روايتان لصفقة واحدة.. واشنطن تتحدث عن النووي وطهران تضع هرمز في المقدمة
في لحظة سياسية مشتعلة، خرجت الرواية الإيرانية عبر وكالة تسنيم لتقلب الطاولة على ما تداوله الإعلام الغربي بشأن اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن، وتؤكد أن الحديث عن تعليق البرنامج النووي الإيراني أو تجميده لمدة 20 عامًا أو إخراج المواد النووية من البلاد ليس جزءًا من الصفقة الحالية من الأساس.
وبينما تحدثت تقارير غربية عن تفاهمات واسعة قد تشمل مضيق هرمز والملف النووي وتخفيف العقوبات، جاءت الرسالة الإيرانية أكثر حدة ووضوحًا: لا اتفاق نووي الآن، ولا تنازل مجاني قبل تنفيذ واشنطن التزاماتها الأولى. وتشير تقارير رويترز إلى أن مقترحًا أمريكيًا إيرانيًا قيد النقاش يرتبط بتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، مع بنود متعلقة بالعقوبات والنفط.
تسنيم: لا تجميد 20 عامًا ولا إزالة للمواد النووية
بحسب الرواية الإيرانية التي نقلتها وكالة تسنيم، فإن طهران لم توافق على ما وصفته بعض التقارير الغربية بتعليق برنامجها النووي، كما ترفض طرح التجميد لمدة 20 عامًا، وترى أن هذا المقترح جاء من الجانب الأمريكي وتم رفضه من إيران.
وتؤكد طهران، وفق هذه الرواية، أن المفاوضات النووية لم تبدأ بعد، وأن أي نقاش حقيقي حول الملف النووي مؤجل إلى ما بعد انتهاء الحرب وتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها الأولية، وعلى رأسها تخفيف العقوبات ورفع القيود الاقتصادية.

الصفقة الحقيقية: هرمز والنفط والعقوبات
الجزء الأهم في الرواية الإيرانية لا يتعلق بالمفاعلات ولا بالتخصيب، بل بمضيق هرمز، الشريان الأخطر في تجارة الطاقة العالمية. فالاتفاق، وفق ما يُطرح، يركز على إعادة فتح المضيق أمام حركة الشحن، وعودة تدفقات النفط، مع توسيع نطاق الإعفاءات أو التنازلات المتعلقة بالعقوبات على النفط والبتروكيماويات.
ونقلت وسائل إعلام عن تسنيم أن واشنطن وافقت على رفع مؤقت للعقوبات على النفط الإيراني، بينما تصر طهران على أن رفع العقوبات النفطية يجب أن يكون ضمن التزامات الولايات المتحدة الأساسية، لا مجرد إجراء مؤقت لحين التوصل إلى تفاهم نهائي.
الإعلام الغربي والرسالة الإيرانية المضادة
تبدو المعركة هنا أكبر من مجرد بنود اتفاق؛ إنها معركة رواية. الإعلام الغربي يقدم الصفقة باعتبارها مسارًا يربط تهدئة المنطقة بضبط البرنامج النووي الإيراني، بينما ترد طهران بأن واشنطن تحاول تسويق تنازلات لم تحصل عليها بعد.
ومن زاوية طهران، لا يمكن أن يبدأ الحديث النووي الحقيقي قبل أن تدفع الولايات المتحدة ثمن الخطوة الأولى: رفع الحصار، وتخفيف العقوبات، وإعادة فتح المسارات الاقتصادية، خصوصًا في ملف النفط.
لماذا تتمسك إيران بهذه الصيغة؟
تقرأ إيران المشهد بمنطق الضغط المتبادل. فإذا كان مضيق هرمز ورقة استراتيجية شديدة الحساسية في سوق الطاقة، فإن طهران ترى أن فتحه لا يجب أن يكون مجانيًا، بل مقابل مكاسب واضحة في ملف العقوبات والنفط والأصول المجمدة.
أما الغرب، فيحاول ربط أي انفراجة اقتصادية إيرانية بتعهدات نووية واضحة، حتى لا تبدو الصفقة كأنها مكافأة سياسية لطهران بعد التصعيد. وهنا تحديدًا يظهر الخلاف الكبير بين الروايتين: واشنطن تريد عنوانًا نوويًا للاتفاق، وطهران تريد عنوانًا اقتصاديًا وسياديًا.
دبلوماسية هشة أم انتصار تكتيكي لإيران؟
المنتقدون للاتفاق يرون أن طهران، بهذه الصيغة، تحصل على تخفيف للعقوبات وامتيازات استراتيجية، بينما تؤجل أي التزام نووي حقيقي إلى مرحلة لاحقة. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تثير غضب أنصار سياسة “الضغط الأقصى”، الذين يعتبرون أن أي تنازل اقتصادي قبل اتفاق نووي صلب سيمنح إيران وقتًا ومساحة أكبر للمناورة.
في المقابل، يرى مؤيدو التهدئة أن إعادة فتح مضيق هرمز وخفض التوتر في سوق الطاقة قد يكونان أولوية عاجلة، خاصة إذا كان الاقتصاد العالمي يدفع ثمن التصعيد يوميًا عبر أسعار النفط والشحن والتأمين.
صفقة بلا نووي حتى الآن
حتى هذه اللحظة، تبدو الصورة كالتالي: هناك حديث عن صفقة أو تفاهمات مرتبطة بمضيق هرمز ووقف التصعيد وتخفيف العقوبات، لكن الرواية الإيرانية تنفي أن يكون الملف النووي قد دخل مرحلة الاتفاق الفعلي.
وبذلك، تصبح الرسالة الأبرز من طهران: هرمز أولًا، العقوبات ثانيًا، أما النووي فلاحقًا. وبين هذه الأولويات المتضاربة، تستمر لعبة الشد والجذب بين إيران والولايات المتحدة، وسط ترقب عالمي لأي إعلان رسمي قد يحدد مستقبل الطاقة والحرب والنووي في المنطقة.


