بعد «زئير الأسد».. إسرائيل تستعد لجولة عسكرية جديدة ضد إيران
تستعد إسرائيل لإبقاء الجبهة الإيرانية مفتوحة أمام جولة عسكرية جديدة، رغم انتهاء عملية «زئير الأسد»، وسط حديث في وسائل إعلام عبرية عن خطط يجري إعدادها لشن عملية أخرى ضد إيران، سواء بالتعاون مع الولايات المتحدة أو بصورة مستقلة إذا رأت تل أبيب أن الظروف تفرض ذلك
ووفق تقرير نقلته وسائل إعلام فلسطينية عن صحيفة «يسرائيل هيوم»، فإن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل إعداد خطط لعملية جديدة في إيران، بالتزامن مع استمرار مستوى مرتفع من التنسيق الاستخباراتي والعملياتي مع الجيش الأمريكي.
ولا تبدو هذه الاستعدادات منفصلة عن توجه معلن داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية؛ فقد تحدث مسؤولون عسكريون إسرائيليون أكثر من مرة عن أن الجبهة الإيرانية أصبحت بالنسبة إلى الجيش «جبهة من الدائرة الأولى»، وأن الخطط والجاهزية لعمليات مستقبلية يجري تحديثها بصورة مستمرة.
إسرائيل لا تعتبر «زئير الأسد» نهاية الحرب
تكشف التصريحات والتقارير الإسرائيلية عن قناعة داخل المؤسسة العسكرية بأن ما تحقق خلال عملية «زئير الأسد» لم يغلق الملف الإيراني.
وكانت العملية قد بدأت في فبراير 2026 بضربات إسرائيلية واسعة استهدفت عناصر من منظومة الصواريخ الإيرانية، مع تنسيق وثيق مع القيادة المركزية الأمريكية، فيما قال مسؤولون أمنيون حينها إن الهدف هو تقليص قدرة إيران على إطلاق الصواريخ وإضعاف بنيتها العسكرية
لكن بعد مرور أشهر، تحدث ضابط كبير في سلاح الجو الإسرائيلي لـ«يسرائيل هيوم» عن استمرار إيران في إعادة بناء جزء من قدراتها، مؤكدًا أن القوات الإسرائيلية تعمل على تطوير خططها تحسبًا لجولة جديدة.
«حققنا نتائج لكننا لم ننتهِ»
هذه العبارة تلخص بوضوح الموقف الإسرائيلي تجاه إيران.
فوفق الرواية الإسرائيلية، تعرضت منظومات الصواريخ والدفاعات الإيرانية لضربات قوية خلال الجولات السابقة، لكن طهران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية وتواصل إعادة بناء ما خسرته.
ولهذا فإن إسرائيل تتعامل مع أي هدنة أو انخفاض في وتيرة القتال باعتباره فترة بين جولتين محتملتين، وليس تسوية نهائية للصراع.

خطط مشتركة مع أمريكا.. وأخرى إسرائيلية منفردة
الجانب الأكثر أهمية في المعلومات الجديدة هو الحديث عن مسارين متوازيين.
الأول يقوم على العمل المشترك مع الولايات المتحدة.
أما الثاني فيتعلق بقدرة إسرائيل على تنفيذ عملية مستقلة إذا لم تشارك واشنطن أو إذا رأت تل أبيب أن هناك تهديدًا يستدعي التحرك السريع.
وكانت «يسرائيل هيوم» قد ذكرت في أغسطس أن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بالفعل بخطط مستقلة لضرب إيران وخطط أخرى مشتركة مع القيادة المركزية الأمريكية.
كما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في يونيو أن الجيش أعد أهدافًا في إيران وأنه مستعد لتنفيذ عملية «إسرائيلية خالصة» إذا صدرت له التعليمات.
ضباط أمريكيون في إسرائيل وإسرائيليون في أمريكا
بحسب التقرير الأخير، يتجاوز التعاون بين الطرفين تبادل المعلومات من بعيد.
وتحدثت المصادر عن وجود ضباط أمريكيين في إسرائيل وضباط إسرائيليين في الولايات المتحدة ضمن آليات التنسيق المستمرة بين الجيشين.
وكانت إسرائيل والولايات المتحدة قد أقامتا بالفعل خلال الحرب منظومة تنسيق وثيقة لتقسيم المهام والإنذار المبكر والدفاع الجوي واختيار الأهداف التي يمتلك كل طرف قدرة أفضل على التعامل معها.
ويعني ذلك أن أي تصعيد جديد ضد إيران لن يبدأ بالضرورة من نقطة الصفر، فهناك بالفعل بنية عملياتية واستخباراتية مشتركة تم استخدامها خلال الجولات السابقة.
إسرائيل تدرس سيناريو الضربة الاستباقية
لا تقتصر الاستعدادات الإسرائيلية على الرد في حال تعرضها لهجوم.
بحسب التقرير، يدرس الجيش كذلك سيناريو العمل الاستباقي إذا خلصت أجهزة الأمن إلى أن إيران تستعد للتحرك أو أن هناك فرصة عسكرية لا تريد تل أبيب تفويتها.
وكانت «يسرائيل هيوم» قد طرحت خلال الصيف عدة سيناريوهات يمكن أن تعيد إسرائيل إلى الحرب، من بينها أن تستغل تل أبيب «فرصة عملياتية» تراها مناسبة لضرب أهداف نووية أو صاروخية إيرانية قبل أن تبدأ طهران تحركًا مضادًا.
وهنا تصبح كلمة «استباقي» ذات أهمية كبيرة؛ لأنها تعني أن الجولة المقبلة لا يشترط أن تبدأ بهجوم إيراني.

ماذا لو أطلقت إيران النار على إسرائيل؟
السيناريو الثاني أكثر وضوحًا.
قالت قيادات إسرائيلية مرارًا إن إطلاق إيران صواريخ باتجاه إسرائيل سيقابل برد واسع داخل الأراضي الإيرانية.
وأكد كاتس في يونيو أن الجيش الإسرائيلي وضع أهدافًا بالفعل، وأن هجومًا إيرانيًا مباشرًا يمكن أن يعيد القتال على نطاق واسع خلال فترة قصيرة جدًا.
كما قدرت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية أن إيران، في أي حرب مقبلة، ستحاول إطلاق صواريخها على إسرائيل بسرعة أكبر من الجولات السابقة، بعدما تقلص الوقت الذي احتاجته طهران للرد في كل مواجهة.
إيران هي الأخرى تستعد لجولة جديدة
الصورة المقابلة في طهران لا تشير إلى استعداد إيراني للوقوف مكتوف الأيدي.
فقد كشفت رويترز مطلع أكتوبر أن القيادة الإيرانية تراجع بالفعل سيناريوهات لرد عسكري أقوى وأوسع في حال استأنفت الولايات المتحدة الهجمات الكبيرة على إيران، مع بحث توسيع قائمة الأهداف المحتملة.
وبالتالي فإن الاستعدادات العسكرية تجري حاليًا على جانبي المواجهة.
إسرائيل تعد خططًا جديدة.
الولايات المتحدة تعزز قواتها.
وإيران تعيد تقييم الرد الذي ستلجأ إليه إذا تجددت الضربات.
وهذه المعادلة تجعل خطر سوء الحسابات أحد أكثر عناصر المرحلة المقبلة حساسية.
3 حاملات طائرات أمريكية ترفع حرارة المشهد
التوقيت الذي تظهر فيه التقارير الإسرائيلية مهم للغاية.
فالولايات المتحدة بدأت بالفعل تعزيزًا عسكريًا كبيرًا في الشرق الأوسط، يشمل إرسال نحو 9 آلاف جندي إضافي وحاملة طائرات ثالثة إلى المنطقة، بما يمنح الرئيس دونالد ترامب خيارات أوسع إذا قرر استئناف عمليات واسعة ضد إيران
كما تحدثت تقارير أمريكية عن استعدادات عسكرية يمكن أن ترفع عدد القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة إلى أكثر من 20 ألف جندي، إلى جانب عشرات الطائرات والسفن الحربية.
هذه التحركات لا تعني وحدها أن الحرب ستستأنف، لكنها تزيد قدرة واشنطن على تنفيذ ضربة كبيرة إذا اتُخذ القرار السياسي.
هل تحاول إسرائيل دفع أمريكا إلى الحرب؟
لا توجد معلومات منشورة تثبت أن تل أبيب تحاول حاليًا إجبار واشنطن على تنفيذ هجوم جديد.
لكن تاريخ التنسيق بين الطرفين يظهر أن إسرائيل سعت في جولات سابقة إلى إقناع إدارة ترامب بأن عدم الرد على تحركات إيرانية قد يمنح طهران أفضلية.
وفي يونيو، ذكرت «يسرائيل هيوم» أن نتنياهو ناقش مع ترامب ضرورة الرد على إيران، بينما كان الجيش الإسرائيلي على اتصال مستمر بقيادة سنتكوم استعدادًا لتجدد العمليات.
ولذلك فإن إسرائيل تملك، إلى جانب خططها العسكرية، قناة سياسية مباشرة إلى البيت الأبيض في ملف إيران.
انتخابات التجديد النصفي تدخل حسابات الحرب
أحد العناصر اللافتة في التقرير الإسرائيلي هو ربط توقيت أي تحرك محتمل بانتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر.
وبحسب التقدير الإسرائيلي الذي نقلته الصحيفة، فإن احتمالات شن عملية كبيرة من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة قبل الانتخابات ليست مرتفعة.
لكن ذلك لا يعني أن القرار مؤجل بشكل محسوم.
فالتحركات الإيرانية نفسها يمكن أن تغير الحسابات إذا نفذت طهران خطوة ترى واشنطن أو تل أبيب أنها تستدعي ردًا عاجلًا.
كما عقد كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة ترامب اجتماعًا سريًا مطولًا في كامب ديفيد يوم 2 أكتوبر لبحث الملف الإيراني واليمني، وسط استمرار النقاش داخل الإدارة حول الخطوات المقبلة.
ترامب أمام معادلة عسكرية وانتخابية
يواجه الرئيس الأمريكي معادلة معقدة.
فمن جهة، يريد الحفاظ على الضغط العسكري على إيران ومنعها من استعادة قدراتها.
ومن جهة أخرى، تأتي انتخابات التجديد النصفي وسط ضغوط داخلية مرتبطة بالاقتصاد وتكلفة الحرب واستمرار القوات الأمريكية في المنطقة.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن ترامب لا يزال يدرس إمكانية توجيه ضربات إضافية إلى إيران، بينما يجري البنتاجون عمليات تعزيز عسكري واسعة تمنحه قدرة أكبر على اتخاذ هذا الخيار
لماذا لا تريد إسرائيل إغلاق الجبهة الإيرانية؟
من منظور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإن الخطر الرئيسي هو أن تستغل إيران فترات الهدوء لإعادة بناء ما فقدته.
وتشمل المخاوف الإسرائيلية خصوصًا:
البرنامج الصاروخي الباليستي، ومنظومات الدفاع الجوي، والقدرات المرتبطة بالبرنامج النووي.
ولهذا تحدثت قيادات سلاح الجو الإسرائيلي عن ضرورة العودة بصورة دورية إلى تدمير القدرات التي تعيد إيران بناءها، إذا لم تؤد المسارات السياسية إلى ترتيبات تمنع ذلك.
البرنامج النووي قد يكون مفتاح الجولة المقبلة
من أخطر السيناريوهات أن يتحول البرنامج النووي الإيراني إلى الهدف الأساسي لأي جولة جديدة.
فقد سبق أن تناولت تقارير إسرائيلية سيناريو توسع الضربات لتشمل المنشآت النووية ومواقع الصواريخ الباليستية باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تدفع إيران للرد مباشرة على إسرائيل.
وفي المقابل، تؤكد طهران أن أي هجوم جديد سيواجه برد أشد من السابق.
وبالتالي فإن أي ضربة لمنشآت شديدة الحساسية قد تجعل احتواء المواجهة بعد بدايتها أكثر صعوبة.
إسرائيل لا تريد العودة إلى ما قبل الحرب
تكشف الاستعدادات الإسرائيلية عن نقطة استراتيجية مهمة.
فإسرائيل لا تريد أن تنتهي الجولات العسكرية ثم تعود إيران خلال سنوات قليلة إلى المستوى نفسه من القدرات الذي كانت تمتلكه قبل الحرب.
ولهذا يبدو أن تل أبيب تتحول من مفهوم «الحرب التي تنتهي» إلى مفهوم «الحملة المستمرة»، حيث تُضرب القدرات الإيرانية كلما أعادت طهران بناءها أو ظهرت فرصة عملياتية مناسبة.
لكن هذه السياسة تحمل خطرًا واضحًا.
فكل ضربة جديدة تخلق احتمال رد إيراني أكبر، وكل رد يرفع احتمالات توسيع الحرب لتشمل دولًا وقواعد أمريكية أخرى في المنطقة.
إسرائيل تنفخ في نار حرب إيران؟
العنوان يعبر عن قراءة سياسية ممكنة للمشهد، لكن الوقائع المنشورة تظهر صورة أكثر تحديدًا:
إسرائيل لا تعتبر الحرب مع إيران منتهية، وتعد خططًا عملياتية لجولة أخرى إذا صدر قرار سياسي أو إذا وقع هجوم إيراني أو ظهرت فرصة عسكرية تعتبرها تل أبيب استثنائية.
وفي الوقت نفسه، تستعد إيران لرد أكثر اتساعًا إذا تجددت الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية، بينما ترسل واشنطن المزيد من القوات والسفن إلى الشرق الأوسط.
الشرق الأوسط أمام مرحلة انتظار مسلح
حتى الآن لا يوجد إعلان رسمي عن موعد ضربة إسرائيلية جديدة.
لكن العناصر العسكرية التي تسبق أي مواجهة موجودة بالفعل:
خطط إسرائيلية جاهزة، وتنسيق أمريكي إسرائيلي مستمر، وتعزيزات عسكرية أمريكية، واستعداد إيراني للرد.
ويظل العامل السياسي هو الذي يحدد ما إذا كانت هذه الاستعدادات ستبقى في إطار الردع، أم تتحول إلى جولة جديدة من الحرب.
لكن ما تكشفه التقارير الإسرائيلية بوضوح هو أن الجيش الإسرائيلي لا يتعامل مع «زئير الأسد» باعتبارها الفصل الأخير في المواجهة مع إيران، بل باعتبارها مرحلة في صراع لم يغلق بعد.


