الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٠:٢٨ م

صلاح توفيق يكتب: فيس بوك كذاب والمصداقية تتلاشى

«فيس بوك كذاب».. حين تتحول مواقع التواصل إلى مصنع للشائعات

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها فيس بوك، مجرد مساحة لتبادل الأخبار والآراء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى سوق مفتوح للشائعات والمبالغات والعناوين المصنوعة خصيصًا لجذب النقرات وتحقيق أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات، حتى لو كان الثمن هو الحقيقة نفسها.

أصبح المستخدم المصري يدخل إلى مواقع التواصل وهو لا يعرف: هل ما يقرأه خبر حقيقي؟ أم شائعة؟ أم إعلان متنكر في صورة قصة إنسانية؟ أم عنوان مثير جرى اختراعه بالكامل للحصول على بضعة آلاف من الإعجابات والمشاركات؟

ومع كل خبر كاذب تنتشره الصفحات والحسابات، تفقد مواقع التواصل جزءًا جديدًا من مصداقيتها.

حتى أصبح التعبير الشعبي «ده كلام فيس بوك» مرادفًا لدى كثيرين لكلام يحتاج إلى مراجعة وتحقق قبل تصديقه.

فنانون يموتون أكثر من مرة

لعل أكثر الأمثلة وضوحًا هو سيل الشائعات المتعلقة بوفاة الفنانين والمشاهير.

فنان يُعلن خبر وفاته، ثم يظهر بعد ساعات لينفي الشائعة بنفسه.

وبعد أسابيع أو شهور تعود الشائعة مرة أخرى وكأن شيئًا لم يحدث.

حتى أصبح لدينا - على سبيل السخرية - فنانون «توفوا» على مواقع التواصل أكثر من مرة وهم ما زالوا على قيد الحياة.

لا يهتم ناشر الشائعة في أغلب الأحيان بحقيقة الخبر، فالمهم أن العنوان مثير:

«عاجل.. وفاة الفنان فلان منذ قليل».

ثم تبدأ المشاركات والتعليقات والرحمات والتعازي، قبل أن يكتشف الجميع أن الخبر مختلق.

لكن الصفحة تكون قد حصلت بالفعل على ما تريد: المشاهدات والتفاعل.

كل شيء أصبح مادة لصناعة «الترند»

ولم تعد الشائعات مقتصرة على أخبار الفنانين.

الأمر امتد إلى الاقتصاد والسياسة والرياضة والمجتمع وحتى العلاقات الإنسانية.

خبر عن ارتفاع سعر سلعة بلا مصدر.

قرار حكومي لم يصدر.

تصريح لمسؤول لم يقله.

صورة قديمة يعاد نشرها على أنها حدثت اليوم.

فيديو من دولة أخرى يوضع عليه تعليق يوحي بأنه التقط في مصر.

ووسط كل هذا، يجد القارئ نفسه أمام سيل من المعلومات التي يصعب التمييز بين الحقيقي والمختلق فيها.

«منفصلة تطلب الزواج».. باب جديد لصيد التفاعل

ثم ظهرت نوعية أخرى من المنشورات تعتمد على الإغراء والفضول.

«سيدة منفصلة تبحث عن زوج».

«سيدة أعمال تطلب سائقًا براتب خيالي بشرط الإقامة معها».

«مطلوب مرافق شخصي لسيدة مقابل مرتب كبير».

«مطلقة تبحث عن رجل جاد للزواج».

عناوين من هذا النوع تنتشر بكثافة، وغالبًا ما يكون الهدف منها دفع المستخدم إلى الضغط على رابط أو الانضمام إلى صفحة أو مشاهدة إعلان.

المحتوى هنا لا يقوم على تقديم معلومة، بل على استغلال الفضول الإنساني.

وكلما كان العنوان أكثر غرابة أو إثارة أو إيحاءً، ارتفع عدد النقرات.

وهنا تتحول الشائعة من مجرد «كذبة» إلى نموذج تجاري يربح من الكذب.

الخبر الكاذب أسرع من الحقيقة

المشكلة أن الخبر الحقيقي يحتاج إلى صحفي يبحث ويسأل ويتحقق ويقارن المصادر.

أما الكذبة فلا تحتاج إلى شيء.

يكفي شخص لديه هاتف وحساب على فيس بوك ليكتب:

«مصدر خاص يؤكد...»

ومن هو المصدر؟

لا أحد يعرف.

وبعد دقائق تبدأ صفحات أخرى في النقل من المنشور الأول، ثم تنقل صفحات ثالثة عن الثانية، وبعد فترة يبدو الخبر وكأنه صادر عن عدة مصادر بينما الحقيقة أن المصدر الأصلي مجرد منشور مجهول.

وهكذا تتحول الكذبة إلى ما يشبه «الحقيقة الجماعية» بسبب كثرة تكرارها.

صفحات تسرق ثقة الناس

هناك صفحات نجحت بالفعل في بناء جماهير كبيرة، لكنها بدلاً من الحفاظ على ثقة المتابعين، اختارت طريق الإثارة السريعة.

عنوان كاذب اليوم.

شائعة غدًا.

صورة مضللة بعد غد.

ومع مرور الوقت يبدأ الجمهور في الشك في كل ما تنشره الصفحة، حتى الأخبار الصحيحة.

وهذه هي الخسارة الأكبر.

لأن المصداقية تبنى ببطء، لكنها تنهار بسرعة.

الخوارزميات تكافئ المثير لا الصحيح

جزء من المشكلة يرتبط بطبيعة مواقع التواصل نفسها.

فالمنشور الذي يثير الغضب أو الخوف أو الصدمة أو الفضول غالبًا ما يحصل على تفاعل أكبر من خبر هادئ مكتوب بدقة.

وبالتالي يجد بعض ناشري المحتوى أنفسهم أمام معادلة بسيطة:

الحقيقة قد تحقق ألف مشاهدة.

أما الشائعة المثيرة فقد تحقق مليونًا.

والبعض لا يتردد في اختيار المليون.

حتى لو كان الثمن تضليل الناس.

والمستخدم شريك أحيانًا في انتشار الكذبة

لكن المسؤولية لا تقع على الصفحات وحدها.

المستخدم نفسه يشارك أحيانًا في صناعة المشكلة.

كم شخصًا يقرأ عنوانًا مثيرًا ثم يضغط على زر «مشاركة» دون أن يفتح الخبر أصلًا؟

كم شخصًا ينقل منشورًا لأنه يتفق مع رأيه، دون أن يسأل إن كان صحيحًا؟

وكم مرة تحولت إشاعة إلى «حقيقة» لأن آلاف الأشخاص أعادوا نشرها؟

الضغط على زر المشاركة قد يستغرق ثانية واحدة، لكن أثر المعلومة الكاذبة قد يستمر أيامًا أو سنوات.

أخطر شيء أن يصبح الكذب طبيعيًا

الخطر الحقيقي ليس وجود شائعة هنا أو هناك.

الشائعات موجودة منذ زمن طويل.

الخطر أن يصبح الجمهور معتادًا على الكذب إلى درجة أنه يتعامل مع كل محتوى يراه بوصفه مشكوكًا فيه.

عندها يفقد الإعلام الرقمي إحدى أهم وظائفه: نقل المعرفة والمعلومات بسرعة.

فإذا أصبحت السرعة بلا مصداقية، تحولت الميزة إلى مشكلة.

«كلام فيس بوك».. تعبير يلخص الأزمة

في الشارع المصري أصبح هناك تعبير بسيط لكنه يحمل معنى عميقًا.

عندما يخبرك شخص بمعلومة وتسأله:

«جبت الكلام ده منين؟»

فيرد:

«من فيس بوك».

تجد نفسك بصورة تلقائية تسأله:

«طيب المصدر إيه؟»

وهذا وحده يكشف حجم أزمة الثقة.

فعبارة «شفتها على فيس بوك» لم تعد شهادة على صحة المعلومة، بل أصبحت في أحيان كثيرة سببًا إضافيًا للشك فيها.

الصحافة مسؤولة أيضًا

ولا يمكن إعفاء بعض المواقع الإخبارية من المسؤولية.

فحين تتعامل مؤسسة صحفية مع منشور مجهول باعتباره مصدرًا، أو تنقل شائعة منتشرة على مواقع التواصل دون تحقق لمجرد اللحاق بالترند، فإنها تضيف ختمًا صحفيًا إلى المعلومة الكاذبة.

وهذا أخطر من الشائعة الأصلية.

فالمواطن قد يشك في صفحة مجهولة، لكنه عندما يرى الخبر منشورًا باسم موقع إخباري معروف، قد يفترض أنه خضع للتحقق.

ومن هنا تصبح مسؤولية الصحافة مضاعفة.

الحل ليس مقاطعة مواقع التواصل

رغم كل ذلك، لا يعني الأمر أن فيس بوك أو غيره من المنصات بلا قيمة.

مواقع التواصل أصبحت أداة رئيسية لنقل الأخبار والصور وشهادات الناس والوصول السريع للمعلومات.

لكن المطلوب هو تغيير طريقة التعامل معها.

ليس كل ما ينتشر صحيحًا.

وليس كل منشور عليه آلاف المشاركات موثوقًا.

وليس كل شخص يكتب «عاجل» صحفيًا.

وليس كل فيديو دليلًا على ما يقال إنه حدث.

قبل أن تصدق.. اسأل أربعة أسئلة

قبل تصديق أي خبر، يكفي أن تسأل:

من نشره أولًا؟

هل هناك مصدر رسمي أو وسيلة إعلام موثوقة تؤكده؟

هل الصورة أو الفيديو حديثان فعلًا؟

وهل توجد مصادر أخرى مستقلة تنقل المعلومة نفسها؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع عشرات الشائعات من الوصول إلى آلاف الأشخاص.

المصداقية رأس المال الحقيقي

عدد المتابعين يمكن شراؤه.

وعدد المشاهدات يمكن زيادته.

والترند يمكن صناعته.

لكن الثقة لا يمكن شراؤها.

من يكذب على جمهوره مرة قد يجد من يصدقه.

ومن يكذب عشر مرات قد يستمر في الحصول على المشاهدات.

لكن في النهاية سيأتي اليوم الذي ينشر فيه الحقيقة، فلا يصدقه أحد.

وهنا تكون الخسارة الحقيقية.

مواقع التواصل تحتاج إلى أن تستعيد ثقة الناس، والصفحات والمواقع تحتاج إلى أن تدرك أن الخبر ليس مجرد عدد من النقرات.

فالحقيقة أبطأ أحيانًا من الشائعة، لكنها وحدها التي تعيش.

أما الأكاذيب، فمهما انتشرت، تبقى أكاذيب.

ولهذا عندما يقول المصري اليوم:

«ده كلام فيس بوك»

فهو لا يقصد اسم الموقع فقط.

بل يلخص أزمة كاملة عنوانها: أين الحقيقة؟

عاجل
بث مباشر مباراة الإمارات اليوم أمام قطر.. صراع صدارة خليجي 27 * مباريات اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026.. المواعيد والقنوات الناقلة * «الولد سلّم أبوه».. طالب يتهم والده بالمخدرات والداخلية تكشف المفاجأة * الطقس غدًا الأربعاء.. أمطار وشبورة والقاهرة 30 وأسوان 40 درجة * عروس تختبر عريسها بكوب شاي بالملح بدل السكر * صلاح توفيق يكتب: فيس بوك كذاب والمصداقية تتلاشى * «المصالح بتتصالح؟».. حماس ودحلان والجهاد الإسلامي يخوضون انتخابات فلسطين * مسلسل «المدينة البعيدة» الحلقة 66.. مخدرات في حقيبة دينيز تصدم عليا * أ.د. وسام فتحي محمد يكتب : السكتة الدماغية.. سباق مع الزمن والقسطرة المخية تغير قواعد العلاج * نهاية الوجود العسكري الأمريكي في العراق.. من المستفيد وماذا عن داعش؟ * قصة بن غفير وحرق جثمان السنوار * رسميًا.. «بي أوتو» و«الرزق للسيارات» يتوليان Hongqi في مصر وخطة توسع جديدة * بث مباشر مباراة السعودية اليوم أمام العراق.. صراع الصدارة في خليجي 27 * عُمان والكويت اليوم.. بث مباشر وحسابات التأهل في خليجي 27 * بث مباشر جنوب السودان ومصر اليوم.. الموعد والقنوات الناقلة والتشكيل المتوقع * جدول مباريات اليوم الثلاثاء.. مصر والسعودية وإسبانيا وإنجلترا في الواجهة *