ويخلق من الشبه أربعين.. هل أصبح شبيه الفنان وظيفة في زمن السوشيال ميديا؟
لم تعد عبارة «يخلق من الشبه أربعين» مجرد مثل شعبي يتردد عندما نصادف شخصًا يشبه آخر، بل يبدو أنها تحولت في عصر مواقع التواصل الاجتماعي إلى سوق كامل له نجومه وصفحاته ولقاءاته وحضوره في المناسبات.
كل فنان تقريبًا أصبح له «شبيه»، وبعض هؤلاء الأشباه لم يعودوا يكتفون بصورة عابرة أو تعليق من الأصدقاء يخبرهم بأن ملامحهم تقترب من أحد المشاهير، وإنما تحول التشابه لدى البعض إلى هوية عامة، وسبب للظهور الإعلامي، وربما مصدر دخل وفرصة لحضور الحفلات والمناسبات.
وهنا يبرز السؤال: هل أصبح مجرد الشبه بالفنان مهنة؟
من المصادفة إلى لقب دائم
الأمر يبدأ غالبًا بصورة بسيطة.
يقول الأصدقاء لشخص ما إنه يشبه فنانًا أو مطربًا معروفًا، ثم تظهر صورة على مواقع التواصل، ويتفاعل معها المستخدمون، وبعد فترة يصبح الاسم مسبوقًا بعبارة «شبيه فلان» أو «شبيهة فلانة».
لكن الغريب أن اللقب الذي كان يفترض أن يكون مجرد وصف عابر قد يتحول إلى الهوية الأساسية للشخص.
فبدل أن يعرف الجمهور اسمه أو عمله أو موهبته، يصبح معروفًا فقط لأنه يحمل بعض ملامح فنان شهير.
وتزداد المفارقة عندما نصل إلى مرحلة يكون فيها «شبيه الفنان» نفسه سببًا في اكتشاف «شبيه فنان آخر»، وكأننا أمام سلسلة ممتدة من النسخ البشرية التي تصنع شهرتها من التشابه فقط.

شبيهة تكتشف شبيهة.. والمشهد يتحول إلى عالم مستقل
في بعض اللقاءات المنتشرة عبر مواقع التواصل، يظهر أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم أشباهًا لفنانين معروفين.
فتظهر فتاة باعتبارها شبيهة لفنانة، ثم تروي أن أول من اكتشف تشابهها كانت بدورها شبيهة لفنانة أخرى.
وبينما يتصفح المستخدم المنصات، قد يصادف بعد دقائق شبيه مطرب شهير أو شبيهة ممثلة أخرى في خلاف أو لقاء أو مناسبة.
المشهد في حد ذاته أصبح كأنه مجتمع موازٍ للمشاهير الأصليين.
الفنان له شبيه، والشبيه يظهر في البرامج، ويحضر المناسبات، ويتصور مع الجمهور، وربما يدخل في خلافات تثير الجدل وتحقق المشاهدات.
لماذا ازدهرت ظاهرة أشباه الفنانين؟
السوشيال ميديا تكافئ الغريب قبل الموهوب
قبل عصر الإنترنت كان التشابه مع أحد الفنانين قد يثير الدهشة لبضع دقائق ثم ينتهي الأمر.
أما اليوم فالصورة الواحدة قد تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.
وخوارزميات المنصات لا تسأل بالضرورة إن كان الشخص صاحب موهبة أو مشروع أو محتوى حقيقي؛ ما يهم هو أن يتوقف المستخدم أمام المنشور.
وصورة تحمل عنوان:
«لن تصدق مدى الشبه بين هذه الفتاة والفنانة فلانة»
قد تكون كافية لتحقيق آلاف المشاركات.
ومن هنا يبدأ الطريق إلى الشهرة.
الفضول يصنع الترند
الجمهور نفسه جزء أساسي من انتشار الظاهرة.
فالناس بطبيعتهم تحب المقارنة.
«هل يشبهه فعلًا؟»
«نفس العينين لكن الوجه مختلف».
«من بعيد نسخة منه».
هذه التعليقات، حتى الساخرة منها، تتحول إلى تفاعل، والتفاعل يتحول إلى انتشار، والانتشار قد يتحول إلى دعوات للبرامج والمناسبات.
وهكذا يصبح الفضول نفسه وقودًا لصناعة شريحة جديدة من مشاهير الإنترنت.
عندما يتحول الشبه إلى «براند»
المشكلة ليست في أن شخصًا يشبه فنانًا.
فهذا أمر طبيعي تمامًا.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الأمر إلى مشروع كامل قائم على فكرة واحدة:
أنا أشبه شخصًا مشهورًا، إذن يجب أن أصبح مشهورًا أنا أيضًا.
فتبدأ الملابس في الاقتراب من أسلوب الفنان، وتسريحات الشعر، والصور، وطريقة الظهور، وربما محاولة تقليد طريقة الحديث والحركة.
وهنا لا يعود الأمر مجرد تشابه طبيعي، بل يتحول إلى محاولة لبناء علامة شخصية مستعارة من شهرة شخص آخر.
هل يمكن أن يصبح الشبه عملًا؟
واقع الإنترنت يقول نعم.
فقد يؤدي الانتشار إلى إعلانات أو ظهور إعلامي أو دعوات لحضور حفلات ومناسبات أو صناعة محتوى.
وهنا لا توجد مشكلة في أن يستفيد الإنسان من فرصة أتاحتها له الحياة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
ماذا يقدم بعد انتهاء دهشة الشبه؟
فإذا كانت الإجابة «لا شيء»، تصبح المهنة نفسها شديدة الهشاشة.
لأن الجمهور قد ينبهر بالصورة الأولى والثانية، لكنه سرعان ما يبحث عن شيء آخر.
موهبة.
شخصية.
فكرة.
محتوى.
تمثيل.
غناء.
كوميديا.
أي شيء يجعل الشخص يستحق المتابعة باسمه هو، لا باسم الشخص الذي يشبهه.
المشكلة ليست في الشبيه بل في تحويل الشبه إلى موهبة
من الظلم السخرية من شخص بسبب ملامحه أو منعه من الاستفادة من تشابه طبيعي مع فنان.
لكن من المشروع انتقاد الثقافة الرقمية التي أصبحت أحيانًا تمنح الشهرة لأي شيء قابل للانتشار، حتى لو لم توجد خلفه قيمة حقيقية.
ففي الماضي كان الفنان يحتاج إلى سنوات من التدريب والعمل حتى يعرفه الجمهور.
أما اليوم فقد تكفي صورة بعنوان مثير لكي يتحول شخص مجهول إلى ضيف برامج ومناسبات.
وهذا يعكس تغيرًا أكبر في مفهوم الشهرة نفسها.
زمن الشهرة قبل الإنجاز
السوشيال ميديا قلبت المعادلة التقليدية.
قديمًا كان المسار غالبًا:
موهبة ← عمل ← نجاح ← شهرة.
أما الآن فأصبح من الممكن أن يكون:
ترند ← شهرة ← بحث لاحق عن شيء يبرر الشهرة.
وهذه ربما أبرز أزمة في ظاهرة أشباه الفنانين.
فالشخص قد يصبح معروفًا قبل أن يعرف هو نفسه بماذا يريد أن يكون معروفًا.
الفوضى الرقمية تصنع مشاهيرها
الإنترنت لم يعد يفرز المشاهير بناءً على معيار واحد.
هناك فنان.
وهناك رياضي.
وهناك صانع محتوى.
وهناك من أصبح مشهورًا بسبب فيديو مدته عشر ثوانٍ.
وهناك من أصبح مشهورًا بسبب جملة.
وهناك من اشتهر فقط لأنه يشبه شخصًا مشهورًا.
وهذا ليس استثناءً بقدر ما هو جزء من نظام رقمي أصبحت فيه القدرة على جذب الانتباه قيمة اقتصادية بحد ذاتها.
كل مشاهدة لها ثمن.
وكل تعليق يزيد الانتشار.
وكل جدل قد يصنع فرصة جديدة.
من «شبيه الفنان» إلى حضور المناسبات
المرحلة الأكثر غرابة تأتي عندما يبدأ بعض الأشباه في الظهور بالمناسبات والفعاليات باعتبارهم شخصيات عامة مستقلة.
هنا تصبح الدائرة مكتملة.
فالشهرة التي جاءت أصلًا بسبب فنان آخر تتحول إلى سبب للحصول على حضور اجتماعي وإعلامي جديد، وهذا الحضور بدوره يزيد الشهرة.
فتنشأ حلقة:
شبه → ترند → ظهور إعلامي → مناسبات → صور جديدة → ترند جديد.
وبمرور الوقت قد يعرف الجمهور الشبيه نفسه، رغم أنه لم يقدم عملًا فنيًا واحدًا.
«كل الفنانين طلع لهم شبيه»
ربما لهذا أصبح المشهد أحيانًا أقرب إلى الكوميديا.
شبيه ممثل.
شبيهة ممثلة.
شبيه مطرب.
وشبيه فنان من زمن الفن الجميل.
وبعد فترة تبدأ مواقع التواصل في التعامل مع هذه الظاهرة وكأنها تصنيف مستقل من المشاهير.
وهنا تستعيد عبارة «ويخلق من الشبه أربعين» معناها بشكل جديد تمامًا؛ فالأربعون هذه المرة لديهم صفحات ومتابعون ولقاءات وربما مدير أعمال أيضًا.
لكن أين الموهبة؟
هذا هو السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط الضحك والترند.
الشكل ليس إنجازًا.
الإنسان لم يختر ملامحه حتى تعتبر في حد ذاتها موهبة.
لذلك فإن تحويل التشابه الجسدي وحده إلى سبب دائم للشهرة يعكس مشكلة أعمق في ثقافة الإنترنت: الخلط بين الشهرة والقيمة.
ليس كل مشهور موهوبًا.
وليس كل موهوب مشهورًا.
والمشاهدات وحدها ليست دليلًا على الجودة.
الشبه يمكن أن يكون البداية.. وليس المهنة كلها
ربما يكون الموقف الأكثر توازنًا هو اعتبار التشابه فرصة لفتح الباب.
إذا كنت تشبه فنانًا واكتسبت بسببه آلاف المتابعين، فقد حصلت على فرصة لا يحصل عليها كثيرون.
لكن ماذا تفعل بهذه الفرصة؟
يمكن أن تصبح ممثلًا إذا امتلكت الموهبة.
أو صانع محتوى.
أو مقدم برامج.
أو كوميديًا.
أو حتى تقدم محتوى ساخرًا ذكيًا حول التشابه نفسه.
عندها يتحول الشبه إلى نقطة بداية وليس إلى السيرة الذاتية كاملة.
«أنا شبيه فلان» لا ينبغي أن تكون مهنة للأبد
في النهاية، ظاهرة أشباه الفنانين ليست أخطر ظواهر الإنترنت، وربما تمنح الجمهور بعض الترفيه والضحك.
لكنها تكشف بوضوح طبيعة زمن أصبح فيه الوصول إلى الشهرة أسهل كثيرًا من العثور على سبب حقيقي لاستمرارها.
يمكن للملامح أن تمنح صاحبها دقيقة من الانتباه.
وقد تمنحه فيديو ينتشر بالملايين.
وربما تمنحه دعوة إلى برنامج أو مناسبة.
لكن الموهبة والعمل والشخصية هي الأشياء الوحيدة القادرة على تحويل تلك الدقيقة إلى مسيرة حقيقية.
وإلا سيظل السؤال يطارد الظاهرة كلها:
بعد أن عرفنا أنك تشبه الفنان فلان.. ماذا لديك أنت؟


