وزير إسرائيلي سابق يكشف ما يصفه بمخطط لإعادة رسم سوريا.. «دولة درزية» في الجنوب
بحسب المنشور الذي أثار الجدل، توقع قرا أن يشهد ما بين أكتوبر وديسمبر تحولًا كبيرًا في جنوب سوريا، وأن تصبح السويداء مركزًا لمنطقة مستقلة.
كما توقع اعترافًا أمريكيًا وإسرائيليًا بهذا الكيان، وقدم السيناريو باعتباره تحولًا تاريخيًا يمكن أن يعيد تشكيل المنطقة سياسيًا.
ولم يقدم قرا في المنشور، بحسب النص المتداول، وثائق حكومية أو قرارات رسمية أمريكية أو إسرائيلية تثبت أن الاعتراف بكيان مستقل في السويداء أصبح سياسة معتمدة بالفعل.
وهنا يصبح الأدق صحفيًا وصف تصريحاته بأنها كشف عن تصور أو سيناريو سياسي يتبناه قرا ويقول إنه قادم، لا باعتبارها دليلًا نهائيًا على قرار حكومي إسرائيلي مكتمل.
هل تتوافق تصريحات قرا مع السياسة الإسرائيلية في جنوب سوريا؟
رغم غياب دليل معلن على خطة رسمية لإقامة «دولة درزية»، فإن بعض عناصر حديث قرا تأتي في سياق سياسة إسرائيلية قائمة بالفعل تجاه جنوب سوريا.
ففي فبراير 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض وجود قوات الحكومة السورية أو قوات مرتبطة بهيئة تحرير الشام جنوب دمشق، وطالب بأن تبقى محافظات درعا والسويداء والقنيطرة منزوعة السلاح. كما كررت إسرائيل لاحقًا هذا الموقف خلال مواجهات السويداء.
وفي يوليو 2025، نفذت إسرائيل غارات واسعة على مواقع عسكرية سورية في الجنوب ودمشق، وقالت إن الهدف هو حماية الدروز ومنع نشر قوات عسكرية سورية في السويداء.
هذا لا يثبت خطة تقسيم رسمية
هذه الوقائع تؤكد أن إسرائيل تسعى إلى فرض ترتيبات أمنية خاصة في جنوب سوريا وإضعاف وجود القوات المركزية قرب حدودها.
لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار رسمي إسرائيلي بإنشاء دولة مستقلة في السويداء.
بل إن دراسات متابعة للسياسة الإسرائيلية في تلك المرحلة أشارت إلى أن تل أبيب لم تعلن بصورة واضحة الشكل السياسي النهائي الذي تريده للجنوب السوري، رغم إصرارها على نزع السلاح وحماية الدروز.

«سوفا 53» يعود إلى الواجهة
تزامنت تصريحات قرا مع عودة الحديث عن المشروع المعروف إعلاميًا باسم «سوفا 53» في ريف القنيطرة.
وتحدثت تقارير سورية في 4 أكتوبر 2026 عن استئناف عمليات تجريف وحفر إسرائيلية في المنطقة، ضمن مسار بدأ العمل عليه منذ 2022 بمحاذاة منطقة الفصل في القنيطرة.
وتشير مراجعة نشرتها شبكة «شام» إلى أن اسم «سوفا 53» متداول محليًا وإعلاميًا، لكنه لا يظهر في المواد الرسمية الإسرائيلية المتاحة باعتباره اسمًا معلنًا رسميًا للمشروع، مع وجود كتيبة مدرعة إسرائيلية تحمل الاسم نفسه وشاركت في شق محاور بالمنطقة.
وهذه الملاحظة مهمة لأن بعض الروايات المتداولة تتعامل مع «سوفا 53» وكأنه اسم رسمي لخطة إسرائيلية كبرى، بينما المعلومات المتاحة أكثر تعقيدًا.
هل يمتد المشروع من القنيطرة إلى السويداء؟
تربط تقارير إعلامية بين التحركات الإسرائيلية في القنيطرة ورغبة تل أبيب في الحفاظ على ممرات نفوذ وحركة في الجنوب السوري.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن السيطرة العسكرية أو الهندسية على محاور ممتدة من منطقة الجولان باتجاه الداخل السوري يمكن أن تمنح إسرائيل قدرة أكبر على التأثير في مناطق درعا والقنيطرة والسويداء.
لكن الحديث عن ممر عسكري مكتمل إلى السويداء بهدف إنشاء دولة منفصلة لا يزال بحاجة إلى أدلة رسمية أو مستقلة أكثر وضوحًا.
الواقع الميداني يجعل الفكرة أكثر حساسية
لا تأتي هذه التصورات من فراغ كامل.
فمعظم محافظة السويداء ظلت خلال مراحل طويلة خارج السيطرة المباشرة للحكومة المركزية بعد أحداث يوليو 2025، وظهرت فيها إدارات وقوى محلية تتولى جوانب من الأمن والحكم.
وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن أجزاء كبيرة من السويداء ظلت خارج سلطة الحكومة الانتقالية، وأن جماعات محلية تبنت أشكالًا من الإدارة الذاتية، مع تقارير عن دعم إسرائيلي لبعض الفاعلين المحليين.
وهذا الواقع يجعل أي حديث عن استقلال أو حكم ذاتي أكثر قابلية للتداول سياسيًا، حتى وإن لم يتحول إلى اعتراف دولي.
قرا سبق أن تبنى انفصال السويداء
وليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها أيوب قرا فكرة انفصال السويداء عن سوريا.
ففي سبتمبر 2025، تحدث قرا علنًا عن استقلال السويداء في سياق فعاليات سياسية مرتبطة بالدروز، وظهرت لاحقًا كيانات محلية غير معترف بها في المحافظة.
وبالتالي فإن منشوره الجديد ليس موقفًا طارئًا، بل يأتي امتدادًا لمواقف سبق أن تبناها شخصيًا بشأن إقامة كيان درزي مستقل أو واسع الحكم الذاتي في جنوب سوريا.
ماذا عن «الباشان»؟
ظهر خلال الفترة الماضية تعبير «باشان» أو «جبل الباشان» في نشاطات مرتبطة بعدد من الشخصيات والتيارات الداعية إلى تقرير المصير في السويداء.
وتحدثت تقارير عن مشاركة قرا في أنشطة سياسية مرتبطة بهذا المشروع، كما أبدى تأييده لتحركات تصف السويداء باعتبارها منطقة لها حق في تقرير مصيرها.
وهذا يعطي تصريحاته الجديدة خلفية سياسية واضحة: فهو لا يقدم تحليلًا محايدًا للمشهد السوري، وإنما يتبنى منذ فترة رؤية سياسية معينة لمستقبل السويداء.
الأكراد والعلويون.. هل يريد قرا تعميم النموذج؟
المثير في أحدث تصريحاته أنه لم يتوقف عند الدروز.
فبحسب المنشور، يرى قرا أن إنشاء كيان مستقل في الجنوب يمكن أن يفتح الباب أمام نموذج مشابه للأكراد والعلويين، وربما أقليات أخرى في الشرق الأوسط.
هذا الطرح، في حال تطبيقه، يعني عمليًا الانتقال من دولة سورية مركزية موحدة إلى خريطة من الكيانات ذات الأساس القومي أو الطائفي أو الإقليمي.
لكن هذه الفكرة لا تمثل موقفًا سوريًا عامًا، كما أنها تواجه رفضًا من دمشق ودول إقليمية عديدة تتمسك بوحدة الأراضي السورية.
إسرائيل وحماية الدروز.. أمن أم مشروع سياسي؟
تل أبيب تقدم تدخلاتها في السويداء أساسًا تحت عنوان «حماية الدروز».
وخلال أحداث يوليو 2025، استخدمت إسرائيل هذا التبرير عند تنفيذ غارات ضد القوات السورية التي دخلت المحافظة، فيما طالبت بانسحابها من الجنوب.
لكن منتقدي السياسة الإسرائيلية يرون أن المسألة تتجاوز حماية جماعة محلية إلى إنشاء منطقة نفوذ تحول دون تمركز دولة سورية قوية على حدود إسرائيل.
وبالفعل، أعلنت القيادة الإسرائيلية صراحة أنها تريد جنوب سوريا منزوع السلاح وأنها مستعدة لاستخدام القوة لمنع وجود قوات دمشق هناك.
وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة حول ما إذا كانت الحماية الأمنية مرحلة أولى فقط أم هدفًا نهائيًا بحد ذاته.
ماذا تكشف تصريحات قرا فعلًا؟
لا تكشف تصريحات أيوب قرا بالضرورة عن «وثيقة سرية» صادرة عن حكومة نتنياهو.
لكنها تكشف شيئًا آخر مهمًا: وجود تيار سياسي إسرائيلي يرى أن تفكيك المركزية السورية وصعود كيانات محلية في الجنوب يخدم المصالح الإسرائيلية.
وهذا التيار يستطيع الاستناد إلى ثلاثة تطورات حدثت فعليًا:
أولًا، إصرار إسرائيل على إبعاد الجيش السوري عن الجنوب.
ثانيًا، التدخل العسكري الإسرائيلي في السويداء تحت عنوان حماية الدروز.
وثالثًا، صعود سلطات محلية في السويداء وضعف قدرة دمشق على فرض سيطرتها الكاملة عليها.
عندما توضع هذه العناصر إلى جانب تصريحات قرا، تصبح فكرة «المنطقة الدرزية المستقلة» أكثر من مجرد خيال سياسي بالنسبة إلى بعض الأطراف، لكنها تظل حتى الآن تصورًا وليس واقعًا معترفًا به دوليًا.
لماذا يمثل الجنوب السوري أهمية استراتيجية لإسرائيل؟
تقع القنيطرة ودرعا والسويداء ضمن مجال جغرافي بالغ الحساسية بالنسبة لإسرائيل.
فالمنطقة قريبة من الجولان المحتل والحدود الأردنية، كما أن السيطرة السياسية والأمنية على الجنوب تحدد نوع القوات التي يمكن أن تصل إلى الحدود الإسرائيلية.
ولهذا تبنت تل أبيب منذ سقوط نظام الأسد سياسة تمنع انتشار قوات سورية ثقيلة جنوب دمشق، وتطالب بإنشاء بيئة منزوعة السلاح.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن وجود قوى محلية منفصلة عن دمشق قد يوفر منطقة عازلة أكثر ضمانًا من وجود جيش مركزي قوي.
لكن بالنسبة إلى دمشق، فإن المنطق نفسه يعني تفكيك السيادة السورية وإضعاف سلطة الدولة.
هل هناك اعتراف أمريكي قريب بـ«دولة درزية»؟
قرا يتوقع ذلك، لكن لا توجد في المصادر التي راجعتها إشارة رسمية أمريكية تؤكد أن واشنطن قررت الاعتراف بدولة درزية مستقلة في السويداء.
بل شاركت الولايات المتحدة في 2025 في وساطات لوقف القتال في السويداء، ودعمت اتفاقات لوقف إطلاق النار بين الأطراف، وهو مسار يختلف عن الاعتراف بدولة جديدة.
لذلك فإن الحديث عن اعتراف أمريكي يجب أن ينسب بوضوح إلى توقع أيوب قرا وليس إلى موقف معلن من البيت الأبيض.

من السويداء إلى إعادة رسم سوريا؟
تبقى أخطر نقطة في تصريحات قرا هي حديثه عن نموذج يمكن أن ينتقل إلى الأكراد والعلويين.
فإذا تحولت سوريا إلى مناطق منفصلة وفق هويات دينية وقومية، لن يكون التغيير محصورًا داخل حدودها، بل ستكون له انعكاسات على تركيا والعراق ولبنان والأردن وإسرائيل.
ولهذا فإن فكرة إعادة تشكيل سوريا على أساس مكونات منفصلة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد شأن محلي.
المخطط المعلن أم رؤية شخصية؟
يمكن تلخيص الصورة في مستويين.
هناك سياسة إسرائيلية مثبتة تقوم على فرض نزع السلاح في الجنوب، منع انتشار القوات السورية قرب الجولان، والتدخل عسكريًا عندما ترى إسرائيل أن الدروز مهددون.
وفي المقابل، هناك تصور يطرحه أيوب قرا يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير: استقلال السويداء، اعتراف أمريكي إسرائيلي، ثم فتح الباب لكيانات كردية وعلوية.
الجزء الأول معلن ومثبت في مواقف القيادة الإسرائيلية وتحركاتها العسكرية
أما الجزء الثاني، فلا يوجد حتى الآن ما يثبت أنه تحول إلى خطة حكومية إسرائيلية رسمية معلنة.
لكن مجرد صدوره عن وزير سابق من الليكود شارك في ملفات مرتبطة بالدروز ويواصل نشاطه السياسي في هذا المجال يجعله مؤشرًا يستحق المتابعة، خصوصًا في ظل التغير الكبير الذي يشهده جنوب سوريا.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة هو: هل تبقى رؤية قرا مجرد طموح سياسي شخصي، أم تتحول تدريجيًا إلى جزء من سياسة أوسع لإعادة تشكيل جنوب سوريا؟
شاهد الفيديو من الرابط بالأسفل
https://x.com/ayoobkara/status/2106666138373398940?s=20


