مضيق هرمز ؛ ترمب سيفهم من خطوة كهذه : بأنّها دعوة هذه الدول للتفاهم معها _أي إيران _ بعيداً عن ترمب ؛ بما يُفوّت فرصة نَصرِه ، ومحاولة إبتزاز السعوديّة وتركيا ، وإفشال توظيف باكستان كوسيط يمكن التلاعب به وإحباط آثار فعله _ فيما لو تفلّت عن السيطرة _ عند هذه النقطة تبدو عورة وساطة باكستان أكثر جلاءً ، في حين تتكسّر جهود أردوغان ؛ باللعب على حبال التبديل ؛ بين إذابة نفوذ السعوديّة في لبنان ، وحصر علاقتها بإسرائيل ضمن الموافقة التركيّة ، واحتكار التفاهم مع إيران ؛ في ظلّ عداء السعودية مع الحوثي و أزمة ضربات المليشيا العراقيّة ، وخيبة أمله في القبض على الملّف الكردي في سوريا . سيمرّ هذا كلّه في مضيق مكائد ترمب و نتنياهو ، حين تُوَلَّف الأحداث على شكل تُهم .
لن يُخيف ترمب حلفاً سنيّاً ؛ لن يقدّم لأعضائه أكثر من " البوفيه المفتوح " ولا آخر إسلاميّا قد تدخل فيه إيران وغيرها ، بل ما يخشاه قدرة إيران على التلاعب بهذه الظروف ؛ فهي أكثر رحابة من مضيق هرمز .


