حقيقة أنباء هجوم فانو وتيغراي على أديس أبابا
تصاعدت الخلافات في أثيوبيا خلال الساعات الأخيرة لتدخل مرحلة جديدة من الحرب، وسط تداول أنباء عن تنسيق بين قوات تيغراي وبعض فصائل فانو الأمهرية لشن هجوم على حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، بالتزامن مع استخدام طائرات مسيّرة.
وتوكد المعلموات أ،هناك بالفعل تقارب وتحالف عملياتي غير مسبوق بين بعض فصائل فانو وقوات تيغراي، وهناك قتال متجدد بين قوات تيغراي والجيش الفيدرالي، كما أن المسيّرات باتت تستخدم بصورة متزايدة في الصراع.
لكن لا توجد حتى الآن تقارير موثوقة تؤكد أن قوات فانو وتيغراي شنت هجومًا بالمسيّرات على العاصمة أديس أبابا نفسها.
أما التطور المؤكد اليوم، فهو وقوع ضربتي طائرات مسيّرة في مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، وسقوط مصابين بينهم أطفال.
ضربات بالمسيّرات داخل ميكيلي و13 مصابًا
شهدت ميكيلي يوم الخميس 20 أغسطس تصعيدًا خطيرًا بعدما أُبلغ عن ضربتين بطائرات مسيّرة في منطقتين داخل المدينة.
وقالت مستشفى آيدر التخصصي إنها استقبلت 13 مصابًا من إحدى الضربات، بينهم بالغون وأطفال.
وأشارت Addis Standard إلى أن إحدى الضربات وقعت في منطقة سكنية في دايرو، بينما وقع هجوم آخر في منطقة كوها دون تسجيل إصابات بحسب المعلومات الأولية.
وكانت سلطات تيغراي قد تحدثت في البداية عن إصابة بالغين وطفلين قرب منطقة كنيسة سانت ماري، قبل أن تعلن المستشفى ارتفاع عدد الحالات التي استقبلتها إلى 13 مصابًا.
ولم يحسم التقرير المسؤول عن ضربتي الخميس بصورة مستقلة.
تيغراي اتهمت حكومة آبي أحمد بضربات سابقة
يأتي هجوم الخميس بعد سلسلة من الضربات الجوية خلال أغسطس.
وفي 10 أغسطس، اتهمت سلطات تيغراي الحكومة الفيدرالية بتنفيذ ضربة بطائرة مسيّرة في منطقة ميروا بجنوب تيغراي، قرب الحدود مع إقليم أمهرة.
وقالت مصادر عسكرية من تيغراي لهيئة الإذاعة البريطانية إن ضربة استهدفت مدرسة ثانوية وأدت إلى مقتل ثلاثة مقاتلين وإصابة سبعة، بينما تحدث مسؤول محلي عن ضحايا مدنيين.
ولم يرد الجيش الإثيوبي حينها على طلب BBC للتعليق.
وفي وقت سابق من أغسطس اندلعت اشتباكات كبيرة في شيرارينا غرب تيغراي بين الجيش الإثيوبي وقوات تيغراي، واستخدمت خلالها المدفعية والطائرات المسيّرة.

هل تحالفت الأمهرة مع تيغراي؟
هذه النقطة تحمل تحولًا سياسيًا وعسكريًا ضخمًا.
خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، كانت قوات ومليشيات أمهرة تقاتل إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
لكن خريطة التحالفات انقلبت لاحقًا.
فبعد اتفاق بريتوريا لعام 2022 ومحاولة الحكومة الفيدرالية تفكيك القوات الخاصة الإقليمية، دخلت فصائل فانو في حرب مفتوحة مع قوات آبي أحمد داخل أمهرة.
وتقول منظمة ACLED المتخصصة في رصد النزاعات إن عام 2026 شهد تقاربًا غير مسبوق بين بعض فصائل فانو والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، على قاعدة العداء المشترك للحكومة الفيدرالية.
ليس كل الأمهرة في تحالف واحد مع تيغراي
من المهم هنا عدم وصف التطور بأنه «تحالف قوات الأمهرة كلها مع تيغراي».
فانو ليست جيشًا موحدًا يمثل جميع سكان أمهرة، وإنما شبكة من الفصائل والتشكيلات المسلحة.
وتشير ACLED تحديدًا إلى وجود تقارب بين تيغراي وبعض المجموعات المرتبطة بـالحركة الوطنية لفانو الأمهرة AFNM.
وتقول المنظمة إن طبيعة العلاقة الدقيقة لا تزال غير واضحة، لكن هناك مؤشرات إلى تنسيق عملياتي بين الطرفين.
كيف يعمل التحالف الجديد؟
وفق تحليل ACLED، قد لا يعني التنسيق بالضرورة أن قوات فانو وتيغراي ستقاتل في وحدة عسكرية واحدة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو فتح عدة جبهات متزامنة.
فبينما تضغط قوات تيغراي على الجيش الفيدرالي في الشمال والغرب، يمكن لفصائل فانو تكثيف عملياتها داخل إقليم أمهرة، بما يجبر الجيش الإثيوبي على توزيع قواته على أكثر من جبهة.
وتقول ACLED إن هذا النوع من التنسيق يهدف إلى إرهاق قدرة الجيش الإثيوبي على نقل التعزيزات بين الجبهات.
قوات تيغراي استخدمت المسيّرات بالفعل
إحدى النقاط الجديدة في جولة القتال الحالية هي امتلاك قوات تيغراي قدرة متزايدة على استخدام الطائرات المسيّرة.
وخلال معارك مطلع أغسطس، ظهرت تقارير عن استخدام قوات تيغراي طائرات FPV مسيّرة هجومية ضد مواقع للجيش الإثيوبي.
وأشار تحليل Critical Threats إلى تقارير تحدثت عن استخدام تيغراي مسيّرات هجومية أحادية الاتجاه للمرة الأولى، لكنه شدد على أنه لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع تلك الادعاءات.
وهذا التطور مهم لأن حرب 2020-2022 شهدت تفوق الحكومة الإثيوبية وحلفائها بصورة كبيرة في مجال الطائرات المسيّرة.
هل تستطيع قوات تيغراي ضرب أديس أبابا بالمسيّرات؟
لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تثبت تنفيذ تيغراي ضربة بطائرة مسيّرة على أديس أبابا في التطورات الحالية.
والطائرات من نوع FPV التي ظهرت في تقارير معارك الشمال هي في الأساس طائرات تكتيكية تستخدم في ساحات القتال وعلى مسافات محدودة، وليست دليلًا في حد ذاتها على امتلاك قدرة لضرب العاصمة من تيغراي.
ولهذا فإن تحويل التقارير التي تتحدث عن «امتلاك تيغراي للمسيّرات» إلى خبر يقول إن «المسيّرات تضرب أديس أبابا» غير صحيح حتى ظهور دليل مستقل.
لماذا ظهرت شائعة الهجوم على أديس أبابا؟
هناك أساس حقيقي للمخاوف، وهو أن الحكومة الفيدرالية تواجه ضغوطًا مسلحة على أكثر من جبهة.
تقاتل فانو القوات الحكومية في أمهرة، وعادت قوات تيغراي للاشتباك مع الجيش في الشمال، كما ما تزال جماعات مسلحة تنشط في أوروميا، وبعضها يعمل في مناطق أقرب جغرافيًا إلى العاصمة.
ويصف مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي الوضع الأمني في إثيوبيا بأنه يتدهور، مشيرًا إلى أن حكومة آبي أحمد تواجه في الوقت نفسه تحديات مسلحة من تيغراي وأمهرة وأوروميا.
لكن وجود عدة جبهات معادية للحكومة لا يعني أن العاصمة نفسها تتعرض حاليًا لهجوم عسكري.
أديس أبابا ليست بعيدة عن تأثير صراع فانو
رغم عدم تأكد وجود هجوم حالي على العاصمة، سبق أن امتدت تداعيات تمرد فانو إلى أديس أبابا.
وفي أبريل 2024، شهدت العاصمة تبادل إطلاق نار نادرًا بين الشرطة ومسلحين قالت السلطات إنهم ينتمون إلى فانو، وأسفر الاشتباك عن مقتل ثلاثة أشخاص.
لكن هذه واقعة قديمة ولا يجوز استخدامها باعتبارها دليلًا على وجود معركة حالية داخل أديس أبابا.
كيف تحول فانو وتيغراي من أعداء إلى حلفاء؟
قد يبدو التقارب بين فانو وتيغراي مفاجئًا بالنظر إلى ما حدث خلال الحرب السابقة.
فقد ارتكبت الأطراف المتحاربة انتهاكات واسعة، وكانت قضية الأراضي المتنازع عليها بين أمهرة وتيغراي أحد أبرز أسباب الصراع.
لكن المشهد الحالي يقوم على معادلة مختلفة: العدو المشترك هو الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد.
وتصف ACLED هذا التحول بمنطق «عدو عدوي صديقي»، موضحة أن بعض فصائل فانو باتت ترى أن إضعاف الحكومة الفيدرالية يخدم أهدافها، حتى مع استمرار الخلافات العميقة مع تيغراي حول الأرض والسياسة.
إريتريا تدخل على خط التحالفات الجديدة
المشهد لا يتوقف عند فانو وتيغراي.
فإريتريا، التي قاتلت إلى جانب آبي أحمد ضد تيغراي في حرب 2020، أصبحت علاقتها بالحكومة الإثيوبية شديدة التوتر.
وتشير تقارير ACLED ومراكز تحليلية أخرى إلى تقارب بين إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وبعض فصائل فانو، في انعكاس كامل تقريبًا للتحالفات التي كانت قائمة خلال الحرب السابقة.

السودان يضيف جبهة جديدة للأزمة
تلعب حدود السودان مع غرب تيغراي وأمهرة دورًا مهمًا في الصراع.
وتعتقد ACLED أن السودان وإريتريا قد يوفران دعمًا لوجستيًا أو سياسيًا لقوى تسعى إلى إضعاف حكومة أديس أبابا، بينما تتهم أطراف أخرى الحكومة الإثيوبية بدعم خصوم دول الجوار.
وهو ما يحول الأزمة من صراع إثيوبي داخلي إلى شبكة حروب بالوكالة في القرن الأفريقي.
غرب تيغراي هو مفتاح الحرب المقبلة
رغم الحديث المتزايد عن العاصمة، فإن أخطر بؤرة عسكرية مباشرة حاليًا هي غرب تيغراي وليس أديس أبابا.
المنطقة محل نزاع شديد بين أمهرة وتيغراي، وتنتشر فيها قوات الحكومة وحلفاؤها.
وتقول ACLED إن محاولة قوات تيغراي السيطرة بالقوة على غرب الإقليم قد تشعل مواجهة شاملة مع الجيش الفيدرالي.
كما يمكن لفانو فتح جبهات داخل أمهرة بالتزامن مع تقدم تيغراي، وهو السيناريو الذي قد يضع الجيش الإثيوبي أمام حرب متعددة المحاور.
اتفاق بريتوريا يقترب من الانهيار
أنهى اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 الحرب التي أوقعت مئات الآلاف من القتلى.
إلا أن كثيرًا من بنوده ظل موضع خلاف، وعلى رأسها نزع سلاح قوات تيغراي، وعودة النازحين، ومستقبل الأراضي المتنازع عليها في الغرب، وعلاقة حكومة تيغراي بالحكومة الاتحادية.
وخلال 2025 و2026 تدهورت العلاقة بصورة متسارعة، قبل عودة الاشتباكات الكبيرة في يناير ثم أغسطس 2026.
هل بدأت حرب إثيوبيا الثانية؟
الأدق حتى الآن هو القول إن إثيوبيا دخلت مرحلة تصعيد عسكري شديد الخطورة قد تتحول إلى حرب واسعة.
هناك اشتباكات مباشرة بين الجيش وقوات تيغراي، وحرب مستمرة بين الجيش وفانو في أمهرة، واستخدام متزايد للمسيّرات، وتحالفات إقليمية تتغير بسرعة.
لكن لم تصل المعلومات المؤكدة بعد إلى إعلان حرب شاملة جديدة بحجم حرب 2020-2022.
ماذا نعرف حتى مساء 20 أغسطس؟
المؤكد أن ضربات مسيّرة أصابت مواقع في ميكيلي اليوم وأن مستشفى آيدر استقبل 13 مصابًا، وأن القتال بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي عاد خلال أغسطس، وأن بعض فصائل فانو باتت في حالة تقارب عملياتي مع تيغراي.
أما الادعاء بأن «فانو وتيغراي شنتا هجومًا مشتركًا بالمسيّرات على أديس أبابا» فلا يوجد حتى الآن مصدر موثوق يؤكده.
إذا ظهرت معلومات عن استهداف فعلي للعاصمة، فسيكون ذلك تحولًا هائلًا في الحرب، وليس مجرد امتداد محدود للاشتباكات الحالية.


