الجاموسة والسيدة القروية.. هل تحولت البساطة إلى أرخص دعاية لمحمد رمضان؟
لم يعد الجدل المحيط بالفنان محمد رمضان مرتبطًا فقط بأعماله الفنية أو أغانيه، بل أصبح كل ظهور له مصحوبًا بحكاية إنسانية قابلة للتحول سريعًا إلى «ترند» واسع، تتصدره مشاهد البسطاء والطبقات الشعبية.
آخر هذه المشاهد كان ظهور سيدة ريفية تجاوزت الخمسين من عمرها وسط الزحام في حفل محمد رمضان بالساحل الشمالي، بعدما تداولت صفحات على مواقع التواصل رواية تزعم أنها باعت جاموستها حتى تتمكن من حضور الحفل ومشاهدة نجمها المفضل.
ورغم انتشار القصة على نطاق واسع، فإن التقارير الفنية التي وثقت صعود السيدة واحتفاء محمد رمضان بها لم تقدم حتى الآن دليلًا مستقلًا يؤكد واقعة بيع الجاموسة أو يوضح مصدر الرواية وتفاصيلها. المؤكد فقط أن رمضان استقبل السيدة ووجه إليها التحية أمام الجمهور، في مشهد جرى تقديمه باعتباره «لفتة إنسانية».
سيدة بسيطة تتحول إلى مادة دعائية
إذا صحت رواية بيع الجاموسة، فإننا لا نكون أمام قصة طريفة أو مشهد يستحق التصفيق، بل أمام سؤال اجتماعي قاسٍ: كيف يتحول تخلي سيدة ريفية عن أصل قد يمثل جزءًا أساسيًا من دخلها ومعيشتها إلى مادة للاحتفال والترويج؟
الجاموسة في البيئة الريفية ليست مجرد حيوان يمكن الاستغناء عنه، بل قد تكون مصدرًا للحليب والدخل والأمان الاقتصادي للأسرة. ولهذا فإن بيعها من أجل حضور حفل غنائي، إن ثبت بالفعل، لا ينبغي تقديمه باعتباره دليلًا على حب الجمهور، ولا تحويله إلى لقطة دعائية ترفع من شعبية الفنان.
المشهد الأكثر إزعاجًا ليس رغبة السيدة في حضور الحفل؛ فهذا اختيار شخصي لا يحق لأحد مصادرته، وإنما طريقة استثمار قصتها وعرضها أمام الآلاف وكأن التضحية بمصدر رزق محتمل شهادة جديدة على جماهيرية «نمبر وان».
هل كان يجب أن تختار زيارة بيت الله؟
قد يسأل البعض: كيف تكون أمنية سيدة تجاوزت الخمسين حضور حفل محمد رمضان بدلًا من زيارة بيت الله الحرام؟
لكن السؤال الأخلاقي لا ينبغي توجيهه إلى السيدة وحدها أو محاكمتها على أمنيتها الشخصية؛ فلكل إنسان اختياراته وظروفه. السؤال الأهم يجب أن يوجه إلى من حوّل القصة إلى مشهد احتفالي، وإلى الصفحات التي روجت للرواية دون التحقق منها، وإلى صناعة كاملة تستغل أحلام البسطاء لزيادة المشاهدات.
كان الأجدر، إذا ثبت بيعها الجاموسة، أن يجري السؤال عن أوضاعها المعيشية ومستقبلها بعد البيع، لا الاكتفاء بإحضارها إلى الصفوف الأمامية وتصوير استقبال الفنان لها.
من أزمة الجلباب الصعيدي إلى حكاية الجاموسة
هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها مواطنون بسطاء داخل حملة إعلامية مرتبطة بأحد أعمال محمد رمضان.
فخلال عرض فيلم «أسد»، أثير جدل واسع بعد منع ثلاثة رجال من صعيد مصر من دخول إحدى دور العرض بسبب ارتدائهم الجلباب الصعيدي. وظهر الرجال في مقطع يشكون فيه ما تعرضوا له، قبل أن يتدخل محمد رمضان ويعلن رفضه للواقعة وترحيبه بهم، مؤكدًا أن السينما من حق الجميع.
لاحقًا، استقبل رمضان الرجال والتقط الصور معهم، فتحولت أزمة التمييز ضدهم إلى موجة دعائية واسعة للفيلم، حتى وإن كان موقفه المعلن في الدفاع عن حقهم مشروعًا وإيجابيًا.
التشابه بين الواقعتين لا يثبت أن الأحداث جرى تدبيرها، ولا توجد أدلة معلنة تسمح باتهام محمد رمضان أو فريقه باختلاقها. لكنه يطرح تساؤلًا مشروعًا حول النمط المتكرر: مواطن بسيط يتعرض لموقف مؤثر، ثم يتدخل النجم، وتتحول اللحظة الإنسانية إلى محتوى ترويجي واسع الانتشار.
صورة «عبدة موتة» والجمهور الشعبي
ارتبط محمد رمضان جماهيريًا بشخصية «عبدة موتة» وبأدوار ابن المنطقة الشعبية الذي يتحدى الظروف ويقف إلى جانب البسطاء. وقد استثمر لسنوات هذه الصورة في بناء علاقة مباشرة مع جمهوره، حتى أصبح تقديم نفسه بوصفه واحدًا منهم جزءًا أساسيًا من علامته الفنية.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الانحياز الحقيقي إلى الناس وبين تحويل معاناتهم واحتياجاتهم إلى خلفية لصورة الفنان.
احترام السيدة البسيطة لا يكون فقط بإدخالها الحفل أو احتضانها أمام الكاميرات، بل بعدم استغلال فقرها أو بساطتها، والتحقق من قصتها، والتأكد من أنها لم تخسر مصدر رزقها حتى تحصل المنظومة الدعائية على لقطة جديدة.
حفل شهد زحامًا وتدافعًا
أقيم حفل محمد رمضان في بورتو جولف بالساحل الشمالي وسط حضور جماهيري كبير، واضطر الفنان إلى إيقاف الحفل مؤقتًا بسبب الزحام والتدافع في الصفوف الأولى، كما تحدثت تقارير عن مضايقات تعرضت لها بعض الفتيات بين الجمهور.
وبين مشاهد التدافع والاحتفال بالسيدة، خرج الحفل محملًا بعدة لقطات صنعت جدلًا أكبر من الأغنيات نفسها، وهو النموذج الذي يجيده محمد رمضان: أن يتحول كل حدث إلى مادة قابلة للانتشار والنقاش.
حكاية دعائية مبهجة
ليس من العدل إدانة سيدة بسيطة بسبب رغبتها في حضور مطرب تحبه، كما لا يمكن الجزم بأنها باعت جاموستها دون دليل موثق. لكن من حق المجتمع أن يرفض تحويل الفقر أو التضحية بمصدر الرزق إلى حكاية دعائية مبهجة.
إذا كانت القصة حقيقية، فهي مأساة اجتماعية وليست شهادة جماهيرية. وإذا كانت مختلقة أو مبالغًا فيها، فنحن أمام مستوى أكثر انحدارًا من صناعة الترند، يستخدم بساطة سيدة ريفية لتحقيق الانتشار.
وفي الحالتين يبقى السؤال: من يحمي البسطاء من أن تتحول حياتهم إلى إعلان؟


