تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة جديدة تبدو فيها الأدوات الاقتصادية في صدارة المشهد، بعدما بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملة واسعة للضغط على طهران، متعهدًا بالوصول بما وصفه بـ«يوم النصر الاقتصادي» ضد إيران، في تحرك يستهدف شل الاقتصاد الإيراني وفرض عزلة غير مسبوقة على النظام، مع تجنب العودة في الوقت الراهن إلى حرب عسكرية مفتوحة.
تأتي هذه الحملة في أعقاب شهور من القصف الأمريكي والإسرائيلي لإيران، وما أعقب ذلك من خسائر وأضرار واسعة، دون أن تنجح العمليات العسكرية في دفع طهران إلى تقديم تنازلات حاسمة أو التوصل إلى اتفاق ينهى المواجهة بصورة نهائية.
بديلًا عن العمليات العسكرية.. ترامب يعود إلى سلاح النفط لخنق الاقتصاد الإيراني
وفي الوقت الذي يرفع فيه ترامب سقف تهديداته ضد إيران، تشير مواقف الإدارة الأمريكية وتحركاتها الأخيرة إلى أن الرئيس الأمريكي يحاول الانتقال من مرحلة القوة العسكرية المباشرة إلى استخدام الاقتصاد كسلاح رئيسي، من خلال العقوبات، وتشديد الحصار البحري، والضغط على الشركاء التجاريين لطهران، ومحاولة خنق مصادر دخلها، وفي مقدمتها صادرات النفط.
وأعلن ترامب عن قرب الوصول ما يسميه بـ «يوم النصر الاقتصادي» الوشيك ضد إيران في منشور على منصة "تروث سوشيال"، محذرًا من "حرب اقتصادية" وعزلة على نطاق غير مسبوق.
وكتب الرئيس الأمريكي أن الإيرانيين الذين وصفهم بـ«المجانين» باتوا على وشك الانهيار، معتبرًا أن الإجراءات التي تتخذها إدارته ستؤدي إلى «شلّ» إيران وتقويض قدرتها على التحرك، فضلًا عن إضعاف قدرتها على ممارسة ما تصفه واشنطن بأنه نشاط مزعزع للاستقرار في المنطقة والعالم.
تحمل تصريحات ترامب أكثر من رسالة في الوقت نفسه. فهي من جهة موجهة إلى القيادة الإيرانية بهدف التأكيد أن واشنطن ما زالت قادرة على ممارسة ضغوط واسعة عليها، ومن جهة أخرى موجهة إلى حلفاء الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، في محاولة لإجبارهم على تقليص تعاملاتهم مع طهران.
لكن الرسالة الأهم قد تكون موجهة إلى الداخل الأمريكي، إذ يسعى ترامب إلى إظهار أنه قادر على مواصلة الضغط على إيران وتحقيق أهدافه دون الانخراط مجددًا في حرب طويلة ومكلفة.
خلال الأشهر الماضية، استخدم ترامب في أكثر من مناسبة لغة شديدة اللهجة تجاه إيران، ولوّح بإمكانية توجيه ضربات مدمرة إذا لم تستجب طهران للمطالب الأمريكية، غير أن الرئيس الأمريكي تراجع لاحقًا عن تهديدات متكررة باستئناف العمليات العسكرية، وبدأ يركز بدرجة أكبر على العقوبات والأدوات الاقتصادية.
جاء هذا التحول بعد فشل الضربات العسكرية في تحقيق أي من أهداف واشنطن المعلنة، فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بإيران، ظل النظام الإيراني قادرًا على الصمود والاستمرار، كما تمكن من استخدام أدوات ضغط مضادة ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
وكان ترامب قد تحدث عن مخاوفه من أن تؤدي حرب طويلة الأمد إلى دفع الولايات المتحدة نحو «كساد» اقتصادي، وهو ما يكشف عن أحد أهم القيود التي تواجه الاستراتيجية الأمريكية.
فالحرب قد تكون قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالخصم، لكنها في الوقت نفسه تحمل تكلفة على الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا إذا أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والوقود أو تعطيل التجارة العالمية أو استنزاف المخزونات العسكرية.
كما ألحقت الحرب أضرارا بالغة بالقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج وخسائر بشرية بين الجنود الأمريكان حيث قتل 18جنديا أمريكيا وأصيب حوالى 750 أخرون حسب أخر إحصائيات البنتاجون.
كما تعرضت القوات الأمريكية لضغوط مرتبطة بالاستهلاك الكبير للذخائر خلال العمليات العسكرية، في الوقت الذي أشارت فيه المعطيات إلى تراجع المخزونات الأمريكية من الأسلحة.
وبالتزامن مع ذلك، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من دولار للجالون مقارنة بالمستويات التي كانت عليها قبل بدء الحرب. ولا يمثل ارتفاع أسعار الوقود مشكلة اقتصادية فحسب، بل يحمل تداعيات سياسية مباشرة على الإدارة الأمريكية، فالمستهلك الأمريكي يتعامل مع أسعار البنزين بصورة يومية، وأي ارتفاع كبير فيه يمكن أن يتحول إلى قضية انتخابية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
استمرار الحرب لفترة أطول قد يضع ترامب أمام مشكلة داخلية متزايدة، في الوقت الذي تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أن الحرب مع طهران لا تحظى بشعبية واسعة، حتى بين قطاعات من الجمهوريين.
وعلى الجانب الآخر، لم ينهار النظام في إيران، رغم الضربات والخسائر البشرية والدمار الذي أصاب البنية التحتية والمنشآت الإيرانية. حيث كان الرهان الأمريكي والإسرائيلي على أن يؤدي الضغط العسكري المكثف إلى إضعاف قدرة النظام الإيراني على الصمود وإجباره على تقديم تنازلات سياسية وأمنية واسعة.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن طهران لم تنهر تحت وطأة الضربات، بل واصلت استخدام أوراقها الإقليمية والعسكرية للرد على الولايات المتحدة وحلفائها. ومن بين أبرز أدوات الضغط الإيرانية استهداف ناقلات النفط والتهديد بإيقاف حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل واحدًا من أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم.
وهذا التطور وضع الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة، فكلما زادت الضغوط العسكرية على إيران، زادت مخاطر أن ترد طهران بطريقة تؤثر في حركة النفط العالمية.
ويرى مراقبون أن الضغط الاقتصادي الذي يفترض أن يؤدي إلى إضعاف إيران يمكن أن يتحول، إذا تسبب في تعطيل صادرات النفط أو حركة السفن، إلى عامل ضغط على الاقتصاد الأمريكي نفسه.
وبعد إعلان الرئيس ترامب شن الحرب الاقتصادية المزعومة على إيران أعلنت الإمارات وقف جميع المعاملات التجارية والمالية مع إيران، وتعتبر الإمارات الشريك التجاري الثاني لإيران عالميًا بعد الصين، والأكبر عربيًا وخليجيًا، مع حجم تبادل تجاري يقدر بنحو 27 إلى 29 مليار دولار سنويا.
ومن ثم، فإن وقف التعاملات التجارية والمالية يمكن أن يضيف ضغطًا جديدًا على الاقتصاد الإيراني، خصوصًا في ظل العقوبات الأمريكية القائمة أصلا.
تشمل العقوبات الجديدة الدول التي تشتري النفط الإيراني، والشركات التي تسهل عمليات البيع والنقل والتأمين، والبنوك والمؤسسات المالية التي تساعد على تحويل الأموال، فضلًا عن الوسطاء الذين يسهمون في تجاوز العقوبات.
وتعتبر الصين أكبر شريك تجاري لإيران وأكبر مستورد للسلع الإيرانية، كما تشتري معظم النفط الإيراني، وهو ما يجعلها، عمليًا، المنفذ الاقتصادي الأهم لطهران في مواجهة العقوبات الأمريكية.
وقال مياد مالكي، الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والذي سبق له العمل في مجال سياسة العقوبات بوزارة الخزانة الأمريكية: إن الصين تمثل "عنصرًا لا غنى عنه" في حملة الضغط الاقتصادي ضد إيران. مضيفا: «لا بديل للصين في استيعاب النفط الخام الإيراني بنفس حجمها».
وتكشف هذه التصريحات عن المشكلة الأساسية التي تواجه الاستراتيجية الأمريكية. فإذا تمكنت واشنطن من الضغط على شركاء إيران الإقليميين والدوليين، فلن تستطيع الضغط على الصين لوقف شراء النفط الإيراني، ولذا فإن جزءًا أساسيًا من أهداف العقوبات سيظل بعيد المنال.
ويرى خبراء أن فتح مواجهة اقتصادية واسعة مع الصين في الوقت نفسه الذي تسعى فيه واشنطن إلى عقد قمة مع القيادة الصينية الشهر المقبل قد يؤدي إلى تقويض ملفات أخرى أكثر أهمية، وقد يدفع بكين إلى الرد اقتصاديا وسياسيا.ولهذا، يتوقع محللون أن تتعامل إدارة ترامب بحذر مع الملف الصيني، حتى لو كان الضغط على الصين يمثل مفتاحًا أساسيًا لنجاح الحملة الاقتصادية على إيران.
يطرح الضغط الاقتصادي المتزايد سؤالًا حول طبيعة الرد الإيراني، فإذا كانت الإدارة الأمريكية تسعى إلى تجنب الحرب، فإذا قامت طهران بالرد عسكريا فإنها ستعطى واشنطن مبررا لشن حملة عسكرية عنيفة ضدها، لكن ذلك لا يعني أن إيران ستبقى بلا رد، ويرى دنيس روس، المبعوث الأمريكي السابق إلى الشرق الأوسط، أن إيران قد تبحث عن وسيلة جديدة لممارسة ضغط عسكري على الولايات المتحدة أو حلفائها في الخليج، وقد يأخذ الرد الإيراني أشكالًا متعددة، سواء من خلال استهداف الملاحة، أو الضغط على المصالح الأمريكية في المنطقة، أو استخدام أدوات غير مباشرة ضد حلفاء واشنطن.
ويرى خبراء أن محاولة ترامب لتجنب الحرب من خلال العقوبات قد تؤدي إلى زيادة التوتر، إذا رأت طهران أن العقوبات تهدد قدرتها على البقاء الاقتصادي والسياسي.
ويبقى أن ترامب يحاول في المرحلة الحالية تحقيق معادلة صعبة تكمن في إضعاف إيران إلى أقصى درجة، وإجبارها على التراجع، وحرمانها من مصادر التمويل، وإجبار الدول التي تتعامل معها على الانسحاب، لكن دون العودة إلى حرب عسكرية طويلة، فهل ينجح الرئيس الأمريكي في تحقيق تلك المعادلة؟






