إثيوبيا أمام تصعيد متعدد الجبهات.. ماذا يحدث عسكريًا الآن وما موقف آبي أحمد؟
دخلت إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة أخطر مراحل التصعيد منذ توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022. فالمواجهات لم تعد مقتصرة على تمرد «فانو» في أمهرة أو نشاط جيش تحرير أورومو في أوروميا، بل عادت قوات تيغراي إلى قتال مباشر مع الجيش الفيدرالي، بالتزامن مع إعلان سبع جماعات مسلحة من مناطق مختلفة تشكيل تحالف هدفه المعلن إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وإقامة سلطة انتقالية.
وحتى الساعات الأولى من السبت 26 سبتمبر 2026، لا توجد مؤشرات موثوقة على انتقال المعارك إلى العاصمة أديس أبابا، لكن جبهة الشمال اتسعت بسرعة إلى تيغراي وأمهرة وعفر، بينما يستمر أصلًا صراع مسلح منفصل في أوروميا. وهذا يجعل الأزمة الحالية مختلفة عن جولات التوتر السابقة: الحكومة تواجه الآن خصومًا يحاولون التنسيق سياسيًا وعسكريًا بدل العمل كجبهات منفصلة.
ماذا حدث خلال الأيام الأخيرة؟
بدأ التصعيد الأكبر في 23 سبتمبر، عندما سيطرت قوات تيغراي على مطارات داخل الإقليم، بينها مطار ميكيلي، بينما علقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى ميكيلي وأكسوم وشيري. وفي الوقت نفسه اندلعت مواجهات مع القوات الفيدرالية في عفر وأمهرة.
وتقول سلطات تيغراي إن قواتها تخوض «حربًا دفاعية» ردًا على هجمات الحكومة، بينما يقول مستشار آبي أحمد، غيتاتشو رضا، إن قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي هي التي بدأت الهجوم على المواقع الحكومية في أمهرة وعفر. وبالتالي لا توجد حتى الآن رواية مستقلة حاسمة بشأن الطرف الذي بدأ الجولة الحالية من القتال.
وبحلول الجمعة 25 سبتمبر، استمرت المعارك بصورة مكثفة. وقالت قيادة شمال شرق الجيش الإثيوبي إنها أوقعت خسائر كبيرة بقوات تيغراي، زاعمة مقتل 436 مقاتلًا وإصابة 220 وأسر 44 في جولة الجمعة، بعدما أعلنت في اليوم السابق مقتل 272 وإصابة 260. رويترز لم تتمكن من التحقق ميدانيًا بصورة مستقلة من مجمل روايات الجبهات، كما لم يعلن الجيش خسائره هو.
وفي تطور آخر، قال مصدر مقرب من تيغراي إن المعارك اقتربت إلى مسافة كيلومترات من مطار لاليبيلا في أمهرة، لكن رويترز قالت أيضًا إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذا الادعاء.

الاتصالات تنقطع في تيغراي
شهد إقليم تيغراي الجمعة اضطرابًا واسعًا في الهاتف والإنترنت. وأكدت مؤسسة NetBlocks وجود انقطاع، بينما قال أربعة مصادر لرويترز إن قيادة تيغراي طلبت من شركات الاتصالات وقف الشبكات، ربما لتقليل قدرة القوات الفيدرالية على الاستفادة من شبكات الهاتف في عمليات الطائرات المسيّرة. في المقابل، نفى مصدر مقرب من الجبهة مسؤوليتها واتهم الحكومة.
ولهذا أعادت الأزمة ذكريات حرب 2020-2022، حين أدى انقطاع الاتصالات وصعوبة وصول الغذاء والأموال والأدوية إلى تفاقم الظروف الإنسانية داخل الإقليم.
الطائرات المسيّرة.. أهم أوراق الجيش الفيدرالي
يمتلك الجيش الإثيوبي تفوقًا واضحًا في الطائرات المسيّرة مقارنة بقوات تيغراي، وفق بيانات ACLED التي استندت إليها رويترز، واستخدم الجيش خلال الأشهر الأخيرة طائرات مستوردة وأخرى مصنعة محليًا لضرب أهداف في تيغراي.
وهذا يفسر الأهمية العسكرية للسيطرة على الاتصالات والمطارات؛ فالمعركة لا تتعلق بالأرض فقط، وإنما أيضًا بحرمان الخصم من الاستطلاع والإمداد والقدرة الجوية.
التحول الأكبر.. أعداء الأمس أصبحوا في تحالف واحد
في 21 سبتمبر أعلن سبعة تنظيمات مسلحة وسياسية تشكيل «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، وقالت إنها تسعى إلى إنهاء حكومة آبي أحمد وإقامة إدارة انتقالية.
واللافت أن التحالف يجمع أطرافًا كانت تقاتل بعضها بعضًا قبل سنوات؛ فجماعات فانو في أمهرة قاتلت إلى جانب الجيش الفيدرالي ضد تيغراي في حرب 2020-2022، لكنها تقاتل حكومة آبي نفسها منذ 2023. ويضم التحالف كذلك جيش تحرير أورومو وتنظيمات من عفر وبني شنقول-قمز والمنطقة الصومالية.
هذه هي أخطر نقطة سياسيًا بالنسبة للحكومة: الصراع يتحول من حروب إقليمية منفصلة إلى محاولة لبناء جبهة وطنية مسلحة مشتركة ضد السلطة المركزية.
لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن التحالف أصبح قوة عسكرية موحدة؛ فمحلل مجموعة الأزمات الدولية ماغنوس تايلور أشار إلى وجود خلافات سياسية وإقليمية كبيرة بين أعضائه، إضافة إلى المسافات الجغرافية الكبيرة وضعف بعض التنظيمات، وهي عوامل قد تحد من قدرتهم على تنفيذ عمليات مشتركة.
ماذا يحدث في أمهرة؟
جبهة أمهرة لم تبدأ هذا الأسبوع؛ فمنذ 2023 تقاتل مجموعات «فانو» القوات الفيدرالية، وتمكنت من فرض نفوذ على أجزاء واسعة من الريف، وفق رويترز.
لكن الجديد هو انضمام الحركة الوطنية لفانو إلى التحالف الجديد مع تيغراي، رغم النزاع التاريخي بين الطرفين على أراضٍ حدودية في غرب وجنوب تيغراي.
ولهذا فإن اختبار التحالف الحقيقي سيكون: هل تستطيع فانو وتيغراي القتال ضد الجيش الفيدرالي بالتنسيق رغم استمرار خلافاتهما حول الأرض؟
وماذا عن أوروميا؟
جيش تحرير أورومو يقاتل الحكومة الفيدرالية منذ سنوات، وهو الآن عضو في التحالف الجديد. لكن التقارير الموثوقة المتاحة حتى الآن تشير إلى أن مركز التصعيد العسكري الكبير خلال الأيام الأخيرة يقع في الشمال، تحديدًا تيغراي وعفر وأمهرة، وليس إلى هجوم متزامن بالحجم نفسه في أوروميا.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن نجاح المعارضة المسلحة في تحويل الأزمة إلى حرب متعددة الجبهات فعلية سيعتمد على قدرتها على تنسيق تحركاتها بدل الاكتفاء بإعلان تحالف سياسي.
هل انتهى اتفاق بريتوريا؟
عمليًا، الاتفاق الذي أنهى حرب تيغراي يتعرض الآن لأشد اختبار منذ توقيعه.
في مايو أعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي السيطرة على الإدارة السياسية للإقليم وأعادت ديبريتسيون غبريمايكل إلى القيادة، في خطوة اعتبرتها الحكومة مخالفة لاتفاق 2022.
ثم قال متحدث باسم الجبهة هذا الأسبوع لوكالة أسوشيتد برس إن اتفاق السلام «لم يعد صالحًا»، بينما أدت المواجهات الحالية إلى عودة القتال المباشر بين الطرفين.
لكن لا يوجد حتى الآن إعلان مشترك من الطرفين بإلغاء الاتفاق قانونيًا؛ لذلك الأدق القول إن اتفاق بريتوريا انهار عمليًا بدرجة كبيرة على الأرض، حتى لو ظل موجودًا رسميًا كوثيقة.

وأين يقف آبي أحمد الآن؟
هناك فرق بين وضعه العسكري ووضعه السياسي داخل مؤسسات الدولة.
عسكريًا، يواجه آبي أحمد أخطر تحدٍ أمني منذ انتهاء حرب تيغراي، لأن حكومته لا تواجه طرفًا واحدًا، بل فانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، وقوات تيغراي، وتنظيمات أخرى أعلنت الآن أنها تريد تنسيق جهودها لإسقاط الحكومة.
أما مؤسسيًا، فلا يزال موقعه قويًا داخل النظام السياسي. حزب الازدهار الذي يقوده فاز في انتخابات يونيو بـ438 مقعدًا من أصل 501 مقعد أُعلنت نتائجها، ومن المقرر أن يجتمع البرلمان الجديد في أكتوبر لاختيار رئيس الوزراء. الانتخابات نفسها تعرضت لانتقادات من المعارضة بشأن القيود السياسية، كما تعذر التصويت في تيغراي ومناطق متأثرة بالعنف؛ والحكومة تنفي الاتهامات بأنها تقمع المعارضة خارج إطار القانون.
وبالتالي، لا توجد حاليًا مؤشرات موثقة على انهيار حكومة آبي أو فقدانها السيطرة على مؤسسات الدولة أو العاصمة، رغم أن التحدي العسكري أصبح أكبر بوضوح.
ما موقف آبي أحمد من التصعيد؟
آبي نفسه لم يصدر، في المصادر التي راجعتها حتى الآن، خطابًا عامًا تفصيليًا جديدًا يشرح استراتيجيته تجاه معارك هذا الأسبوع. لذلك لا يصح أن ننسب إليه مواقف لم يقلها.
لكن موقف حكومته أصبح واضحًا من تصريحات المسؤولين المحيطين به.
المتحدثة باسم آبي، بيليني سيوم، قالت إن التحالف المسلح الجديد ليس مفاجئًا للحكومة، واتهمت إريتريا بتمويل الجماعات المشاركة فيه. إريتريا تنفي بصورة متكررة اتهامات مماثلة.
أما مستشاره غيتاتشو رضا فاتهم قيادة تيغراي ببدء الهجمات الحالية والاستيلاء على المطارات، معتبرًا أنها صعّدت المواجهة.
وقبل التصعيد الحالي بأسبوعين تقريبًا، كان آبي قد شدد علنًا على أهمية تقوية القدرات الدفاعية والتصنيع العسكري المحلي، وقال إن أمن إثيوبيا واستقرارها يعتمدان على قوات مسلحة قوية. وهذا يعكس اتجاهًا حكوميًا يركز على تعزيز القدرة العسكرية إلى جانب الخطاب الرسمي الداعي للحوار السياسي.
إريتريا.. العامل الذي قد يوسع الأزمة
العلاقة بين آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي تغيرت جذريًا.
إريتريا قاتلت إلى جانب حكومة آبي ضد تيغراي في الحرب السابقة، لكن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة توترت لاحقًا، خصوصًا بسبب تصريحات آبي المتكررة بشأن ضرورة حصول إثيوبيا الحبيسة على منفذ إلى البحر. وآبي يقول إنه يريد تحقيق ذلك عبر الحوار، بينما تنظر إريتريا إلى بعض هذا الخطاب باعتباره تهديدًا محتملًا.
والآن تتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بتمويل خصومها المسلحين. أسمرة تنفي ذلك.
حتى الآن لا توجد في المصادر الموثوقة التي راجعتها أدلة على دخول الجيش الإريتري رسميًا في المعارك الحالية. لكن تحوله من حليف سابق لآبي إلى دولة تتهمها أديس أبابا بدعم خصومها يجعل البعد الإقليمي أحد أخطر عناصر الأزمة.
هل آبي أحمد في موقف أضعف أم أقوى؟
لا يمكن اختزال الصورة في إجابة واحدة.
الحكومة تحتفظ بالجيش الفيدرالي، والتفوق الجوي والمسيّرات، وأجهزة الدولة، والعاصمة، وأغلبية برلمانية واسعة. وفي المقابل، أصبح التحدي العسكري أكثر اتساعًا، وظهر للمرة الأولى تحالف يضم تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو وتنظيمات أخرى تحت هدف سياسي معلن واحد.
لذلك، التحليل الأكثر دقة هو أن آبي ما زال ممسكًا بمؤسسات الحكم، لكنه يواجه بيئة أمنية أكثر تعقيدًا من أي وقت منذ اتفاق 2022.
ولا يمكن من المعلومات المتاحة الآن الجزم بأن التحالف الجديد قادر على إسقاط الحكومة، كما لا يمكن اعتبار إعلان الجيش عن خسائر خصومه دليلًا على انتهاء التهديد. القدرة الفعلية للتحالف على العمل كقوة عسكرية واحدة لم تُختبر بصورة كافية بعد.
ما الذي يجب مراقبته خلال الأيام المقبلة؟
أهم مؤشرات تطور الصراع ستكون ما إذا كانت قوات تيغراي ستحتفظ بالمطارات، وما إذا كانت المعارك ستتوسع حول لاليبيلا وشمال أمهرة، وهل يبدأ جيش تحرير أورومو وفانو عمليات واسعة ومتزامنة، إضافة إلى أي تدخل إريتري مباشر أو غير مباشر.
كما سيكون مهمًا معرفة ما إذا كانت الحكومة ستواصل الاعتماد على الضربات بالطائرات المسيّرة أو تدفع بقوات برية أكبر نحو تيغراي.
أما سياسيًا، فأي محاولة وساطة جديدة من الاتحاد الأفريقي أو القوى الدولية قد تحدد ما إذا كان اتفاق بريتوريا يمكن إحياؤه، أم أن إثيوبيا انتقلت بالفعل إلى مرحلة حرب جديدة.
حرب مفتوحة في أثيوبيا
إثيوبيا لا تشهد مجرد اشتباكات محلية الآن؛ بل عودة حرب مفتوحة بين قوات تيغراي والجيش الفيدرالي بالتزامن مع محاولة سبع جماعات مسلحة إنشاء جبهة مشتركة ضد حكومة آبي أحمد.
آبي ما زال يسيطر سياسيًا على الحكومة ولديه أغلبية برلمانية كبيرة، والجيش الفيدرالي يمتلك تفوقًا مهمًا في الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة. لكن الحكومة تواجه الآن ضغطًا عسكريًا موزعًا على عدة أقاليم، مع توتر متزايد مع إريتريا وانهيار فعلي لمعظم ترتيبات السلام في تيغراي.


