حذر وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينج من ضرورة استعداد المملكة المتحدة لاحتمال خوض حرب بحلول عام 2030، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاطر الأمنية التي تواجه البلاد، مشيرًا إلى أن خصوم بريطانيا قد يمتلكون خلال السنوات المقبلة القدرات العسكرية والاقتصادية التي تمكنهم من شن هجوم عليها.
وتعكس هذه التصريحات توجهًا بريطانيًا نحو تعزيز الاستعداد العسكري والمدني لمواجهة سيناريوهات أمنية أكثر خطورة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى رفع قدرة المواطنين والمؤسسات على التعامل مع حالات الطوارئ، بما يشمل الهجمات السيبرانية وانقطاع الخدمات الأساسية والأزمات الناتجة عن الظروف الجوية القاسية.
وزير الدفاع البريطاني: أمامنا ما يزيد قليلًا على ألف يوم للاستعداد
وفي مقال نشرته صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية، أكد ويس ستريتينج أن المملكة المتحدة لا تملك وقتًا طويلًا لاستكمال استعداداتها، موضحًا أن أمام البلاد ما يزيد قليلًا على ألف يوم للعمل بالتعاون مع حلفائها، بهدف تعزيز قدرتها على خوض القتال وتحقيق النصر إذا تعرضت لتهديد عسكري مباشر.
وشدد وزير الدفاع البريطاني على أن الاستعداد لأسوأ السيناريوهات لا يعني أن وقوع الحرب أمر حتمي، بل يمثل خطوة ضرورية للحد من احتمالات حدوثها، إذ إن امتلاك القدرات الدفاعية اللازمة قد يسهم في ردع الخصوم ومنعهم من التفكير في شن هجوم.
وتأتي هذه التحذيرات في إطار دعوات بريطانية متزايدة إلى تطوير القدرات العسكرية وتعزيز الجاهزية الوطنية، مع الأخذ في الاعتبار التحولات التي يشهدها المشهد الأمني الدولي، وما قد تفرضه من تحديات على المملكة المتحدة وحلفائها.
تهديدات أمنية تتجاوز المواجهات العسكرية التقليدية
ولفت ستريتينج إلى أن المخاطر التي تواجه بريطانيا لم تعد تقتصر على احتمالات المواجهات العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضًا تهديدات أخرى، من بينها ما وصفه بالإرهاب المدعوم من دول أخرى، إلى جانب الهجمات التي قد تستهدف المؤسسات والخدمات الحيوية.
وأكد أن هذه التهديدات لم تعد مجرد سيناريوهات افتراضية، وإنما أصبحت مخاطر تستدعي تعزيز الاستعداد على المستويين الوطني والمجتمعي، بما يتجاوز دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ليشمل المؤسسات الاقتصادية والأسر والأفراد.
ودعا الوزير البريطاني المواطنين والشركات إلى تقييم مدى قدرتهم على التعامل مع الأزمات المفاجئة، والاستعداد لاحتمالات تعطل الخدمات الأساسية، في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالأمن السيبراني والتوترات الدولية.
بريطانيا تطلق حملة «كن مستعدًا» لمواجهة حالات الطوارئ
بالتزامن مع هذه التحذيرات، أطلقت الحكومة البريطانية حملة «كن مستعدًا»، التي تستهدف تعزيز قدرة المواطنين على التعامل مع حالات الطوارئ المختلفة، سواء الناتجة عن الأحوال الجوية القاسية أو الهجمات الإلكترونية أو غيرها من الأزمات التي قد تؤدي إلى انقطاع الخدمات الأساسية.
وتهدف الحملة إلى تشجيع الأسر على اتخاذ تدابير احترازية بسيطة داخل المنازل، بما يساعدها على التعامل مع الظروف الاستثنائية لفترة محدودة، دون الاعتماد الكامل على توافر الخدمات العامة في جميع الأوقات.
وتشمل الإرشادات الاحتفاظ بمخزون من مياه الشرب المعبأة يصل إلى 9 لترات، إلى جانب كمية من الطعام تكفي لمدة ثلاثة أيام، فضلًا عن تجهيز مستلزمات أساسية يمكن الاستعانة بها عند انقطاع الكهرباء أو تعطل بعض الخدمات.
مياه وطعام وبطاريات.. مستلزمات توصي بها الحكومة البريطانية
وتحث الحملة البريطانية الأسر على توفير مجموعة من الاحتياجات الضرورية لمواجهة حالات الطوارئ، وفي مقدمتها مياه الشرب والطعام الذي يمكن تخزينه واستخدامه عند الحاجة.
كما تتضمن قائمة المستلزمات المقترحة البطانيات، والنقود، وأدوات الإسعافات الأولية، والمصابيح اليدوية، والبطاريات، وأجهزة الراديو التي تعمل دون الحاجة إلى الكهرباء، بما يتيح للمواطنين الحصول على المعلومات الأساسية والتعامل مع انقطاع التيار الكهربائي أو تعطل وسائل الاتصال المعتادة.
وتأتي هذه التوصيات ضمن توجه يهدف إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الاستعداد المسبق للأزمات، وتقليل تأثيرها على الحياة اليومية، خاصة في الحالات التي قد تتطلب انتظار عودة الخدمات أو وصول المساعدات.
رئيس الوزراء البريطاني: الهدف ليس إثارة الذعر
من جانبه، دعا رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام المواطنين إلى اتخاذ تدابير احترازية معقولة، والحرص على توفير الاحتياجات الأساسية داخل المنازل، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تستهدف تعزيز قدرة الأسر على التعامل مع الظروف الصعبة.
وأوضح أن الهدف من توفير الطعام والمياه والمستلزمات الضرورية ليس إثارة الذعر بين المواطنين، وإنما ضمان امتلاك الأسر ما يساعدها على تجاوز فترة انقطاع الخدمات أو مواجهة أي طارئ غير متوقع.
وتعكس هذه الدعوات توجهًا نحو إشراك المجتمع في خطط الاستعداد للأزمات، من خلال إجراءات عملية يمكن تنفيذها على مستوى الأسرة، بالتوازي مع جهود الدولة لتعزيز جاهزية المؤسسات والخدمات الحيوية.
تحذيرات استخباراتية من الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة
وفي سياق متصل، دعا المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني «إم آي 5»، كين مكالوم، في وقت سابق من الشهر الجاري، إلى تكاتف المجتمع بأكمله لمواجهة التهديدات التي تستهدف البنية التحتية الوطنية.
وحذر مكالوم من أن الهجمات الإلكترونية قد تؤدي إلى تعطيل الخدمات المصرفية، في حين يمكن للطائرات المسيّرة أن تؤثر على حركة الطيران، كما قد تتسبب الهجمات السيبرانية التي تستهدف المستشفيات في عرقلة تقديم الخدمات الطبية والرعاية الصحية للمرضى.
وتسلط هذه التحذيرات الضوء على اتساع نطاق التهديدات الأمنية التي تواجه بريطانيا، إذ لم تعد المخاطر مرتبطة فقط بالهجمات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى قطاعات حيوية يعتمد عليها المواطنون بصورة يومية، مثل المصارف والمطارات والمستشفيات.
بريطانيا تستعد لمرحلة طويلة من التوترات الجيوسياسية
وأشار مكالوم إلى أن الأجهزة البريطانية لا تفترض أن حالة التوتر الجيوسياسي الحالية مجرد مرحلة مؤقتة ستنتهي سريعًا، مؤكدًا أن فترة الاستقرار النسبي التي أعقبت نهاية الحرب الباردة قد انتهت، وأن البلاد تواجه بيئة أمنية تتطلب استعدادًا مستمرًا.
وتشير هذه التصريحات إلى أن التوجه البريطاني لا يقتصر على الاستعداد لاحتمال اندلاع حرب خلال السنوات المقبلة، بل يشمل أيضًا تعزيز قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة تهديدات متنوعة قد تستمر لفترة طويلة.
وفي ظل هذه التطورات، تسعى بريطانيا إلى الجمع بين رفع الجاهزية العسكرية، وتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية، وزيادة وعي المواطنين بسبل التعامل مع الأزمات، في إطار استعداد أوسع لمواجهة التحديات الأمنية التي تفرضها التحولات الدولية المتسارعة.





