توتر أمريكي بريطاني بعد «مخطط فيرفورد».. هل تسحب واشنطن قاذفاتها من بريطانيا؟
تواجه العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وبريطانيا اختبارًا حساسًا بعد التحقيق في واقعة أمنية قرب قاعدة RAF Fairford البريطانية، التي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية وتستضيف قاذفات استراتيجية من طراز B-1B Lancer شاركت في عمليات مرتبطة بالحرب مع إيران.
وأثار قرار السلطات البريطانية الإفراج بكفالة عن عدد من المشتبه بهم انتقادات أمريكية علنية، إذ قال الرئيس دونالد ترامب إنه فوجئ بالقرار، بينما وصف وزير الخارجية ماركو روبيو القضية بأنها خطيرة وأشار إلى احتمال تورط «طرف أجنبي». لكن السلطات البريطانية تؤكد أن الإفراج بكفالة لا يعني انتهاء التحقيق، وأن المشتبه بهم ما زالوا خاضعين لقيود وتحقيقات مستمرة.
ماذا حدث قرب قاعدة فيرفورد؟
بدأت الواقعة عندما أبلغ أحد السكان عن تحركات مريبة قرب القاعدة، شملت ثلاث مركبات وعددًا من الأشخاص في محيطها.
وألقت الشرطة البريطانية القبض على خمسة رجال في العشرينيات من العمر للاشتباه في جرائم تتعلق بالإرهاب والمتفجرات، قبل الإفراج عنهم بكفالة.
وبحسب الشرطة البريطانية، عُثر داخل المركبات على كمية من البنزين، لكن لم يتم العثور على عبوات ناسفة أو أجهزة تفجير جاهزة.
وتؤكد هذه النقطة أن بعض الروايات التي تحدثت في البداية عن «سيارات محملة بالمتفجرات» تجاوزت ما أثبتته التحقيقات المنشورة حتى الآن.
التحقيق يصل إلى مشتبه به بريطاني إيراني
اتسعت التحقيقات لاحقًا مع توقيف مواطن يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية في لندن للاشتباه في التحضير لأعمال إرهابية.
ثم أُفرج عنه هو الآخر بكفالة في 3 أكتوبر، مع استمرار التحقيقات.
وقالت منسقة مكافحة الإرهاب البريطانية إن السلطات تدرس «جميع الاحتمالات»، بما في ذلك احتمال وجود تدخل من دولة أجنبية.
هل تقف إيران وراء القضية؟
هنا تظل الصورة غير محسومة.
رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام قال إن هناك «مؤشرات قوية» على دور إيراني محتمل، بينما لمح ترامب وروبيو كذلك إلى وجود طرف أجنبي.
لكن الشرطة لم تعلن حتى الآن أدلة نهائية تثبت أن إيران أمرت بالعملية، كما نفت طهران أي صلة بالواقعة واحتجت رسميًا على الاتهامات.
لذلك فإن الأدق صحفيًا هو الحديث عن اشتباه في صلة إيرانية قيد التحقيق، وليس عن مخطط إيراني مثبت.

لماذا تمثل قاعدة فيرفورد أهمية كبيرة للولايات المتحدة؟
تعد فيرفورد إحدى أهم القواعد التي يمكن للولايات المتحدة استخدامها لاستقبال القاذفات الثقيلة في أوروبا.
فالقاعدة تمتلك مدرجًا طويلًا ومرافق مناسبة لقاذفات B-1 وB-52، واستخدمتها الولايات المتحدة خلال العمليات ضد إيران في 2026. وتشير تقارير عسكرية إلى أن نحو 12 قاذفة B-1 كانت موجودة في فيرفورد خلال ذروة الانتشار الأمريكي المرتبط بالحرب الإيرانية، وهو مستوى انتشار استثنائي لهذا النوع من القاذفات.
إيران سبق أن هددت القاعدة
سبق للحرس الثوري الإيراني أن اعتبر القواعد التي تُستخدم لتنفيذ ضربات ضد الأراضي الإيرانية «أهدافًا عسكرية مشروعة»، وذكر فيرفورد بالاسم بعد انطلاق قاذفات أمريكية منها.
وهذا يعطي التحقيق الحالي حساسية مضاعفة، لأن أي إثبات لوجود دعم إيراني لمخطط ضد القاعدة سيحوّل القضية من ملف إرهاب داخلي إلى أزمة أمنية بين دول.
ترامب ينتقد الإفراج عن المشتبه بهم
ركز الجانب الأمريكي بصورة خاصة على قرار الإفراج بكفالة.
وقال ترامب إنه كان «متفاجئًا» من إطلاق سراح المشتبه بهم، مضيفًا أنه شخصيًا لم يكن ليتخذ القرار نفسه، وإن كان قد أكد احترامه للشرطة البريطانية.
أما ماركو روبيو فقال إن كثيرين في واشنطن شعروا بالقلق من الخطوة، ووصف القضية بأنها خطيرة للغاية.
في المقابل، دافعت الحكومة البريطانية عن طريقة إدارة التحقيق، وأكدت ثقتها في أجهزة مكافحة الإرهاب، مشيرة إلى أن الإفراج بكفالة لا يعني تبرئة الأشخاص أو إنهاء التحقيق.
هل توجد فعلًا «أزمة ثقة» بين واشنطن ولندن؟
يمكن القول إن هناك توترًا علنيًا حول إدارة القضية، لكن وصف الوضع بأنه أزمة أمنية شاملة بين البلدين يحتاج إلى قدر من التحفظ.
فالولايات المتحدة وبريطانيا واصلتا التعاون في التحقيق، كما أشاد ترامب نفسه في البداية بالعمل المشترك الذي أدى إلى توقيف المشتبه بهم.
وبالتالي فإن الخلاف الحالي يبدو مركزًا أساسًا على قرار الإفراج بكفالة وتقييم حجم الخطر، وليس انهيارًا للتعاون الاستخباراتي أو الدفاعي بين واشنطن ولندن.
ماذا عن سحب 8 قاذفات من أصل 12؟
هذه إحدى أهم النقاط التي تحتاج إلى التدقيق.
تحدثت تقارير إسرائيلية عن بدء الولايات المتحدة سحب 8 قاذفات من أصل 12 من فيرفورد، وربطت الخطوة مباشرة بفقدان الثقة في الإجراءات الأمنية البريطانية.
لكن المصادر الأمريكية والبريطانية الكبرى التي راجعت تطورات القضية حتى الآن لا تقدم تأكيدًا رسميًا بأن الولايات المتحدة اتخذت قرارًا بسحب ثماني قاذفات عقابًا لبريطانيا.
كما أن حركة قاذفات B-1 من وإلى فيرفورد جزء طبيعي من عمليات الانتشار والمهام العسكرية، وظهرت خلال الأيام نفسها تقارير وصور لطائرات أمريكية تهبط وتغادر القاعدة أثناء استمرار التحقيق
ولذلك يجب نشر الرقم، إن استخدم، بهذه الصيغة: «بحسب تقارير إسرائيلية غير مؤكدة رسميًا».
لا دليل حتى الآن على إخلاء القاعدة الأمريكية
لا توجد معلومات موثوقة تفيد بأن الولايات المتحدة قررت التخلي عن فيرفورد.
فالقاعدة تظل موقعًا مهمًا للقيادة الأمريكية في أوروبا، وتضم بنية تحتية مخصصة لدعم عمليات القاذفات والاستطلاع والانتشار السريع.
ومن ثم فإن سحب بعض الطائرات، حتى إذا تأكد، لا يعني بالضرورة نقل الوجود الأمريكي بالكامل خارج بريطانيا.
بولندا تدخل الصورة.. لكن القصة بدأت قبل حادث فيرفورد
تحدث التقرير الإسرائيلي كذلك عن اتصالات أمريكية بولندية بشأن إنشاء قاعدة أمريكية كبرى في بولندا، وربطها بالأزمة الأمنية في بريطانيا.
لكن هنا أيضًا توجد نقطة مهمة.
فالمباحثات الأمريكية البولندية بشأن قاعدة أمريكية دائمة في بولندا سبقت حادث فيرفورد بعدة أشهر.
وفي يونيو 2026، أعلن وزير الدفاع البولندي أن البنتاغون أبدى انفتاحًا على مقترح وارسو لاستضافة قاعدة أمريكية دائمة، في إطار تعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو ومراجعة انتشار القوات الأمريكية في أوروبا.
لذلك فإن ربط مشروع القاعدة البولندية مباشرة بمحاولة استهداف فيرفورد يبدو مبالغة ما لم تظهر معلومات جديدة تثبت أن واشنطن سرعت المشروع بسبب الحادث.
. هل يمكن أن تغير حادثة واحدة خريطة الانتشار الأمريكي؟
من المستبعد أن تبني الولايات المتحدة قرارًا ضخمًا يتعلق بإعادة توزيع قواتها في أوروبا على واقعة أمنية واحدة فقط.
لكن حادث فيرفورد يمكن أن يؤثر في كيفية حماية القواعد الأمريكية، ومستوى القوات الأمنية المحيطة بها، وطريقة تعامل واشنطن مع صلاحيات التحقيق البريطانية عندما يتعلق الأمر بمنشآت تخدم عمليات أمريكية حساسة.
كما يمكن أن يشجع البنتاغون على توزيع القاذفات على عدد أكبر من القواعد بدل تركيز أعداد كبيرة منها في منشأة واحدة.
وهذا ينسجم أصلًا مع العقيدة الأمريكية الحديثة التي تركز على الانتشار المرن واستخدام عدة قواعد لتقليل تعرض القوة الجوية لضربة واحدة.
لماذا تبدو بولندا خيارًا جذابًا؟
تقدم بولندا عدة مزايا للولايات المتحدة.
فهي تطالب منذ سنوات بوجود أمريكي دائم، وترفع إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة، كما أن موقعها على الجناح الشرقي للناتو يجعلها مهمة في حسابات الردع تجاه روسيا.
لكن في المقابل، فيرفورد تتمتع ببنية تحتية متخصصة للقاذفات الثقيلة ومخازن وطرق دعم لوجستي يصعب نقلها أو تعويضها سريعًا.
ولهذا فإن تعزيز الوجود الأمريكي في بولندا لا يعني بالضرورة التخلي عن بريطانيا.
الأزمة تكشف اختلافًا في فلسفة الأمن
الجانب الأكثر إثارة في القضية ليس عدد القاذفات الموجودة في القاعدة، وإنما اختلاف النظرة إلى كيفية إدارة الخطر.
واشنطن تنظر إلى فيرفورد باعتبارها منشأة أمريكية بالغة الحساسية تستخدم في حرب مفتوحة مع إيران، ولذلك تتعامل مع أي اقتراب مشبوه منها باعتباره تهديدًا استراتيجيًا.
أما السلطات البريطانية فهي ملزمة بقواعد قانونية خاصة بالاحتجاز والتحقيق والكفالة، وتؤكد أن إطلاق سراح المشتبه بهم لا يعني توقف التحقيق.
ومن هنا يظهر الاحتكاك بين العقلية العسكرية الأمريكية التي تريد احتواء الخطر بالكامل، والنظام القضائي البريطاني الذي يعمل وفق معايير احتجاز محددة.
إيران المستفيد الأكبر من الجدل؟
حتى من دون إثبات مسؤولية طهران عن الواقعة، فإن مجرد الاشتباه في وجود ارتباط إيراني يضع ضغوطًا إضافية على واشنطن ولندن.
فالحرب مع إيران لم تعد محصورة في الصواريخ والطائرات، وإنما تشمل أيضًا مخاوف من عمليات غير مباشرة وهجمات تخريبية ووكلاء محتملين في أوروبا.
لكن تحويل كل تحرك غامض قرب قاعدة أمريكية إلى «عملية إيرانية» قبل انتهاء التحقيق قد يخدم أيضًا حرب المعلومات بين الأطراف، وهو ما يجعل الدقة ضرورية في تناول القضية.
من فيرفورد إلى بولندا.. هل تتغير الخريطة العسكرية الأمريكية؟
حتى الآن، الصورة المؤكدة هي أن الولايات المتحدة غير راضية عن بعض جوانب التعامل البريطاني مع التحقيق، وأن ترامب وروبيو عبّرا عن ذلك علنًا.
كما أن بريطانيا تحقق بجدية في احتمال وجود دور لدولة أجنبية، بينما تنفي إيران أي علاقة بالواقعة.
أما الادعاء بأن واشنطن قررت بالفعل نقل معظم قاذفاتها من بريطانيا بسبب فقدان الثقة الأمنية، أو أن مشروع قاعدة بولندا جاء كرد مباشر على الحادث، فلا تدعمه حتى الآن المصادر الرسمية أو وكالات الأنباء الكبرى التي راجعت القضية.
وعليه، فإن القصة الأهم ليست «انسحاب أمريكا من بريطانيا» بقدر ما هي أزمة ثقة محدودة قد تدفع واشنطن إلى مراجعة إجراءات حماية واحد من أهم أصولها الجوية في أوروبا، بينما يستمر التحقيق في ما إذا كان ما جرى مجرد مخطط محلي أم جزءًا من مواجهة أوسع مع إيران.


