الصين ترفض ضغوط واشنطن على إيران.. تعاون بكين وطهران مستمر رغم العقوبات الأمريكية
أكدت الصين تمسكها بمصالحها وعلاقاتها المشروعة مع إيران، في رد واضح على تصعيد الولايات المتحدة للعقوبات الاقتصادية والتهديد بفرض عقوبات ثانوية على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران، ما يضع العلاقات الصينية الإيرانية في قلب جولة جديدة من التوتر بين بكين وواشنطن.
وجاء الموقف الصيني بعدما هددت الإدارة الأمريكية باتخاذ إجراءات ضد الجهات التي تستمر في مساعدة الاقتصاد الإيراني، في وقت تمثل فيه الصين أحد أهم الشركاء التجاريين لإيران وأكبر المشترين للنفط الإيراني خلال السنوات الأخيرة.
وفي المؤتمر الصحفي الرسمي لوزارة الخارجية الصينية يوم 24 أغسطس 2026، سُئل المتحدث باسم الوزارة لين جيان بشكل مباشر عن احتمال فرض واشنطن عقوبات ثانوية على الدول التي تتاجر مع إيران، وما إذا كانت الصين ستغير موقفها باعتبارها مشتريًا رئيسيًا للنفط الإيراني.
الصين ترد على تهديدات العقوبات الأمريكية ضد إيران
قال المتحدث باسم الخارجية الصينية إن العقوبات والضغط لا يساعدان على حل المشكلات، وإنما يؤديان إلى زيادة التوتر وتصعيد الأوضاع.
ودعت بكين الأطراف إلى تجنب الإجراءات التي قد تؤدي إلى زيادة حدة الصراع أو الإضرار بالاقتصاد العالمي والاستقرار المالي، مؤكدة أنها ستتابع التطورات وتتخذ ما يلزم من إجراءات لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة.
ويمثل هذا الموقف رفضًا صينيًا واضحًا لمحاولات إجبار بكين على الانضمام إلى حملة العزل الاقتصادي التي تقودها واشنطن ضد طهران.
هل توقف الصين تعاونها مع إيران؟
لا توجد في التصريحات الرسمية الصينية إشارة إلى اعتزام بكين قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران.
وتؤكد الصين منذ سنوات رفضها للعقوبات الأحادية التي لا تستند إلى قرارات صادرة عن مجلس الأمن، كما تتمسك بحق الدول في إقامة علاقات اقتصادية وتجارية مشروعة وفق القانون الدولي. وقد أكدت تقارير صينية حديثة أن بكين تعتبر تعاونها الاقتصادي والطاقة مع إيران مشروعًا ولا يتعارض مع الإطار القانوني الدولي.
وبالتالي، فإن الرسالة الصينية إلى واشنطن تبدو واضحة: بكين لن تتخلى تلقائيًا عن تعاملاتها مع طهران لمجرد فرض الولايات المتحدة عقوبات أحادية جديدة.

واشنطن توسع العقوبات على إيران
وجاء الرد الصيني بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة في 24 أغسطس 2026 جولة جديدة وواسعة من العقوبات على إيران، تستهدف زيادة عزلة الاقتصاد الإيراني والضغط على الجهات التي تساعد طهران في التجارة والتمويل.
وشملت الإجراءات الأمريكية نحو 60 فردًا وكيانًا وسفينة مرتبطة بإيران، إلى جانب توسيع نطاق العقوبات ليشمل خمسة قطاعات رئيسية هي الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.
عقوبات ثانوية تهدد الدول المتعاملة مع إيران
الخطر الأكبر بالنسبة للصين لا يتعلق فقط بالعقوبات المفروضة مباشرة على المؤسسات الإيرانية، وإنما بما يعرف باسم العقوبات الثانوية الأمريكية.
وتسمح هذه السياسة لواشنطن بفرض قيود على شركات أو بنوك في دول أخرى إذا اعتبرت أنها تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات أو استمرار تجارتها الخارجية.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن المؤسسات التي تساعد على تحويل عائدات النفط الإيراني أو تسهيل معاملاته المالية يمكن أن تصبح هدفًا للإجراءات الأمريكية، مع الإشارة بشكل خاص إلى أهمية الصين باعتبارها أحد أكبر المشترين للطاقة الإيرانية.
الصين في قلب معركة العقوبات على إيران
تكتسب الصين أهمية خاصة في الحسابات الأمريكية بسبب حجم العلاقات الاقتصادية بينها وبين إيران.
وبحسب بيانات شركة Kpler التي استندت إليها رويترز، استحوذت الصين على أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون خلال عام 2025، وهو ما يجعل موقف بكين عاملًا رئيسيًا في تحديد مدى قدرة العقوبات الأمريكية الجديدة على خنق صادرات إيران.
وإذا استمرت الصين في شراء النفط الإيراني والحفاظ على العلاقات التجارية مع طهران، فقد تجد واشنطن صعوبة أكبر في تحقيق هدف العزل الاقتصادي الكامل لإيران.
هل تتحول إيران إلى أزمة جديدة بين الصين وأمريكا؟
يمكن أن تصبح العقوبات الأمريكية على إيران نقطة خلاف إضافية في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، خصوصًا إذا قررت واشنطن استهداف بنوك أو شركات صينية كبيرة بعقوبات ثانوية.
لكن الإدارة الأمريكية تواجه بدورها حسابات معقدة، إذ إن اتخاذ إجراءات واسعة ضد مؤسسات مالية صينية قد يؤدي إلى توترات أكبر بين أكبر اقتصادين في العالم، في وقت تحاول فيه واشنطن وبكين إدارة ملفات تجارية واقتصادية حساسة.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن واشنطن لم تستخدم حتى الآن أقصى أدواتها ضد المؤسسات المالية الصينية المرتبطة بالتجارة الإيرانية، رغم تحذيرها من أن أي جهة تسهل تحويل عائدات النفط الإيراني يمكن أن تتعرض للعقوبات.
بكين تتمسك بالحل السياسي
وبجانب رفض العقوبات، تتمسك الصين بموقفها الداعي إلى العودة للمفاوضات.
وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية إن بكين تدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار والتفاوض والحل السياسي، محذرة من إجراءات قد تزيد التوتر وتؤثر على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي.
وبذلك تحاول الصين تقديم موقف مزدوج يقوم على رفض الضغوط الاقتصادية الأمريكية من جهة، والدعوة إلى تسوية سياسية للأزمة الإيرانية من جهة أخرى.
إيران ترفض العقوبات الأمريكية الجديدة
من جانبها، اعتبرت إيران أن العقوبات الأمريكية الجديدة تمثل امتدادًا لسياسة الضغط الاقتصادي التي تتبعها واشنطن ضدها.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن العقوبات الثانوية الأمريكية لا تستند، من وجهة نظر طهران، إلى أساس في القانون الدولي، مؤكدًا أن الحكومة الإيرانية تستعد لمواجهة الضغوط الاقتصادية الجديدة.
ماذا يعني الموقف الصيني لإيران؟
يمثل استمرار العلاقات الصينية الإيرانية عنصرًا بالغ الأهمية لطهران، خصوصًا في قطاع النفط والتجارة الخارجية.
فكلما حافظت بكين على قنواتها التجارية مع إيران، تقل قدرة الولايات المتحدة على تحقيق عزلة اقتصادية كاملة لطهران، بينما ستكون الخطوة الحاسمة هي مدى استعداد واشنطن للمضي قدمًا وفرض عقوبات مباشرة على المؤسسات الصينية الكبرى.
لذلك قد لا يكون الصراع المقبل حول العقوبات بين واشنطن وطهران فقط، بل قد يمتد إلى اختبار جديد للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين إذا حاولت الإدارة الأمريكية إجبار بكين على الاختيار بين استمرار تجارتها مع إيران والحفاظ على وصول مؤسساتها إلى النظام المالي الأمريكي.


