هل خذل «الأوديسة» توقعات الجمهور؟ نولان يبهر العين ويترك القلب بعيدًا
هناك أفلام تخرج من قاعة السينما وأنت منشغل بكيف صُنعت، وأخرى تخرج منها وأنت مشغول بما فعلته بك. «الأوديسة» ينتمي بوضوح إلى النوع الأول؛ فيلم ضخم، مبهر، شديد العناية بالصورة والتفاصيل، لكنه رغم كل هذا البذخ يتركك أمام سؤال بسيط: أين الإنسان وسط كل هذه العظمة؟
من الناحية التقنية، يصعب الدخول في جدال حول جودة الفيلم. نحن أمام صناعة سينمائية على أعلى مستوى، صورة مبهرة، مشاهد ضخمة، مواقع وإمكانات هائلة، وكاميرا تعرف جيدا كيف تمنح كل لقطة وزنها وهيبتها.
لكن السينما لم تكن يوما مسابقة في الإمكانات.
الأوديسة» والعالم الاسطوري
المشكلة أن «الأوديسة» يبدو أحيانا مفتونا بنفسه؛ بحجمه، بصورته، بتفاصيله، وبقدرته على إعادة بناء عالم أسطوري هائل. وبينما ينشغل الفيلم بكل ذلك، يتراجع العنصر الذي كان يجب أن يكون في قلب الحكاية: الإنسان.
الفيلم طويل، لكن الطول ليس جريمة سينمائية. المشكلة فيما نفعله بهذا الزمن. هنا نجد شرحا كثيرا وتفاصيل أكثر، ومشاهد تستغرق وقتا أطول مما تحتاج إليه دراميا، حتى يتحول الإيقاع في أجزاء من الفيلم إلى اختبار لصبر المشاهد.
المفارقة أنك قد تكون أمام مشهد بالغ الجمال، ومع ذلك تشعر بالملل.
وهذه ربما إحدى أكبر مشكلات الفيلم؛ العين مستمتعة، بينما القلب خارج الحكاية.
أما كريستوفر نولان، فالإخراج بالطبع يحمل حرفية مخرج كبير، لكن الحرفية وحدها ليست ما جعلتنا ننتظر أفلام نولان. اعتدنا منه أن يحول الأفكار المعقدة إلى تجربة سينمائية، وأن يجد وسط البناء الضخم مساحة للإنسان ومخاوفه وخساراته ومشاعره.
هنا يبدو نولان أكثر انشغالا بصناعة الملحمة من صناعة العلاقة بيننا وبين أبطالها.
ضخامة الشخصية والمواقف
حتى اختيار البطل لم يكن، في رأيي، موفقا بالقدر الكافي. الشخصية تحتاج إلى حضور داخلي استثنائي، وإلى ممثل يستطيع أن يحمل الرحلة في عينيه قبل أن يحملها جسده. لكن الأداء يظل في مساحات كثيرة محدودا أمام ضخامة الشخصية والمواقف، فلا تصل المشاعر بالقوة التي يفترض أن تصل بها.
وهكذا تتكرر المفارقة نفسها: كل شيء كبير على الشاشة، إلا الشعور.
وربما هنا تحديدا تكمن أزمة «الأوديسة».
الفيلم يمتلك كل ما تحتاجه السينما الحديثة لكي تبهرنا، لكنه لا يمتلك بالقدر نفسه ما تحتاجه السينما لكي تسكن داخلنا.
تقنية مذهلة، صورة هائلة، صناعة شديدة الإتقان، ومشهدية تجعل الفيلم أقرب أحيانا إلى استعراض للقوة السينمائية. لكنه في المقابل يفتقد الدفء والانفعال والحميمية التي تجعلنا ننسى أننا نشاهد فيلما ونبدأ في عيشه.
ومع التطور الهائل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على صناعة صورة مدهشة أكبر من أي وقت مضى. ولهذا تحديدا لم يعد الإبهار البصري وحده كافيا.
فالآلة تستطيع أن تساعدنا في بناء عالم كامل، لكنها لا تستطيع أن تمنحه روحا.
وفي النهاية، ربما تكون المفارقة القاسية أن «الأوديسة» نجح في أن يجعلني أفكر كثيرا في كيف صُنع الفيلم، وفشل في أن يجعلني أهتم بالقدر نفسه بمن كان يعيش داخله.
نولان صنع العالم.. لكنه نسي الإنسان
لهذا لا أراه فيلما سيئا على الإطلاق، بل فيلما جيدا جدا من حيث الصناعة، لكنه أقل كثيرا من الضجة التي سبقته، وأقل من سقف التوقعات المرتبط باسم نولان.
لقد صنع نولان عالما هائلا، ملأه بالصورة والصوت والتقنية والتفاصيل، لكنه نسي العنصر الوحيد الذي لا تستطيع أي ميزانية شراءه: الروح.
وحين تنتهي «الأوديسة»، تدرك أن أطول رحلة في الفيلم لم تكن رحلة بطله، بل رحلة المشاهد وهو يبحث وسط كل هذا الإبهار عن شيء واحد فقط... أن يشعر.


