تدخل ذكرى هجوم 7 أكتوبر 2023 بقوة إلى قلب السباق الانتخابي الإسرائيلي، ليس فقط باعتبارها قضية أمنية وسياسية كبرى، وإنما من خلال مرشحين عاشوا تداعيات ذلك اليوم بصورة مباشرة، وفقدوا أبناء أو أشقاء أو خاضوا حملات طويلة من أجل إعادة رهائن كانوا محتجزين في قطاع غزة.
وبعد ثلاث سنوات من الهجوم، يخوض تسعة إسرائيليين على الأقل من عائلات تضررت بصورة مباشرة من أحداث 7 أكتوبر انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر 2026، موزعين على أحزاب تمتد من اليمين إلى الوسط والمعارضة، فيما يقول معظمهم إن تجربتهم الشخصية دفعتهم إلى الانتقال من النشاط العام إلى السياسة
ويقول هؤلاء إنهم يريدون تحويل الفقد والصدمة إلى محاولة لإصلاح مؤسسات الدولة، لكنهم يختلفون بصورة واضحة حول الطريق إلى ذلك؛ فبعضهم يحمل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية سياسية عن إخفاقات 7 أكتوبر، بينما يرى آخرون أن نتنياهو نفسه هو الشخص الأنسب لقيادة إسرائيل في المرحلة المقبلة.
ميخال هيرش نيجري.. ابنها قُتل في بئيري فدخلت السياسة
من أبرز هذه الأسماء ميخال هيرش نيجري، 60 عامًا، التي تخوض الانتخابات ضمن حزب «معًا» الذي يقوده رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت.
وفقدت نيجري ابنها روي خلال الهجوم على تجمع بئيري السكني، حيث شارك في محاولة التصدي للمسلحين بعدما استدعى رفاقه من وحدة الاحتياط لمكافحة الإرهاب.
وتقول والدته إن العبارة التي بقيت في ذاكرتها من آخر لحظاته كانت دعوته لرفاقه إلى التركيز على إنقاذ الناس بدل الانشغال بمشهد القتلى.
من الحزن إلى محاولة «إصلاح ما تعطل»
تقدم نيجري ترشحها باعتباره امتدادًا لفلسفة ابنها في التعامل مع الأزمات.
وقالت، وفق رويترز، إن الجميع يعرف ما هو سيئ وما هو معطل، لكن استمرار الحديث عن سوء الحكومة وحده لن يصلح الوضع، مشيرة إلى أن ابنها كان دائمًا يسأل: ماذا يمكننا أن نفعل لإصلاح المشكلة؟
ويمثل حزب «معًا» جزءًا من معسكر سياسي يسعى إلى إنهاء حكم الائتلاف القومي الديني بقيادة نتنياهو.

نعوم تيبون.. جنرال سابق خاض طريقه إلى ناحال عوز
ومن المرشحين كذلك الجنرال السابق نعوم تيبون، 64 عامًا، الذي أصبح اسمه مرتبطًا مباشرة بأحداث 7 أكتوبر بعدما انطلق برفقة زوجته من تل أبيب باتجاه ناحال عوز لإنقاذ ابنه وأسرته الذين كانوا محاصرين داخل منزلهم.
وخلال الطريق، شارك تيبون في مواجهات مع مسلحين وساهم في إجلاء جرحى إلى المستشفى.
ويخوض تيبون الانتخابات وهو يصف 7 أكتوبر بأنه أكبر إخفاق في تاريخ إسرائيل من وجهة نظره، ويطالب مع جزء كبير من المعارضة بمساءلة سياسية وأمنية أوسع عما حدث.
وفي المقابل، يرفض نتنياهو تحمل المسؤولية الشخصية عن الخرق الأمني، كما قاوم الدعوات إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة بالشكل الذي يطالب به خصومه.
شارون شرابي.. حمل قضية شقيقيه من الرهائن إلى الكنيست
أما شارون شرابي، 51 عامًا، فيخوض الانتخابات عن حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني.
واشتهر شرابي خلال السنوات الماضية بنشاطه في حملة إعادة الرهائن من غزة، بعدما كان شقيقاه يوسي وإيلي شرابي ضمن من اقتادتهم حماس من بئيري في 7 أكتوبر.
ولم ينج يوسي من الاحتجاز، بينما أُطلق سراح إيلي في مطلع 2025 بعد نحو 500 يوم، بعد أن قُتلت زوجته وابنتاه خلال الهجوم على التجمع السكني.
«لا أستطيع الوقوف متفرجًا»
يقول شرابي إن تجربته مع ملف الرهائن غيرت نظرته إلى القيادة السياسية.
وبحسب رويترز، قال إنه توصل بعد عودة الرهائن إلى قناعة بأنه لا يستطيع الوقوف جانبًا وترك الأمور تسير كما كانت، ولذلك قرر الانتقال إلى السياسة باعتبارها «مهمة» لإحداث تغيير
ليس الجميع ضد نتنياهو
رغم أن غالبية المرشحين القادمين من عائلات متضررة من هجوم 7 أكتوبر انضموا إلى أحزاب معارضة، فإن المشهد لا يسير في اتجاه واحد.
فقد اختار نتنياهو شخصيًا طاليك جفيلي للترشح ضمن قائمة الليكود.
وكان ابنها ران جفيلي، وهو ضابط شرطة، آخر رهينة إسرائيلي يُستعاد رفاته من قطاع غزة.
وتقول جفيلي إنها تعتبر دخولها السياسة استمرارًا للمهمة التي بدأها ابنها عندما توجه للدفاع عن إسرائيل يوم الهجوم.
جفيلي تدافع عن نتنياهو
على خلاف عدد من المرشحين الآخرين، أعلنت جفيلي دعمها لنتنياهو.
وقالت في مقطع دعائي للحزب إنها تريد قائدًا قويًا تستطيع الاعتماد عليه، مشيرة إلى أن نتنياهو وعد بإعادة ابنها ووفى بهذا الوعد، وفق تعبيرها.
ويبرز وجودها على قائمة الليكود الانقسام السياسي حتى بين العائلات التي عاشت تجارب متشابهة في 7 أكتوبر.
شيرا شابيرو.. «واصلوا بعدي» تتحول إلى شعار سياسي
تحمل قصة شيرا شابيرو، 51 عامًا، أحد أكثر الرموز حضورًا في هذه الانتخابات.
فقد فقدت ابنها الأكبر أنير شابيرو، الجندي والموسيقي البالغ من العمر 22 عامًا، خلال الهجوم على مهرجان «نوفا».
وكان أنير خارج الخدمة عندما لجأ مع 26 شخصًا آخرين إلى ملجأ على جانب الطريق هربًا من الهجوم.
وبحسب شهادات ومواد مصورة من الواقعة، كان المسلحون يلقون القنابل اليدوية داخل الملجأ، بينما كان أنير يلتقط بعضها ويرميها إلى الخارج.
العبارة الأخيرة التي دفعت والدته إلى الترشح
قال أنير للموجودين معه إنه إذا أصيب فعليهم الاستمرار من بعده.
وتقول والدته إنها تسمع اليوم هذه العبارة بمعنى يتجاوز اللحظة التي قيلت فيها، وإنها تراها تكليفًا شخصيًا بمواصلة الطريق بعده.
وتخوض شابيرو الانتخابات عن حزب «ياشار» الوسطي الجديد بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي فقد هو الآخر ابنه أثناء خدمته العسكرية في غزة.

من الألم الشخصي إلى مشروع سياسي
لا تتشابه مواقف هؤلاء المرشحين سياسيًا، لكنهم يشتركون في نقطة واحدة: 7 أكتوبر هو السبب المباشر أو أحد الأسباب الرئيسية لدخولهم الحياة السياسية.
فبالنسبة إلى بعضهم، الانتخابات فرصة لمحاسبة القيادة التي كانت في السلطة وقت الهجوم.
وبالنسبة إلى آخرين، هي فرصة لتعزيز القيادة الحالية أو ضمان استمرار السياسات الأمنية التي يعتبرون أنها أعادت بناء قوة الردع الإسرائيلية.
وتقول رويترز إن المرشحين التسعة موزعون على طيف سياسي واسع، لكنهم جميعًا يتحدثون بدرجات مختلفة عن ضرورة معالجة الانقسامات والصدمة التي خلفتها أحداث السنوات الثلاث الماضية.
انتخابات إسرائيل الأولى بعد 7 أكتوبر
تكتسب انتخابات 27 أكتوبر 2026 أهمية خاصة لأنها أول انتخابات برلمانية إسرائيلية تُجرى منذ هجوم 7 أكتوبر والحرب الطويلة التي أعقبته.
ولهذا تحضر ملفات الأمن والرهائن والمحاسبة السياسية بصورة غير مسبوقة تقريبًا داخل الحملات الانتخابية.
كما أصبح السؤال عن المسؤولية عن الفشل الأمني في 2023 أحد أبرز خطوط الانقسام بين نتنياهو ومعارضيه.
نتنياهو يحاول استعادة صورة «حامي إسرائيل»
يخوض نتنياهو الانتخابات محاولًا إعادة تقديم نفسه للناخب باعتباره صاحب الخبرة الأمنية الأكبر، رغم الانتقادات الموجهة لحكومته بشأن أحداث 7 أكتوبر.
وتشير رويترز إلى أن حملته تعتمد جزئيًا على إبراز العمليات العسكرية التي نفذتها إسرائيل في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، في محاولة لاستعادة الصورة التقليدية لنتنياهو باعتباره «حامي إسرائيل».
لكن خصومه يستخدمون 7 أكتوبر نفسه لتحدي هذه الصورة، معتبرين أن الاختراق الأمني يمثل دليلًا على إخفاق الحكومة.
غادي آيزنكوت يجذب جزءًا من عائلات 7 أكتوبر
يمثل حزب «ياشار» بقيادة غادي آيزنكوت أحد أبرز مراكز الجذب لشخصيات مرتبطة بالحرب والرهائن وأحداث 7 أكتوبر.
وتضم قائمته شخصيات من عائلات متضررة وناجين وأفرادًا مرتبطين بملف الأسرى والجيش، في محاولة لتقديم الحزب باعتباره تعبيرًا عن تجربة ما بعد الحرب.
كما أن آيزنكوت نفسه يدخل المعركة الانتخابية بخلفية عسكرية وشخصية، بعدما فقد ابنه في الحرب على غزة.
حزب «إسرائيل بيتنا» يستقطب شارون شرابي
في المقابل، اختار شارون شرابي الترشح مع حزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان، وهو حزب يميني يتبنى خطًا أمنيًا متشددًا لكنه يعارض حكومة نتنياهو الحالية.
وتشير المنصة الانتخابية للحزب إلى دعمه تشكيل لجنة تحقيق رسمية بشأن أحداث 7 أكتوبر، إلى جانب تغييرات في ملفات الخدمة العسكرية والدولة والدين.
وهذا يوضح أن الانقسام داخل اليمين الإسرائيلي نفسه أصبح جزءًا أساسيًا من انتخابات 2026.
عائلات 7 أكتوبر ليست كتلة سياسية واحدة
ورغم كثافة حضور عائلات الضحايا والرهائن في القوائم الانتخابية، فإن التعامل معهم باعتبارهم كتلة سياسية موحدة سيكون غير دقيق.
فهناك من يؤيد نتنياهو.
وهناك من يريد الإطاحة به.
وهناك من يأتي من الوسط، وآخرون من اليمين.
وقد لفتت تقارير إسرائيلية وعربية إلى أن الأحزاب سعت خلال الأشهر الماضية إلى ضم شخصيات معروفة بارتباطها بأحداث 7 أكتوبر إلى قوائمها الانتخابية، نظرًا إلى الثقل الرمزي والاجتماعي لهذه الشخصيات.
7 أكتوبر يتحول إلى معركة على معنى «الإصلاح»
المثير في هذه الانتخابات أن معظم الأطراف تستخدم كلمة «الإصلاح»، لكن كل طرف يعطيها معنى مختلفًا.
بالنسبة إلى المعارضة، تعني الإصلاح مساءلة القيادة وتغيير الحكومة والتحقيق في الإخفاقات الأمنية.
أما بعض المرشحين المؤيدين لنتنياهو، فيرون أن الإصلاح يعني الاستمرار في النهج العسكري والأمني الذي اتبعته الحكومة بعد الهجوم.
وهكذا يتحول الحدث نفسه إلى مصدر لروايتين سياسيتين متعارضتين.
لماذا تلجأ الأحزاب إلى عائلات 7 أكتوبر؟
تملك هذه الشخصيات شيئًا لا يستطيع السياسي التقليدي الحصول عليه بسهولة: تجربة شخصية مباشرة مع الحدث الذي غيّر إسرائيل سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا.
فحديث أم فقدت ابنها في بئيري أو نوفا، أو شقيق أمضى سنوات يطالب بإعادة أقاربه من الأسر، يمتلك وزنًا عاطفيًا وسياسيًا مختلفًا عن خطاب مرشح محترف.
ولهذا تسعى الأحزاب إلى تقديم هؤلاء المرشحين باعتبارهم شخصيات قادمة من المجتمع وليس من الطبقة السياسية التقليدية.
لكن دخولهم السياسة يعني أيضًا أنهم أصبحوا جزءًا من صراع حزبي، وليسوا مجرد رموز وطنية فوق الانقسامات.
هل يستطيعون بالفعل تغيير السياسة الإسرائيلية؟
هذا يتوقف أولًا على المواقع التي يحصلون عليها في القوائم وعدد المقاعد التي تفوز بها أحزابهم.
فوجود اسم بارز في قائمة انتخابية لا يعني بالضرورة دخوله الكنيست، خصوصًا مع نظام التمثيل النسبي والمنافسة الحادة بين الأحزاب.
لكن تأثير هؤلاء لا يقتصر على الفوز بمقعد.
وجودهم في الحملات يضمن استمرار قضايا الرهائن، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، وتعويض المجتمعات المتضررة، ومسؤولية القيادة السياسية في قلب النقاش الانتخابي.
انتخابات تحمل جراح الحرب إلى صناديق الاقتراع
بعد ثلاث سنوات من الهجوم، لا يبدو 7 أكتوبر مجرد حدث تاريخي في إسرائيل.
فالمرشحون الذين خرجوا من قلب تلك التجربة أصبحوا الآن جزءًا مباشرًا من المنافسة على السلطة.
أم تبحث عن معنى لوفاة ابنها.
وأخرى تسمع في آخر كلماته دعوة إلى أن «تواصل بعده».
وشقيق قضى سنوات من حياته مطالبًا بإعادة شقيقيه من غزة.
وجنرال سابق رأى الهجوم بعينيه وهو يتجه لإنقاذ أسرته.
وفي الجانب الآخر، أم ترى في نتنياهو القائد الذي نفذ وعده بإعادة ابنها.
وهكذا تنتقل جراح 7 أكتوبر من ساحات بئيري ونوفا وناحال عوز إلى صناديق الاقتراع والكنيست، لتصبح واحدة من أهم القوى التي تعيد تشكيل انتخابات إسرائيل 2026.


