الثلاثاء، ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ ص

ما بين العاطفة والحنان والفضفضة.. هل نصنع إعلامًا حقيقيًا؟

صحافة المشاعر الجياشة أم إعلام يواجه التحديات؟ أزمة المهنة تحتاج إلى أكثر من الفضفضة

تعيش الصحافة والإعلام في مصر مرحلة شديدة الحساسية، وربما يكون وصفها بالأزمة وصف غير مبالغ فية   خاصة عندما ننظر إلى حال الصحفي وهو اساس العمب الصحفي  الذي أصبح مطالبًا بأن يحمل على كتفيه مسؤولية الدفاع عن الحقيقة والوطن والمجتمع، بينما قد لا يحصل في نهاية الشهر على أجر يكفيه لحياة كريمة.

المشكلة لم تعد في بند واحد يمكن  السيطرة علية واتخاذ مايلزم  لإصلاحة بقرار أو زيادة مالية وإنما أصبحت شبكة متداخلة ومتنوعة من  من الأزمات: أجور متدنية، فرص عمل محدودة، كيانات غير رسمية تتاجر بأحلام الشباب، صعوبة الالتحاق بنقابة الصحفيين، ثم حديث متزايد عن «العواطف» و«الفضفضة» في وقت تحتاج فيه المهنة إلى قرارات حقيقية.

وهنا يصبح السؤال واجبًا: هل نحن بصدد إعادة بناء إعلام قوي، أم أننا ندخل عصر صحافة المشاعر الجياشة بالطريقة التي نراها وتطرح الان علي المجتمع الصحفي ولإعلامي؟

صحفيون يعملون وأجور لا تكفي الحياة

ربما تكون البداية الحقيقية لأي نقاش عن إصلاح الصحافة هي الصحفي نفسه فهو محور واساس العمل .

كيف نطالب الصحفي بأن يكون مستقلًا وقويًا وقادرًا على مواجهة الضغوط، بينما يعيش تحت ضغط اقتصادي يومي؟

وكيف نتحدث عن مهنية وجودة وإبداع، بينما يحصل بعض العاملين في المؤسسات الصحفية على أجور لا تتناسب مع أبسط تكاليف الحياة اليومية؟

إن الأوضاع الاقتصادية للصحفيين لم تعد ملفًا فرعيًا يمكن تأجيله، وإنما أصبحت قضية تمس مستقبل المهنة ذاتها.

فالصحفي الذي يشعر أنه مهدد في رزقه، أو لا يعرف كيف يسدد التزاماته الشهرية، لن تكون لديه البيئة المثالية التي تسمح له بالإبداع أو التحقيق أو البحث أو المقاومة المهنية أمام الضغوط.

الصحافة لا تعيش بالشعارات

كثيرًا ما نسمع كلمات كبيرة عن دور الصحافة في حماية الوطن وصناعة الوعي ومواجهة الشائعات وهو دور وطني منوط بها ..لكن الصحافة لا يمكن أن تعيش بالشعارات وحدها.

من يريد صحافة قوية عليه أولًا أن يوفر للصحفي أجرًا عادلًا، وبيئة عمل محترمة، وحماية مهنية، وحقًا حقيقيًا في الحصول على المعلومات بما كفلة الدستور.

كيانات تتاجر بحلم الشباب في الصحافة

إلى جوار الأزمة الاقتصادية، ظهرت خلال السنوات الماضية كيانات ومؤسسات غير رسمية تستغل حلم الشباب في دخول عالم الصحافة والإعلام وتحولت الي سبوبة للنصب علي الشياب.

تجد أسماء ضخمة، وشهادات براقة، ووعودًا بالتدريب والتأهيل والعمل، ثم يدفع الشاب أموالًا مرة بعد أخرى أملاً في الحصول على فرصة ربما لا تأتي أبدًا.

وتحت مسميات مثل «التأهيل الإعلامي» و«التدريب الصحفي» و«إعداد المراسل المحترف» يتحول حلم شاب في ممارسة المهنة إلى سوق مفتوحة لمن يعرف كيف يبيع الوهم. لشباب حالمين بالعمل الصحفي 

من يحمي الحالمين بالعمل الصحفي؟

هنا يأتي دور الدولة ونقابة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية الحقيقية ولا احد ينكر محاولات نقابة الصحفيين التصدي لمثل هذة الكيانات التي تحتاج الي تعاون حقيقي من جانب أحهزة الدولة في لبتصدي لمثل هذة الجرائم.

لا يكفي القول إن تلك الكيانات ليست تابعة للنقابة، بل يجب توعية الشباب بوضوح بما هو معتمد وما هو غير معتمد، وما الذي يؤهل بالفعل للعمل في الصحافة، وما الذي لا يمنح صاحبه أي صفة مهنية وان لاتسمح الحهات المختصة في الدولة المصرية بوجود مثل هذة الكيانات وتقديم المسئولين عنها الي المحاكمات.

فالحالم بالصحافة ليس مذنبًا لأنه صدق إعلانًا جذابًا، وإنما يحتاج إلى مؤسسة تحميه من أن يصبح حلمه بابًا لاستنزاف أمواله.

أزمة أخرى.. من يعمل بالصحافة ومن يدخل النقابة؟

على الجانب الآخر، هناك صحفيون يمارسون العمل الصحفي بالفعل ويواجه بعضهم صعوبة في الوصول إلى عضوية نقابة الصحفيين لأسباب تتعلق بطبيعة المؤسسات وشروط القيد وأوضاع سوق العمل واحيانا التعنت.

وهذا تناقض يستحق التوقف أمامه...فهل الهدف هو حماية المهنة وتنظيمها، أم أن صعوبة الدخول إليها أصبحت في بعض الأحيان جزءًا من الأزمة؟

يحتاج ملف القيد بالنقابة إلى نقاش هادئ وشجاع؛ يحافظ على قيمة عضوية النقابة، لكنه في الوقت نفسه لا يغلق الباب أمام صحفي حقيقي مؤهل لمجرد أنه يعمل في ظروف فرضتها تحولات السوق.

شريف عامر و«الرغبة العاطفية» في عضوية نقابة الصحفيين

ثم جاء الجدل الذي أثاره ما تم تداوله بشأن تقدم الإعلامي المعروف شريف عامر لعضوية نقابة الصحفيين.

وشريف عامر إعلامي معروف بالرصانة والحضور المهني، ولا يدور النقاش هنا حول قيمته الإعلامية أو خبرته، وإنما حول المعايير.

فبحسب ما أثير حول الواقعة، كانت هناك رغبة منة  في الالتحاق بجدول الانتساب، ثم دار نقاش مع أحد أعضاء المجلس  حول إمكانية العضوية العادية، كما ظهرت تفسيرات تتحدث عن وجود رغبة عاطفية لديه في الانضمام إلى النقابة.

وهنا توقفت أمام الكلمة.

منذ متى أصبحت «الرغبة العاطفية» معيارًا مهنيًا؟

لا أعرف، وربما لا يعرف كثيرون، ما هي مقاييس «الرغبة العاطفية» في الحصول على عضوية كيان مهني بحجم نقابة الصحفيين.

هل هناك بند في اللوائح يقيس مقدار الحب والعاطفة ؟

أم اختبار  سبتم في قوة الحنان؟

أم أن القلب أصبح إحدى المستندات المطلوبة مع شهادة المؤهل وفيش الحالة الجنائية وأرشيف العمل الصحفي؟

الأمر بالطبع لا يتعلق بشريف عامر كشخص، فهو صاحب تجربة إعلامية محترمة، وإنما بالسؤال الذي تفرضه الواقعة على الجميع:

هل العضوية المهنية حق تحدده قواعد واحدة للجميع، أم يمكن أن تدخل المشاعر في تفسير استحقاقها؟

ماذا نقول إذن للصحفي المنتظر على الباب؟

وهنا تظهر المفارقة.

ماذا نقول لشاب يعمل في الصحافة منذ سنوات، ويكتب الأخبار ويجري التحقيقات ويتحمل ضغوط المهنة، لكنه لا يزال يقف خارج النقابة لأنه لم يتمكن من استيفاء بعض الشروط المرتبطة بالمؤسسة التي يعمل بها؟

هل نقول له: انتظر؟

وماذا لو كانت لديه هو الآخر «رغبة عاطفية» جارفة في العضوية؟

هذه الأسئلة ليست سخرية من أحد، وإنما محاولة لإعادة النقاش إلى نقطة بسيطة جدًا: القواعد المهنية يجب أن تكون واضحة ومتساوية وقابلة للتفسير دون الحاجة إلى العاطفة.

ثم جاءت «الفضفضة» في الإعلام

وفي الوقت نفسه، طرح وزير الدولة للإعلام فكرة «الفضفضة» والاستماع إلى أبناء الصحافة والإعلام لمناقشة أزمات المهنة.

والاستماع مطلوب، والحوار مطلوب، بل ربما تأخر سنوات طويلة.

لكن الكلمة نفسها تدفعنا إلى ابتسامة ممزوجة بالقلق.

فبين الرغبة العاطفية والحنان والفضفضة، هل أصبحنا أمام منظومة إعلامية تعالج مشكلاتها بالمشاعر؟

الصحفي يحتاج بالفعل إلى أن يتحدث، لكن الأهم أن يجد من يسمعه ثم يفعل شيئًا مما سمعه.

الفضفضة جميلة.. ولكن ماذا بعدها؟

يمكن أن نجلس ساعات نتحدث عن تدني الأجور.

ونفضفض عن صعوبة الحصول على المعلومات.

ونحكي عن الشباب الذين لا يجدون فرصة للعمل.

ونتحدث عن المؤسسات التي تتراجع، والصحف التي فقدت جزءًا من تأثيرها، ومواقع التواصل التي سبقت الإعلام التقليدي إلى الجمهور.

لكن ماذا بعد؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

ما القرارات؟ وما الجدول الزمني؟ ومن المسؤول؟ وكيف نقيس النجاح أو الفشل؟

بدون ذلك تتحول الفضفضة من وسيلة للوصول إلى الحل إلى مجرد جلسة طويلة نخرج منها أخف قليلًا في المشاعر، لكن الأزمة تظل جالسة في مكانها.

مواقع التواصل سبقتنا لأن المعلومة تصل إليها أولًا

الإعلام المصري لا ينافس اليوم صحيفة أخرى أو قناة أخرى فقط.

المنافس الأكبر أصبح الهاتف الموجود في يد كل مواطن.

خبر يحدث في شارع ما، وبعد دقائق تكون الصور والفيديوهات منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما قد ينتظر الصحفي ساعات حتى يحصل على معلومة رسمية.

وهنا تقع الكارثة.

الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا.

إذا غابت المعلومة الصحيحة، سيملأ مكانها خبر غير موثق أو إشاعة أو تحليل مجهول المصدر.

كيف نواجه إعلام السوشيال ميديا دون معلومات؟

لا يمكن أن تطلب من الصحفي مواجهة الشائعة وأنت لا تمنحه حقة في  المعلومة.

ولا تستطيع أن تطالبه بالدقة بينما الأبواب الرسمية مغلقة أمام  مجرد السؤال.

ولا يمكن للإعلام المهني أن ينتصر على صفحات التواصل الاجتماعي إذا كان صاحب الصفحة يستطيع نشر المعلومة خلال دقيقة، بينما الصحفي ينتظر ساعات وربما أيامًا للحصول على رد رسمي.

ولهذا فإن سهولة الحصول على المعلومات الصحيحة ليست رفاهية للصحافة، بل ضرورة للأمن الإعلامي للدولة نفسها.

الإعلام القوي ظهير للدولة وليس عدوًا لها

الدولة التي تواجه تحديات سياسية واقتصادية وإقليمية تحتاج إلى إعلام قوي.

لكن الإعلام القوي لا يعني الإعلام الذي يصفق دائمًا.

القوة الحقيقية تأتي من المصداقية.

والمواطن عندما يثق في صحافته وإعلامه سيعود إليهما عند الأزمات بدلًا من البحث عن الحقيقة لدى حساب مجهول على منصة اجتماعية او وسيلة اخري لها اهدافها

وهنا يصبح الإعلام المهني ظهيرًا حقيقيًا للدولة، لأنه يمتلك رصيدًا من الثقة لدى الجمهور.

الإصلاح لا يحتاج إلى مشاعر بقدر ما يحتاج إلى قواعد

انا شخصيل لست  ضد العاطفة.ولست ضد الفضفضة.

وأظن أن كل من يعمل في الصحافة يحتاج أحيانًا إلى الاثنين معًا.

لكن المهنة لا يمكن أن تدار بهما.

نحتاج إلى أجور عادلة، وقواعد قيد واضحة، وحماية من الكيانات الوهمية، وحرية مسؤولة، ومعلومات متاحة، ومؤسسات قادرة على المنافسة، ومساءلة حقيقية عند الخطأ.

هذه هي الأدوات التي تصنع صحافة.

أما العواطف وحدها فتصنع حديثًا لطيفًا، لكنها لا تصنع غرفة أخبار.

ما بين العاطفة والحنان والفضفضة

ربما كان أجمل ما في اللغة المصرية أنها تعرف المكان المناسب لكل شيء.

العاطفة مكانها القلب.

والحنان مكانه البيت.

والفضفضة لها أصدقاؤها ومقاهيها.

أما صالة تحرير الأخبار فلها شيء آخر تمامًا: معلومة، ومصدر، وصحفي محترف، ورئيس تحرير يعرف قيمة الخبر، ومؤسسة تحمي أبناءها، ودولة تدرك أن حرية الصحافة ليست عبئًا عليها بل قوة لها.

وإذا أردنا أن نستعيد صحافة وإعلامًا يليقان بمصر، فعلينا أن نخرج من قاموس المشاعر إلى قاموس القرارات.

لأن العواطف والفضفضة ربما يكون مكانهما «كازينو عش البلل». او كازينو الشجرة . أما غرف الأخبار فمكانها الحقيقة والمهنية والمعلومة.

وللحديث بقية

 

الكلمات المفتاحية:
الصحافة المصرية الإعلام المصري أزمة الصحافة المصرية أزمة الإعلام في مصر أجور الصحفيين رواتب الصحفيين في مصر نقابة الصحفيين عضوية نقابة الصحفيين شروط عضوية نقابة الصحفيين القيد بنقابة الصحفيين جدول الانتساب نقابة الصحفيين شريف عامر شريف عامر نقابة الصحفيين عضوية شريف عامر بنقابة الصحفيين شريف عامر والعضوية العاطفية الرغبة العاطفية في عضوية نقابة الصحفيين وزير الدولة للإعلام فضفضة الإعلام فضفضة الصحفيين إصلاح الإعلام المصري إصلاح الصحافة المصرية مستقبل الصحافة في مصر مستقبل الإعلام في مصر حرية الصحافة حرية الإعلام حرية تداول المعلومات الحصول على المعلومات قانون تداول المعلومات الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي السوشيال ميديا والإعلام مصداقية الإعلام المصري الإعلام ومواجهة الشائعات الإعلام والأمن القومي إعلام قوي للدولة الصحافة والدولة الكيانات الموازية لنقابة الصحفيين كيانات التدريب الصحفي النصب باسم الصحافة التدريب الصحفي في مصر الشباب والعمل بالصحافة حماية الصحفيين أوضاع الصحفيين الاقتصادية الصحفيون الشباب العمل الصحفي في مصر قواعد القيد بنقابة الصحفيين أزمة عضوية النقابة صحافة المشاعر الجياشة العاطفة والحنان والفضفضة صالات تحرير الأخبار أزمة المعلومات في مصر الإعلام المهني الصحافة المهنية مستقبل نقابة الصحفيين تطوير الإعلام المصري
عاجل
تطورات نارية في حب على ورق الحلقة 53: جولي تتحالف مع سليمان ضد أوس * بعد تهديدات بارون ترامب.. نتنياهو يعلن: إيران حاولت اغتيال ابني * صور بطاقات أولياء الأمور تحولت إلى 839 عقد تمويل.. من يحاسب شركة القروض؟ * قروض دون علم أصحابها بـ321 مليون جنيه.. ماذا كشفت تحقيقات قضية مدرسة التجمع؟ * سعيد محمد أحمد  يكتب : ضياء رشوان"فضفضة" في الإعلام .. و ضرورة وواجبات الدولة * بث مباشر مباراة نيوم والقادسية اليوم.. الموعد والقناة الناقلة والتشكيل المتوقع * بث مباشر مباراة الاتحاد والحزم اليوم.. الموعد والقناة الناقلة والتشكيل المتوقع * بث مباشر مباراة فولهام وتشيلسي اليوم.. الموعد والقناة الناقلة والتشكيل المتوقع * الداخلية تكشف تفاصيل القبض على إسماعيل دولار ورجاله في المقطم بسبب أزمة كافيهات * مباريات اليوم 24 أغسطس 2026.. الدوري الإنجليزي والسعودي والإسباني والإيطالي * تحديث سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري اليوم في البنوك الحكومية والخاصة * أسعار الذهب اليوم الاثنين 24 أغسطس 2026.. عيار 21 عند 6600 جنيه * ليلة القبض على «أفندينا».. كواليس سقوط إسماعيل دولار في يد الأمن بالمقطم * د . راشد الشاشاني يكتب : باب المندب مشكلة أوروعبيّة * بث مباشر الجونة ومودرن سبورت اليوم.. الموعد والقناة الناقلة وتاريخ المواجهات * فروسينوني ضد يوفنتوس بث مباشر.. الموعد والتشكيل المتوقع *