تتصاعد حدة التوتر السياسي في لبنان، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات التصريحات الأخيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، التي أشاد خلالها بما وصفه بإنجازات محور المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، داعيًا إلى التمسك بمبدأ «وحدة الساحات»، وهو ما أعاد فتح باب التساؤلات بشأن احتمالات انخراط لبنان مجددًا في مواجهة عسكرية إقليمية، في ظل الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وأثارت هذه التصريحات مخاوف داخل الأوساط اللبنانية من إمكانية استخدام الأراضي اللبنانية مجددًا في صراعات إقليمية لا ترتبط بالضرورة بالمصالح الوطنية للدولة، خاصة مع استمرار التوترات في المنطقة، والتحديات التي تواجهها الحكومة اللبنانية في محاولة استعادة سلطة الدولة وتعزيز سيادتها على كامل أراضيها.
تحركات لبنانية لاحتواء تداعيات تصريحات خامنئي
وفي محاولة لاحتواء المخاوف المتصاعدة، عقد الرئيس اللبناني جوزيف عون اجتماعًا مع رئيس الحكومة نواف سلام، لبحث آخر التطورات على الساحتين الداخلية والإقليمية، وتقييم التداعيات المحتملة للتصريحات الإيرانية على الوضع اللبناني.
وخلال التحركات السياسية، شدد نواف سلام على رفضه جر لبنان إلى ما وصفه بـ«مغامرة عبثية جديدة»، مؤكدًا أن البلاد لم تعد قادرة على تحمل أعباء الدخول في مواجهات عسكرية جديدة لخدمة مصالح أو حسابات خارجية.
وتعكس هذه المواقف حرص الحكومة اللبنانية على تجنب تكرار سيناريوهات المواجهات السابقة، التي تركت تداعيات كبيرة على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والإنسانية، وأثرت بصورة مباشرة على حياة المواطنين واستقرار المؤسسات.
الحكومة اللبنانية: قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها
وجددت الحكومة اللبنانية التأكيد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية، باعتباره أحد أبرز مظاهر السيادة الوطنية، مشددة على أنه لا يجوز لأي طرف فرض مصير عسكري أو سياسي على اللبنانيين دون إرادتهم.
ويأتي هذا الموقف في ظل تمسك السلطات اللبنانية بضرورة استعادة القرار الوطني المستقل، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية منصة لتصفية الحسابات الإقليمية، خاصة في ظل حساسية المرحلة الراهنة وما تشهده المنطقة من تغيرات متسارعة.
كما تسعى الدولة اللبنانية إلى تثبيت دور مؤسساتها الدستورية في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية، بما يضمن عدم اتخاذ قرارات مصيرية خارج الإطار الرسمي للدولة.
تساؤلات حول إنجازات محور المقاومة في لبنان
وأعادت تصريحات مجتبى خامنئي بشأن إنجازات محور المقاومة فتح النقاش حول طبيعة المكاسب التي حققها هذا المحور في لبنان، خصوصًا في ضوء الخسائر الكبيرة التي تعرض لها حزب الله خلال المواجهات مع إسرائيل.
وتبرز هذه التساؤلات بصورة أكبر بعد اغتيال إسرائيل الأمينين العامين السابقين لحزب الله، حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، إلى جانب عدد من كبار القيادات العسكرية والأمنية، فضلًا عن التطورات الميدانية التي شهدها جنوب لبنان.
وتضع هذه التطورات التصريحات الإيرانية أمام تساؤلات بشأن مدى انعكاس ما يوصف بالإنجازات على الواقع اللبناني، في ظل الخسائر التي لحقت بقيادات الحزب وقدراته، والتداعيات التي خلفتها المواجهات على المناطق اللبنانية.
تباين في المواقف الإيرانية بشأن تدخل حزب الله
وفي سياق متصل، سلطت التطورات الأخيرة الضوء على وجود تباين بين التصريحات الإيرانية الحالية والمواقف التي سبق أن نقلها مسؤولون إيرانيون إلى أطراف لبنانية، والتي أفادت بعدم حاجة طهران إلى تدخل حلفائها في حال اندلاع مواجهة محتملة.
وأثار هذا التباين تساؤلات بشأن حقيقة الموقف الإيراني من احتمالات مشاركة حزب الله في أي تصعيد عسكري جديد، وما إذا كانت طهران تتمسك فعليًا بإبعاد حلفائها عن المواجهات، أم أن الدعوة إلى وحدة الساحات تحمل توجهًا مختلفًا في المرحلة الحالية.
وتزداد حساسية هذه التساؤلات في ظل المخاوف اللبنانية من تحمل البلاد كلفة أي مواجهة جديدة، خاصة أن تداعيات التصعيد لن تقتصر على الجانب العسكري، بل قد تمتد إلى الاقتصاد والبنية التحتية والأوضاع المعيشية.
لبنان يتمسك بالتفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أمريكية
وعلى المسار السياسي والدبلوماسي، يواصل لبنان التمسك بخيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، في إطار ما يعرف بـ«اتفاق الإطار» الذي يجري برعاية أمريكية، باعتباره أحد المسارات المطروحة لمعالجة الملفات العالقة وخفض احتمالات التصعيد.
وتتجه الأنظار في هذا السياق إلى موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومدى استعداد الإدارة الأمريكية لممارسة ضغوط على إسرائيل من أجل تفعيل الاتفاق، ودفع الجهود الدبلوماسية نحو تحقيق تقدم يضمن احتواء التوترات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
ويعول الجانب اللبناني على الدور الأمريكي في تحريك المسار التفاوضي، بما يساهم في تجنب العودة إلى المواجهات العسكرية، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار على الحدود.
مستقبل لبنان بين وحدة الساحات واستعادة القرار السيادي
وتجد بيروت نفسها أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الصعوبة، في ظل تعارض الضغوط المرتبطة بمبدأ «وحدة الساحات» مع مساعي الدولة اللبنانية لاستعادة قرارها السيادي، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم في يد المؤسسات الرسمية.
وتشير التقديرات المطروحة في ظل التطورات الإقليمية إلى تراجع نفوذ عدد من الأذرع الإقليمية لإيران، إلى جانب التغيرات التي طرأت على موازين القوى في المنطقة، وهو ما يزيد من تعقيد حسابات المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى التحدي الأكبر أمام القيادة اللبنانية هو منع انزلاق البلاد إلى مواجهة عسكرية جديدة، والحفاظ على استقلال القرار الوطني، بالتوازي مع مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت الاستقرار وتجنب تحميل اللبنانيين أعباء صراعات إقليمية جديدة.






