ترامب: لا أحد يعرف من يدير إيران.. «المجموعة الثانية من قادتهم رحلت»
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الثلاثاء طرح سؤال أصبح حاضرًا بقوة منذ اندلاع الحرب مع إيران: من يدير إيران فعليًا؟
وقال ترامب إن أكبر مشكلة تواجهه في التعامل مع طهران هي أن الولايات المتحدة لا تعرف على وجه اليقين من يدير البلاد في الوقت الراهن.
وأضاف في تصريحات نقلتها رويترز: «المجموعة الثانية من قادتهم رحلت، وأكبر مشكلة أواجهها هي أن لا أحد يعرف من يدير البلاد».
وتأتي تصريحات ترامب بعد أشهر من الضربات التي أدت إلى مقتل عدد من أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية الإيرانية، وأعادت رسم مراكز القوة داخل الجمهورية الإسلامية.
ترامب: أكبر مشكلة هي معرفة من يحكم إيران
لم تكن تصريحات الثلاثاء المرة الأولى التي يتحدث فيها ترامب عن وجود غموض داخل القيادة الإيرانية.
فمنذ مارس الماضي، كرر الرئيس الأمريكي حديثه عن صعوبة تحديد الشخص أو الجهة التي تملك القرار النهائي في طهران، خصوصًا بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي وعدد من القيادات العسكرية والسياسية في الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
لكن تصريحات الثلاثاء جاءت بصيغة أكثر مباشرة، عندما قال إن «المجموعة الثانية» من القادة لم تعد موجودة، وإن عدم معرفة القيادة الفعلية لإيران يمثل بالنسبة إليه مشكلة أساسية.
ماذا يقصد ترامب بـ«المجموعة الثانية»؟
لم يقدم ترامب خلال تصريحه الجديد قائمة بأسماء الأشخاص الذين كان يشير إليهم.
إلا أنه سبق أن استخدم تعبيرات مشابهة في مارس، عندما تحدث عن استهداف مجموعات متعاقبة من المسؤولين الإيرانيين الذين اجتمعوا لإعادة تشكيل القيادة بعد مقتل شخصيات بارزة في بداية الحرب.
ولذلك فإن حديثه عن «المجموعة الثانية» يعكس توصيف الإدارة الأمريكية للخسائر التي تعرضت لها دوائر القيادة الإيرانية، وليس إعلانًا جديدًا بأسماء محددة.

من يدير إيران الآن؟
رغم تصريحات ترامب، فإن إيران لا تزال تمتلك هيكلًا رسميًا للدولة.
فقد تولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده علي خامنئي، فيما بقي مسعود بزشكيان رئيسًا للجمهورية.
لكن تقارير رويترز خلال الأشهر الماضية أشارت إلى أن الحرب غيرت بصورة كبيرة آلية اتخاذ القرار داخل النظام.
مجتبى خامنئي في قمة الهيكل الرسمي
من الناحية الرسمية، يقف مجتبى خامنئي على رأس النظام بصفته المرشد الأعلى.
لكن ظهوره العلني ظل محدودًا للغاية بعد تعرضه لإصابات خلال الحرب، ما أثار تساؤلات عن مدى قدرته على ممارسة الدور السياسي الواسع الذي كان والده يتمتع به.
وفي مارس، قال ترامب نفسه إن واشنطن لم تكن متأكدة حتى من الحالة الصحية للمرشد الجديد بسبب غيابه عن الظهور العلني.
الحرس الثوري يوسع نفوذه داخل إيران
تشير تقارير رويترز إلى أن الحرس الثوري الإيراني أصبح أحد أبرز مراكز صناعة القرار خلال الحرب.
فبعد مقتل عدد من كبار رجال الدين والقيادات السياسية والعسكرية، انتقل جزء كبير من القرارات المتعلقة بالحرب والأمن القومي إلى دائرة تضم قادة الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي الأعلى ومكتب المرشد.
وبحسب مصادر إيرانية تحدثت لرويترز في وقت سابق، فإن المرشد الجديد لا يمارس حتى الآن مستوى السلطة المنفردة نفسه الذي كان يتمتع به علي خامنئي، بينما أصبحت القرارات أكثر اعتمادًا على المؤسسات الأمنية والعسكرية
أحمد وحيدي ودور الحرس الثوري
من بين الشخصيات التي برز نفوذها خلال الحرب قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، إلى جانب عدد من القيادات الأمنية والسياسية التي تولت أدوارًا أكبر بعد سقوط مسؤولين بارزين.
ويعمل النظام الإيراني وفق شبكة واسعة من المؤسسات، ما مكنه من الاستمرار رغم الخسائر الكبيرة في قمة الهرم السياسي والعسكري
بزشكيان ما زال رئيسًا لإيران
إلى جانب المرشد ومؤسسات الحرس الثوري، يظل الرئيس مسعود بزشكيان أعلى مسؤول منتخب مباشرة في إيران.
لكنه لا يمتلك دستوريًا السلطات الواسعة التي يتمتع بها المرشد الأعلى، خصوصًا في قضايا الدفاع والسياسة الخارجية والبرنامج النووي.
ومع ذلك، لا يزال بزشكيان يلعب دورًا في المسار الدبلوماسي، وعاد مؤخرًا من نيويورك وسط محاولات لإعادة فتح قنوات التفاوض مع الولايات المتحدة.
ترامب وإيران.. السؤال يمتد إلى المفاوضات
أهمية معرفة من يملك القرار في طهران لا ترتبط فقط بإدارة الحرب.
فالولايات المتحدة وإيران تبادلتا خلال الأسابيع الأخيرة مقترحات عبر وسطاء قطريين تتعلق بوقف التصعيد ومضيق هرمز والعقوبات والبرنامج النووي.
لكن وجود مراكز نفوذ متعددة داخل القيادة الإيرانية يجعل الوصول إلى اتفاق أكثر تعقيدًا، بحسب تحليل سابق لرويترز.
فأي اتفاق محتمل يحتاج إلى موافقة دوائر تجمع بين القيادة الدينية والمؤسسات الأمنية والعسكرية والحكومة الإيرانية.
محاولات تفاوض وسط استمرار الحرب
رغم التصعيد العسكري، لم تتوقف الاتصالات غير المباشرة تمامًا.
تلعب قطر دور الوسيط بين واشنطن وطهران، فيما قدمت إيران خلال الفترة الماضية مقترحًا من عدة مراحل لخفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية.
لكن الطرفين لم يتوصلا إلى صيغة نهائية حتى الآن، واستمرت الخلافات حول ترتيب الخطوات ورفع العقوبات والملف النووي.
بزشكيان: المفاوضات مع أمريكا «بلا معنى»
تزامنت تصريحات ترامب مع تشدد في الخطاب الإيراني.
وذكرت رويترز أن الرئيس مسعود بزشكيان قال الاثنين إن التفاوض مع الولايات المتحدة أصبح «بلا معنى»، معتبرًا أن جولات التفاوض السابقة تبعتها هجمات جديدة.
وتعكس هذه التصريحات حجم انعدام الثقة بين الجانبين رغم استمرار قنوات الوساطة.
كيف تغيرت القيادة الإيرانية بعد اندلاع الحرب؟
دخلت إيران الحرب في فبراير 2026 بهيكل سياسي كان يعتمد بدرجة كبيرة على المرشد علي خامنئي باعتباره صاحب الكلمة الأخيرة في الملفات الكبرى.
لكن مقتله في بداية الحرب أحدث فراغًا لم يكن من السهل ملؤه بسرعة.
ثم تعرض عدد من أبرز قادة الحرس الثوري وكبار المسؤولين السياسيين للقتل، من بينهم شخصيات كانت تلعب أدوارًا رئيسية في التنسيق بين المؤسسات المختلفة.
النظام استمر رغم خسارة قياداته
ورغم ذلك، لم تنهَر مؤسسات الجمهورية الإسلامية.
فهيكل الحكم الإيراني يعتمد على مؤسسات متعددة ومتداخلة تشمل المرشد والرئاسة والحرس الثوري والبرلمان والقضاء ومجلس صيانة الدستور ومجلس الأمن القومي الأعلى.
وهو ما سمح باستمرار إدارة الدولة والعمليات العسكرية رغم الضربات التي تعرضت لها القيادة العليا.
هل لا يعرف أحد فعلًا من يحكم إيران؟
تصريح ترامب يعكس موقفه السياسي وتقييمه للوضع، لكنه لا يعني أن إيران بلا حكومة أو بلا مؤسسات قيادة.
فالبلاد لديها مرشد أعلى ورئيس وحكومة وبرلمان ومؤسسات أمنية وعسكرية تعمل بصورة مستمرة.
الأكثر دقة هو أن توزيع القوة داخل النظام تغير بصورة كبيرة، وأن سلطة اتخاذ القرارات الاستراتيجية باتت أكثر تعقيدًا مقارنة بفترة علي خامنئي.
ولهذا يفرق المحللون بين القيادة الرسمية وبين السؤال الأكثر صعوبة: من يمتلك الكلمة الحاسمة في القرارات المتعلقة بالحرب والسلام والتفاوض؟
ترامب يعيد فتح سؤال «من يحكم إيران؟»
بهذه التصريحات، أعاد ترامب قضية القيادة الإيرانية إلى واجهة الصراع بين واشنطن وطهران.
فالمشكلة بالنسبة للولايات المتحدة لا تتعلق فقط بالقوة العسكرية الإيرانية، وإنما أيضًا بتحديد الجهة التي يمكنها التفاوض واتخاذ قرار ملزم لبقية مؤسسات النظام.
وفي المقابل، تظهر التطورات داخل إيران أن الجمهورية الإسلامية انتقلت من نموذج تتركز فيه السلطة بصورة واضحة لدى مرشد واحد إلى هيكل أكثر جماعية يعتمد بدرجة أكبر على الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي ومؤسسات النظام الأخرى.
ويبقى السؤال الذي طرحه ترامب ـ «من يدير إيران؟» ـ أحد المفاتيح لفهم المرحلة المقبلة من الحرب، وأي محاولة جديدة للتوصل إلى تسوية بين طهران وواشنطن.







