الخميس، ١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:١٧ م

قراءة في تصريحات ترامب عن «محو إيران».. تهديد بالحرب أم ضغط للتفاوض؟

ترامب يلوح بـ«محو إيران».. هل يمهد لجولة حرب جديدة أم يرفع سقف التفاوض؟

دخل خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران مرحلة جديدة من التصعيد، بالتزامن مع مفاوضات غير مباشرة تحاول الوصول إلى اتفاق يوقف حربًا دخلت شهرها السابع ويعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الطاقة والتجارة.

وفي مقابلة نشرتها مجلة «تايم» الخميس، قال ترامب إن تكثيف القصف الأمريكي على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر أمر «ممكن»، وأكد رفضه المقترح الإيراني الأخير، معتبرًا أنه لا يقدم للولايات المتحدة ما يكفي، مضيفًا أن طهران تريد الاتفاق لكنه يريد ما سماه «الصفقة الحقيقية». 

لكن الأهم من تصريح منفرد هو وضع هذه الكلمات داخل نمط أوسع من خطاب ترامب؛ فقد هدد في سبتمبر بأن إيران قد تُمحى «كدولة» إذا ردت على ضربات أمريكية، كما سبق أن استخدم خلال الحرب عبارات شديدة التصعيد بشأن القدرة على تدمير إيران

هل هدد ترامب فعلًا بـ«إبادة إيران»؟

هنا يجب الفصل بين الوصف السياسي واللغوي وبين المصطلح القانوني.

قول رئيس دولة إنه يستطيع «محو» دولة أخرى أو «تفجير البلد بالكامل» هو بلا شك تهديد بالغ الخطورة، لكن وصفه قانونيًا بأنه تهديد بالإبادة الجماعية يحتاج إلى إثبات عنصر محدد للغاية: وجود نية لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا، بصفتها تلك. وهذا هو المعيار الذي تضعه اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. 

لذلك فالأدق صحفيًا أن نقول: ترامب يستخدم لغة تهدد بمحو أو تدمير إيران على نطاق واسع، بينما لا يمكن من التصريح وحده الجزم قانونيًا بأن جريمة الإبادة أو نيتها قد ثبتت.

وفي الوقت نفسه، فإن أي عمليات عسكرية فعلية يجب أن تظل خاضعة لقواعد التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات لحماية السكان، وهي مبادئ أساسية في القانون الدولي الإنساني

التناقض الظاهري.. تهديد بالحرب وحديث عن صفقة

ربما يكون أهم مفتاح لفهم تصريحات ترامب هو أنه يتحدث في اللحظة نفسها عن التفاوض والقوة العسكرية.

فهو يقول إن إيران تريد اتفاقًا، ويؤكد بدوره أنه يريد اتفاقًا، لكنه في الوقت نفسه لا يستبعد تصعيد القصف.

هذا النمط يندرج ضمن ما يسميه محللون الدبلوماسية القسرية: رفع تكلفة الرفض على الطرف الآخر عسكريًا واقتصاديًا، ثم استخدام تلك الضغوط لدفعه إلى قبول شروط أكثر صرامة.

وقد سبق لرويترز أن وصفت نهج ترامب تجاه إيران بأنه قائم على الضغط والإنذارات والتهديد بالقوة، مشيرة إلى أن هذه الاستراتيجية قد تحقق تنازلات لكنها تحمل أيضًا خطر دفع طهران إلى التشدد بدل التراجع.

لماذا رفض ترامب العرض الإيراني؟

قدمت إيران خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة سريعة تمتد سبعة أيام، وتربط إعادة فتح مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة الطبيعية بخطوات أمريكية تشمل تخفيف الحصار والعقوبات والانتقال نحو وقف إطلاق النار ومفاوضات أوسع.

ترامب قال في مقابلة «تايم» إن الإيرانيين قدموا عرضًا بشأن فتح المضيق لكنه «ليس جيدًا بما يكفي»، وأضاف أن شروطًا ربما كان سيوافق عليها قبل عام لم تعد كافية الآن. l

وهذه العبارة مهمة؛ لأنها تعني أن واشنطن لا تريد ببساطة العودة إلى الوضع السابق للحرب، وإنما تسعى إلى تحويل التفوق العسكري والاقتصادي الذي ترى أنها حققته إلى تنازلات إيرانية إضافية.

مضيق هرمز هو قلب المعركة السياسية

المفاوضات الحالية لا تدور حول الملف النووي وحده.

أصبح مضيق هرمز إحدى أهم أوراق الضغط لدى الطرفين. إيران تملك قدرة على التأثير في حركة الملاحة، بينما تستخدم الولايات المتحدة الحصار والقوة البحرية والعقوبات للضغط على الاقتصاد الإيراني.

وتقول رويترز إن الخلاف الحالي لا يدور فقط حول مضمون الخطوات، بل أيضًا حول من ينفذ خطوته أولًا، في ظل انعدام الثقة بين الطرفين.

ومن هنا نفهم لماذا يتحدث ترامب باستمرار عن النفط والسفن والمضيق في المقابلة نفسها التي يناقش فيها الحرب.

لماذا ذكر ترامب الانتخابات النصفية؟

عندما سئل عما إذا كانت الولايات المتحدة قد تزيد وتيرة القصف بعد انتخابات التجديد النصفي، لم ينفِ الاحتمال وقال إنه «ممكن».

مجرد ورود الانتخابات في السؤال والإجابة يجعل التوقيت السياسي لافتًا، لكن لا توجد أدلة منشورة تسمح بالجزم بأن ترامب يؤجل قرارًا عسكريًا لأسباب انتخابية.

الثابت أن الحرب أصبحت عاملًا سياسيًا داخليًا مهمًا في الولايات المتحدة.

فقد أدت اضطرابات الطاقة المرتبطة بالحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود، بينما تواجه الأغلبية الجمهورية انتخابات صعبة في نوفمبر، وبدأ ترامب حملة مكثفة لدعم مرشحي حزبه قبل الاقتراع. 

وبالتالي توجد أمام البيت الأبيض معادلة معقدة: ممارسة أقصى ضغط على طهران، من دون دفع أسعار الطاقة والأوضاع الاقتصادية الأمريكية إلى مستويات تزيد الضغوط الانتخابية الداخلية.

«لدينا الكثير من الأسلحة».. ماذا يريد ترامب إيصاله؟

حرص ترامب في المقابلة على التأكيد أن الولايات المتحدة أعادت بناء مخزوناتها العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، وقال إن بلاده في وضع جيد من ناحية التسليح. 

سياسيًا، تخدم هذه العبارة هدفين.

الأول رسالة إلى طهران بأن واشنطن قادرة على تحمل حرب أطول ولا تعتمد على الوصول السريع لاتفاق.

والثاني رسالة للداخل الأمريكي وحلفاء الولايات المتحدة ردًا على المخاوف التي ظهرت بشأن استهلاك الذخائر خلال شهور القتال.

لكن امتلاك القدرة العسكرية لا يعني أن خيار توسيع الحرب خالٍ من التكلفة.

هل تستطيع أمريكا فعلًا «محو إيران»؟

إذا أُخذ التعبير حرفيًا، فإيران دولة يزيد تعداد سكانها على عشرات الملايين وتمتد على مساحة شاسعة، وبالتالي فإن الحديث عن «محو دولة» ليس وصفًا واقعيًا لعملية عسكرية تقليدية.

ما تستطيع الولايات المتحدة فعله هو تنفيذ ضربات واسعة ضد بنى عسكرية أو نووية أو بنية تحتية، لكن الانتقال من تدمير أهداف عسكرية إلى محاولة تدمير دولة أو سكانها سيكون شيئًا مختلفًا جذريًا، مع عواقب إنسانية وقانونية وسياسية هائلة.

وقواعد الحرب تحظر تعمد استهداف المدنيين والهجمات العشوائية وتفرض التناسب بين المكاسب العسكرية المتوقعة والأضرار المدنية. لذلك فإن أخطر ما في لغة «المحو» ليس أنها تصف خطة عسكرية معلنة، بل أنها تلغي لغويًا المسافة بين استهداف القدرات العسكرية واستهداف الدولة والمجتمع بأكمله.

ماذا يريد ترامب من إيران؟

من خلال تصريحاته خلال الأشهر الماضية، يمكن تحديد مجموعة ملفات يضغط عليها، أبرزها البرنامج النووي الإيراني وحرية الملاحة في مضيق هرمز وشروط وقف العمليات العسكرية.

ترامب قال لـ«تايم» إنه لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وهو موقف كرره بصورة مستمرة منذ بدء المواجهة. 

لكن التفاصيل الدقيقة لـ«الصفقة الحقيقية» التي يقول إنه يريدها لم تُعلن في صيغة اتفاق نهائي حتى الآن.

وهذا يفسر جانبًا من المأزق: طهران تريد وقف الحرب والحصار مقابل خطوات متبادلة، بينما تحاول واشنطن استغلال الوضع العسكري الحالي للحصول على اتفاق أوسع.

هل التهديد يقرب الاتفاق أم يبعده؟

يمكن أن يعمل التهديد في اتجاهين متعاكسين.

قد ترى القيادة الإيرانية أن استمرار الحرب والعقوبات أكثر تكلفة من تقديم تنازلات، خصوصًا أن الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل من ضغوط شديدة بعد شهور من الحرب وتعطل صادرات النفط. وتصف رويترز أوضاعًا صعبة تتعلق بالأسعار والوظائف ومستويات المعيشة داخل إيران. 

لكن الوجه الآخر أن التهديد بتدمير الدولة قد يقنع القيادة الإيرانية بأن الاتفاق المؤقت لا يوفر لها ضمانات، ويدفعها بالتالي إلى الاحتفاظ بأوراق ضغط عسكرية ونووية أكبر.

وهذه هي المعضلة الأساسية في الدبلوماسية القسرية: كلما زاد الضغط ارتفعت دوافع الخصم للتراجع، لكن قد ترتفع أيضًا دوافعه للتسلح والمقاومة.

الخطر الأكبر.. خطأ في الحسابات

السيناريو الأخطر لا يحتاج إلى قرار معلن من الطرفين بإطلاق حرب شاملة.

في منطقة تشهد بالفعل صواريخ وطائرات مسيرة وقواعد أمريكية وحلفاء للجانبين وحركة ناقلات نفط كثيفة، قد يؤدي استهداف خاطئ أو سقوط عدد كبير من القتلى أو هجوم على منشأة حساسة إلى رد يتبعه رد أكبر.

ومع ارتفاع مستوى الخطاب إلى الحديث عن «المحو»، تصبح مساحة التراجع السياسي أصعب، لأن كل طرف يخشى أن يظهر وكأنه تراجع أمام تهديد الآخر.

وأسواق النفط تراقب كل كلمة

رفض ترامب للمقترح الإيراني كان له أثر اقتصادي ملموس؛ فقد ارتفعت أسعار النفط مع تعثر المحادثات، ووصل خام برنت في نهاية سبتمبر إلى أكثر من 103 دولارات للبرميل وسط القلق من استمرار اضطراب الملاحة والإمدادات.

ولهذا تصبح الحرب الإيرانية ملفًا يتجاوز الأمن والسياسة، ليؤثر بصورة مباشرة في أسعار الوقود والتضخم والفائدة والاقتصاد الأمريكي والعالمي.

ماذا نستنتج من تصريحات ترامب؟

الأقرب إلى قراءة التصريحات مجتمعة هو أن ترامب لا يعلن حتى الآن قرارًا نهائيًا بتوسيع الحرب، لكنه يتعمد إبقاء هذا الخيار مفتوحًا بصورة واضحة، بالتوازي مع رفع سقف شروطه للتوصل إلى اتفاق.

قوله إن إيران تريد صفقة، ورفضه العرض الحالي، وعدم استبعاده تكثيف القصف، كلها إشارات إلى استراتيجية واحدة: إقناع طهران بأن البديل عن تقديم تنازلات أكبر قد يكون عودة العمليات العسكرية على نطاق أوسع. 

وفي المقابل، استمرار الوساطة القطرية وتبادل الردود بين الطرفين يؤكد أن باب التفاوض لم يغلق. 

عاجل
بعد 53 سنة من الحرب.. المصريون يستعيدون شعار «خلي السلاح صاحي» * قراءة في تصريحات ترامب عن «محو إيران».. تهديد بالحرب أم ضغط للتفاوض؟ * إعلان ورود وذنوب الحلقة 36.. الحب والأسرار يشعلان مواجهة جديدة * طريق نهائي خليجي 27.. السعودية تواجه قطر والإمارات تتحدى عُمان * حظك اليوم 1 أكتوبر.. ماذا ينتظر برجك مهنيًا وعاطفيًا وماليًا؟ * مباريات اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026.. ألمانيا والبرتغال ومواجهات عربية قوية * السعودية ترفض طلبًا إسرائيليًا بعد حادث فلاي دبي.. وتنفي أي لقاء مع نتنياهو * مصرع «كوتا» في مواجهة نارية مع الشرطة بقرية ونينة في سوهاج * دماء داخل قمرة القيادة.. كيف نجا ركاب رحلة فلاي دبي قبل الهبوط في السعودية؟ * صلاح توفيق يكتب: العالم في دوامة حروب.. والدبلوماسية تصل دائمًا متأخرة * نصف أم الحلقة 2.. مواجهة بين زينب وعائلة ألتاي بسبب إيجه * تهديد وتشويه سمعة مقابل المال.. سقوط مبتز فتيات بكفر الشيخ * من لاليبيلا إلى أديس أبابا.. تفاصيل إجلاء الإسرائيليين من إثيوبيا * النفس المطمئنة على نتفليكس.. قصة حب قديمة تتحول إلى رحلة من الغموض * من السعودية إلى الأردن والعراق وإيران.. خريطة التحذيرات الأوروبية الجديدة للطيران * رسوم تراخيص السيارات بعد التخفيض.. التفاصيل الكاملة وموعد التطبيق *