الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٥ م

باكستان على صفيح ساخن.. مسيرة عمران خان تعيد الصدام بين الحكومة والمعارضة

أنصار عمران خان يزحفون نحو إسلام آباد.. هل تدخل باكستان أزمة سياسية جديدة؟

بدأ مئات من أنصار رئيس الوزراء الباكستاني السابق المسجون عمران خان، اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026، التحرك في مسيرة احتجاجية تستمر عدة أيام، بعد انهيار جولة مفاوضات بين الحكومة وحزب «حركة الإنصاف» بشأن مطالب المعارضة وخطط التظاهر.

وانطلقت المرحلة الأولى من المسيرة من لاكي ماروات في إقليم خيبر بختونخوا، المعقل السياسي الأبرز لحزب خان، بينما تستهدف التعبئة ممارسة ضغوط متزايدة على الحكومة الاتحادية وسط استعدادات أمنية واسعة في العاصمة إسلام آباد.

وتأتي التحركات للمطالبة بالإفراج عن عمران خان، المسجون منذ عام 2023 في عدد من القضايا، إلى جانب مطالب بنقله إلى المستشفى وتوسيع السماح لعائلته وقيادات حزبه بزيارته. ويؤكد خان وحزبه أن القضايا ذات دوافع سياسية، فيما ترفض الحكومة هذا الاتهام. 

كيف بدأت مسيرة أنصار عمران خان؟

أعلن رئيس وزراء خيبر بختونخوا سهيل أفريدي، وهو من أبرز حلفاء عمران خان، انطلاق المرحلة الأولى من التحرك من لاكي ماروات.

ويتقدم المشاركون عبر عدة مدن في الإقليم، على أن تنضم إليهم مجموعات جديدة خلال الطريق، بينما أعلن الحزب أن أنصاره سيتجمعون في خير آباد يوم 8 أكتوبر قبل تحديد المرحلة التالية من التحرك. 

وهنا توجد نقطة مهمة: تصف وكالة أسوشيتد برس التحرك بأنه مسيرة تمتد عدة أيام نحو إسلام آباد، في حين قالت تقارير باكستانية محلية إن المرحلة الأولى المعلنة رسميًا تتحرك حاليًا داخل خيبر بختونخوا، وإن القرار النهائي بشأن التقدم نحو العاصمة سيُعلن لاحقًا.

لماذا فشلت المفاوضات بين الحكومة والمعارضة؟

جاءت المسيرة بعد أول حوار رسمي واسع بين الحكومة وحزب عمران خان منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.

وبدأت المحادثات في مكتب رئيس الجمعية الوطنية، وكان حزب «حركة الإنصاف» يطالب، من بين أمور أخرى، بنقل عمران خان إلى المستشفى وتسهيل اللقاءات معه، بينما أرادت الحكومة إلغاء أو تأجيل المسيرة. وتقول الحكومة إن المفاوضات انهارت بسبب خلاف يتعلق بتعاون حكومة خيبر بختونخوا في ملف مكافحة الإرهاب. وقال مستشار رئيس الوزراء رانا ثناء الله إن غالبية النقاط كانت قد اقتربت من التسوية، لكن هذا الملف ظل العقبة الأساسية.

أما حزب عمران خان فيرى أن مطالبه الأساسية تتعلق بحقوق زعيمه السياسية والقانونية والطبية، ويصر على أن التظاهر السلمي حق دستوري.

إسلام آباد تتحول إلى مدينة خلف الحواجز

استعدت السلطات منذ أيام لاحتمال وصول المحتجين إلى العاصمة، ونشرت حاويات شحن وحواجز لإغلاق طرق ومداخل رئيسية.

وتحول استخدام الحاويات إلى واحدة من أبرز صور الأزمة؛ إذ ذكرت رويترز أن عمليات الاستيلاء على شاحنات وحاويات لإغلاق الطرق أثرت حتى في حركة البضائع من ميناء كراتشي، وأدت إلى تراكم الشحنات وارتفاع تكاليف النقل. 

كما حذرت الحكومة صراحة من أنها لن تسمح للمسيرة بدخول إسلام آباد إذا استمرت في طريقها إلى العاصمة، مع تأكيدها استخدام القانون لمنع اضطرابات أو مواجهات. 

لماذا يمثل الوضع الصحي لعمران خان جزءًا من الأزمة؟

أصبح ملف صحة عمران خان خلال الشهور الماضية عنصرًا سياسيًا رئيسيًا في الخلاف بين الحكومة والمعارضة.

وطالب حزب «حركة الإنصاف» بنقله إلى مستشفى شفاء الدولي، فيما سبق للمحكمة العليا أن أصدرت أمرًا بنقله إلى المستشفى لإجراء فحوص، إلى جانب السماح بلقاءات أسبوعية مع أفراد من أسرته. لكن الحكومة تقدمت بطلب لمراجعة جانب من القرار.

وخضع خان في سبتمبر لفحوص داخل مستشفى حكومي، وقالت الحكومة إنه كان «لائقًا طبيًا» بعد الفحص، في حين استمر الحزب في المطالبة بفحوص وعلاج بمشاركة أطبائه وعائلته. 

وبالتالي لم تعد قضية العلاج مسألة طبية فقط، بل أصبحت جزءًا من اختبار الثقة بين السلطة وحزب خان.

عمران خان لا يزال في قلب السياسة الباكستانية

رغم وجوده في السجن منذ عام 2023، لا يزال عمران خان يمثل المنافس السياسي الرئيسي لحكومة رئيس الوزراء شهباز شريف، ويحافظ حزبه على قاعدة شعبية واسعة، خصوصًا في خيبر بختونخوا.

وأُطيح بخان من رئاسة الحكومة في تصويت بحجب الثقة عام 2022، ثم دخل في مواجهة سياسية وقضائية طويلة مع السلطات.

ويقول حزب «حركة الإنصاف» إن الانتخابات العامة لعام 2024 شهدت تلاعبًا حرم أنصاره من نتائجهم الحقيقية، وهي اتهامات ترفضها الحكومة والسلطات المعنية. 

 المسيرة أكبر من قضية الإفراج عن عمران خان

على السطح، يرفع المحتجون مطلبًا واضحًا هو الإفراج عن عمران خان وتحسين ظروف احتجازه وعلاجه.

لكن سياسيًا، تحمل المسيرة أبعادًا أوسع بكثير.

فحزب «حركة الإنصاف» يحاول إثبات أن وجود زعيمه في السجن لم ينه قدرته على التعبئة الشعبية، وأن خيبر بختونخوا ما زالت قاعدة يمكن استخدامها لممارسة ضغط سياسي مباشر على الحكومة الاتحادية.

وفي المقابل، تسعى حكومة شهباز شريف إلى منع وصول حشود ضخمة إلى قلب إسلام آباد؛ لأن نجاح المعارضة في فرض وجودها داخل العاصمة سيُقرأ سياسيًا باعتباره قدرة على تحدي سلطة الحكومة وليس مجرد احتجاج على قضية قضائية.

خيبر بختونخوا تجعل الأزمة أكثر حساسية

هناك فارق مهم بين هذه المسيرة وبين احتجاج حزبي تقليدي.

فالتحرك ينطلق من إقليم تحكمه حركة الإنصاف نفسها، ويقوده رئيس حكومة الإقليم سهيل أفريدي.

وهذا يضع حكومة إقليمية وحكومة اتحادية في مواجهة سياسية مباشرة؛ إذ تتهم إسلام آباد حكومة خيبر بختونخوا بعدم التعاون بالقدر المطلوب في ملف الإرهاب، بينما ترى قيادة الإقليم أن الحكومة الاتحادية تستخدم الملف الأمني للضغط سياسيًا على الحزب. 

وتزيد هذه النقطة حساسية الموقف لأن خيبر بختونخوا تواجه أصلًا تصاعدًا في نشاط الجماعات المسلحة وهجمات حركة طالبان الباكستانية.

لماذا لا تريد الحكومة وصول المسيرة إلى إسلام آباد؟

لدى الحكومة سببان متداخلان: أمني وسياسي.

أمنيًا، سبق أن شهدت احتجاجات مرتبطة بعمران خان أعمال عنف وصدامات، وتقول السلطات إنها تريد منع تكرار هذه السيناريوهات. 

وسياسيًا، فإن وصول أعداد كبيرة من المتظاهرين إلى العاصمة يمكن أن يحول مطلب الإفراج عن خان إلى أزمة حكم مفتوحة، خصوصًا إذا تحولت المسيرة إلى اعتصام طويل المدى.

ولذلك فإن الحاويات المنتشرة حول العاصمة ليست مجرد إجراء مروري؛ إنها تكشف حجم القلق الرسمي من أن تتحول المسيرة إلى أداة لفرض تفاوض جديد تحت ضغط الشارع.

فشل المفاوضات لا يعني انتهاء الحوار

رغم انهيار الجولة الأخيرة، تركت الحكومة الباب مفتوحًا أمام استئناف التفاوض.

وقال رانا ثناء الله إن الحكومة مستعدة للعودة إلى المحادثات إذا جرى التوصل إلى تفاهم بشأن التعاون في مكافحة الإرهاب

وهذا يعني أن المسيرة قد تعمل أيضًا كوسيلة لرفع سقف التفاوض أكثر من كونها تحركًا يهدف حتميًا للوصول إلى مواجهة مفتوحة.

وحركة الإنصاف بدورها كانت قد أشارت قبل فشل المحادثات إلى إمكانية تأجيل الاحتجاج إذا حدث تقدم ملموس، ما يوضح أن خيار التسوية لم يكن مستبعدًا من البداية. 

اختبار القوة الحقيقي يأتي في 8 أكتوبر

قد لا تكون الساعات الأولى للمسيرة هي المؤشر الأهم على اتجاه الأزمة.

فقيادة حركة الإنصاف أعلنت أن تجمعات من مختلف أنحاء خيبر بختونخوا ستلتقي في خير آباد في 8 أكتوبر، وهناك ستعلن الخطوة التالية. ومن ثم سيكون هذا الموعد مهمًا لقياس ثلاثة أمور: حجم الحشد الذي استطاع الحزب تعبئته، موقف الحكومة من استمرار المسيرة، وما إذا كانت الاتصالات السياسية ستُستأنف قبل اتخاذ قرار التقدم إلى إسلام آباد.

هل تواجه باكستان أزمة سياسية جديدة؟

المشهد الحالي لا يعني بالضرورة أن البلاد تتجه إلى مواجهة حتمية، لكنه يكشف استمرار الأزمة السياسية التي بدأت قبل سنوات ولم تنجح الانتخابات أو المحاكمات أو المفاوضات حتى الآن في إنهائها.

فعمران خان داخل السجن، لكن حضوره السياسي لم يختفِ. وحكومة شهباز شريف تملك السلطة الاتحادية، بينما يملك حزب خان قاعدة تنظيمية قوية وحكومة إقليمية قادرة على الحشد.

وبين الطرفين تقف ملفات شديدة الحساسية: القضاء، الانتخابات، صحة عمران خان، مكافحة الإرهاب، وحدود حق المعارضة في التظاهر داخل العاصمة.

لذلك فإن أهمية المسيرة لا تكمن فقط في عدد المشاركين أو في ما إذا كانوا سيصلون إلى إسلام آباد، بل في السؤال الأكبر: هل تعيد الحكومة والمعارضة فتح باب التسوية السياسية، أم يتحول فشل الحوار إلى جولة جديدة من سياسة الشارع والحواجز والمواجهة؟

وحتى الآن، يبقى الاحتمالان قائمين، مع استمرار المسيرة وبقاء الحكومة متمسكة بمنع دخولها إلى العاصمة، في الوقت الذي لم يُغلق فيه باب المفاوضات بالكامل.

الكلمات المفتاحية: