في الساعات الأولى من الصباح، تحولت رحلة أحد الأشخاص إلى عمله إلى بداية لكشف واحدة من أكثر الجرائم غموضًا، بعدما لفت انتباهه مشهد غير مألوف على حافة ترعة المريوطية، حيث ظهرت بطانية معلقة بين الزراعات وعليها آثار دماء.
ومع اقتراب الأهالي من المكان ومحاولتهم معرفة ما بداخل البطانية، ظهرت جثة سيدة في العشرينات من عمرها، عُثر عليها دون رأس وبدون ملابس، وبها آثار طعنات، لتبدأ الأجهزة الأمنية رحلة البحث عن هوية الضحية وكشف ملابسات الجريمة.
العثور على جثة سيدة داخل بطانية
انتقلت الأجهزة الأمنية إلى موقع العثور على الجثمان، وبدأت في فحص المنطقة المحيطة وتمشيطها بحثًا عن أي أدلة يمكن أن تساعد في تحديد هوية المجني عليها أو الوصول إلى مرتكب الواقعة.
وبالفحص، تبين أن الجثمان لسيدة في العقد الثالث تقريبًا، عُثر عليه ملفوفًا داخل بطانية، بينما لم يتم العثور على الرأس في محيط مكان العثور على الجثمان.
وجرى نقل الجثمان إلى مصلحة الطب الشرعي، لإجراء الصفة التشريحية وبيان سبب الوفاة، بالتزامن مع تكثيف التحريات حول ظروف وملابسات الواقعة.
8 طعنات تكشف تفاصيل الجريمة
كشف فحص الطب الشرعي أن المجني عليها تعرضت للقتل قبل العثور على جثمانها بساعات، بعدما أصيبت بـ8 طعنات في منطقتي الصدر والبطن، ما أدى إلى وفاتها.
كما أظهرت الفحوص وجود آثار لحيوانات منوية على جسدها، بما يشير إلى حدوث علاقة جنسية قبل وفاتها بوقت قصير، في حين لم تظهر على جسدها علامات مقاومة واضحة، وهو ما دفع فريق التحقيق إلى فحص دائرة معارفها وعلاقاتها، وعدم استبعاد أن يكون القاتل شخصًا كانت تعرفه.
كما لم تكشف التحاليل عن وجود مواد مخدرة في جسد المجني عليها، ما دعم فرضية أنها كانت في حالة وعي وقت وقوع الأحداث.
بلاغ تغيب يقود إلى هوية المجني عليها
بدأ رجال المباحث في مراجعة بلاغات التغيب المسجلة في الجيزة والمحافظات المجاورة، حتى ظهرت معلومة مهمة بشأن بلاغ مقدم في محافظة الفيوم عن اختفاء سيدة تدعى «سهير»، تبلغ من العمر 25 عامًا.
واستُدعيت والدة سهير إلى المشرحة للتعرف على الجثمان، ورغم عدم وجود الرأس، تمكنت الأم من التعرف على ابنتها من خلال جسدها، وتحديدًا من خلال علامة مميزة عبارة عن وحمة كبيرة على فخذها.
وبذلك بدأت خيوط القضية تتجمع، واتضح أن الجثمان الذي عُثر عليه في ترعة المريوطية يعود إلى سهير.
اختفاء الزوج والطفل يزيد غموض القضية
كشفت التحريات أن سهير كانت متزوجة ولديها طفل صغير، كما تبين أن زوجها، ويدعى «محمود»، كان قد اختفى قبلها بنحو 4 أشهر.
ولم يتوقف الأمر عند اختفاء الزوج، إذ بدأت الأجهزة الأمنية في البحث عن الطفل أيضًا، حتى ظهر بلاغ آخر في محافظة سوهاج يفيد بالعثور على جثمان طفل صغير داخل حقيبة تُركت في نهاية محطة للقطارات.
وبمجرد عرض صورة الطفل على والدة سهير، تمكنت من التعرف عليه من ملابسه وسنه، لتصبح القضية أمام اختفاء ثلاثة من أفراد أسرة واحدة في ظروف غامضة: محمود، وسهير، وطفلهما الصغير.
بداية العلاقة بين سهير ومحمود
أظهرت التحريات أن سهير تنحدر من محافظة الفيوم، وكانت قد تزوجت محمود، الذي كان يعمل حارسًا في أحد العقارات تحت الإنشاء بمحافظة الجيزة، وانتقلت للإقامة معه.
ومع مرور الوقت، بدأت الخلافات بين الزوجين بسبب الظروف المعيشية والإمكانيات المادية المحدودة، حتى انتهت الخلافات بالطلاق وعودة سهير إلى الفيوم.
لكن سهير لم تستطع التأقلم مع حياتها السابقة، وظلت تحاول العودة إلى زوجها، وبالفعل تمكنت من إقناعه بإعادتها إلى عصمته، وعادت مرة أخرى للإقامة معه في الجيزة.
علاقة سرية تقلب حياة الأسرة
بعد عودتها إلى الجيزة، دخل شخص آخر إلى حياة سهير، وهو «أحمد»، صاحب الأرض التي كان محمود يعمل بها.
وبحسب التحريات، بدأت العلاقة بين أحمد وسهير في صورة لقاءات متفرقة، قبل أن تتطور إلى علاقة عاطفية سرية، وأصبح أحمد ينفق عليها ويشتري لها بعض الأشياء.
ثم وقعت المفاجأة عندما أخبرت سهير أحمد بأنها حامل، وأبلغته بأن الطفل قد يكون ابنه، خاصة أنها لم تكن على علاقة بزوجها خلال الفترة التي حدث فيها الحمل.
كان الخبر صادمًا لأحمد، الذي لم يكن مستعدًا لتحمل مسؤولية طفل، في الوقت الذي بدأت فيه شكوك محمود تتزايد بشأن طبيعة العلاقة بين زوجته وأحمد.
استدراج الزوج إلى مكان الجريمة
مع تصاعد الخلافات والشكوك، بدأت سهير تخشى انكشاف علاقتها بأحمد، ووفقًا للتحريات، طلبت منه التخلص من زوجها.
ووضع الاثنان خطة لاستدراج محمود، حيث أقنعته سهير بالسفر معها في ساعة مبكرة من الصباح، بحجة زيارة خالها في البحيرة ومحاولة إنهاء الخلافات.
وفي نحو الرابعة فجرًا، تحركت سهير مع زوجها، وبعد نزولهما من وسيلة المواصلات وسيرهما بالقرب من إحدى الترع، ظهر أحمد في انتظارهما.
قتل محمود والتخلص من جثمانه
بمجرد وصولهما إلى المكان، اعتدى أحمد على محمود باستخدام سلاح حاد، ووجه إليه عدة طعنات حتى فارق الحياة.
ولإخفاء معالم الجريمة ومنع التعرف على الجثمان، أقدم أحمد وسهير على فصل رأس محمود عن جسده، ثم التخلص من أجزاء الجثمان في أماكن مختلفة.
وبعد ذلك عادت سهير بمفردها إلى منزل خالها، وروت أن مشاجرة نشبت بينها وبين زوجها أثناء الطريق، وأنه تركها وعاد إلى الجيزة، قبل أن تتكرر الرواية أمام أفراد أسرته.
أسرة محمود تشك في رواية سهير
لم تقتنع أسرة محمود بالرواية التي قدمتها سهير، خاصة مع وجود شكوك حول علاقتها بأحمد، وبدأت الأسرة تتحرك لمعرفة حقيقة اختفائه.
وفي الوقت نفسه، كانت سهير تخشى أن تنكشف تفاصيل الجريمة، فأخبرت أحمد بأنها ستعود إلى الفيوم للإقامة مع والدتها، وأنها ستتردد على الجيزة كل يوم خميس بحجة متابعة قضية اختفاء زوجها.
ومع مرور الوقت، بدأت حياة أحمد الشخصية تتدهور، إذ توفي ابنه في حادث سيارة، وانتهت حياته الزوجية بالطلاق، كما تأثر عمله، وبدأ أفراد أسرته يطالبونه بإنهاء علاقته بسهير.
أحمد يقرر التخلص من سهير
مع تصاعد الضغوط، بدأ أحمد يشعر بالخوف من سهير، خشية أن تكشف علاقتها به ودوره في قتل زوجها، أو تستخدم ما تعرفه عنه ضده.
وبحسب التحريات، قرر أحمد التخلص منها بالطريقة نفسها التي تخلص بها من زوجها.
وفي أحد أيام الخميس عام 1989، وصلت سهير من الفيوم إلى الجيزة، وتوجهت إلى منزل أحمد كعادتها.
قتل سهير وهي نائمة
دخلت سهير المنزل وألقت السلام على والدة أحمد وشقيقته، وتركت طفلتها معهما، ثم صعدت إلى الشقة برفقة أحمد.
وبعد حدوث علاقة بينهما، خلدت سهير إلى النوم، واستغل أحمد نومها، وأحضر سلاحًا حادًا واعتدى عليها بالطعن حتى فارقت الحياة.
ولإخفاء هويتها، أقدم على فصل رأسها عن جسدها، ووضع الرأس داخل حقيبة، بينما لف باقي الجثمان داخل بطانية.
وبمساعدة والدته وشقيقته، نُقل الجثمان داخل سيارة، ثم تخلص أحمد من الرأس في مكان آخر، قبل أن يلقي باقي الجثمان في ترعة المريوطية.
الطفل يصبح الضحية الثالثة
لم تتوقف الجريمة عند قتل سهير، إذ كان هناك طفلها الذي أصبح مصدر قلق بالنسبة إلى أحمد، خاصة مع شكوكه بشأن نسب الطفل وعدم رغبته في تحمل مسؤوليته.
ووفقًا للتحريات، طلب أحمد من والدته وشقيقته التخلص من الطفل، وبالفعل تم خنقه باستخدام وسادة، ثم وضع جثمانه داخل حقيبة، وتركها في إحدى محطات القطارات قبل الهرب.
وهكذا أصبح الطفل الضحية الثالثة في القضية، بعد والده محمود ووالدته سهير.
المتهم يحاول تضليل الشرطة
مع تكشف خيوط القضية، بدأت الشبهات تتجه نحو أحمد، الذي حاول نفي علاقته بالواقعة، وادعى أنه كان داخل أحد المستشفيات في اليوم الذي قُتلت فيه سهير.
وكان لدى أحمد بالفعل ما يثبت دخوله المستشفى يوم الأربعاء، إلا أن أحد العاملين معه أكد لرجال الأمن أنه شاهده صباح الخميس، كما التقاه في أحد المقاهي، حيث أعطاه أموالًا لاستكمال أعمال البناء.
تناقضات تكشف كذب رواية أحمد
عاد رجال الأمن إلى المستشفى للتحقق من أقوال أحمد، ليتبين أن دخوله المستشفى كان صحيحًا، لكنه غادر المكان ولم يتلق العلاج، ولم يظهر مرة أخرى داخل المستشفى حتى يوم الجمعة، موعد خروجه المسجل.
وبذلك أصبحت روايته محل شك، وحاصرته الشهادات والأدلة، قبل أن تتم مواجهته بالتناقضات التي ظهرت في أقواله.
وأمام ضغوط التحقيق، انهار أحمد واعترف بارتكاب الجريمة، وكشف تفاصيل قتل سهير، كما أقر بمشاركته في قتل محمود، ودور والدته وشقيقته في التخلص من الطفل.
النهاية.. إعدام المتهم والمؤبد لوالدته وشقيقته
أسفرت التحقيقات عن كشف تفاصيل الجريمة التي بدأت بعلاقة سرية، ثم تحولت إلى سلسلة من الجرائم انتهت بمقتل محمود وسهير وطفلهما الصغير، ومحاولة إخفاء الجثامين وطمس هوية الضحايا.
وفي نهاية القضية، صدر حكم بإعدام أحمد شنقًا، بينما عوقبت والدته وشقيقته بالسجن المؤبد، لتُسدل الستار على واحدة من الجرائم التي ظلت تفاصيلها تتكشف تدريجيًا بدءًا من بطانية ملطخة بالدماء على حافة ترعة المريوطية.


