إسرائيل بين تعدد الجبهات وخطاب التهديد.. هل تدفع المنطقة إلى حرب بلا نهاية
تعيش المنطقة حالة من الحروب والفوضي الغير منطقية واسرائيل دائما طرف في القتل والدم ولم يعد السؤال المطروح في المنطقة يتعلق بجبهة واحدة أو حرب محددة، بل بنمط سياسي وعسكري بات يتكرر من غزة إلى لبنان، ومن إيران إلى سوريا، وصولًا إلى أحاديث وتقارير بشأن العراق، ثم تصريحات تمس مصر وسيناء.ومع كل جولة جديدة، يظهر داخل المشهد الإسرائيلي تيار سياسي يعتبر القوة العسكرية وسيلة شبه دائمة لإدارة العلاقة مع المحيط، لا مجرد أداة استثنائية عندما تفشل السياسة.
ومن هنا يبرز السؤال الصادم الذي يمكن طرحه في هذا المقال- هل أصبحت إسرائيل، في ظل صعود تياراتها الأكثر تطرفًا، أشبه بـ«دراكولا المنطقة»؛ كيانًا لا يشعر بالأمان إلا وسط الحروب والدماء؟ أم أن سياسة توسيع ساحات المواجهة قد تنتهي إلى استنزاف إسرائيل نفسها وإدخالها في صراع مفتوح لا تعرف كيف تخرج منه؟
السؤال ليس نبوءة بنهاية دولة، بل قراءة سياسية لنهج أصبحت كلفته تتجاوز حدود أي جبهة منفردة.
سموتريتش وسيناء.. عندما يصبح التهديد لدولة سلام خطابًا انتخابيًا
آخر الأمثلة جاء على لسان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي قال في مقابلة مصورة إنه إذا هاجمت مصر إسرائيل «فلن تكون هناك سيناء، على الأقل».
التصريح لم يصدر عن ناشط هامشي، وإنما عن وزير في الحكومة الإسرائيلية، وجاء بينما تربط مصر وإسرائيل معاهدة سلام منذ 1979. وقد نُقل التصريح في أكثر من وسيلة إعلامية في 5 أكتوبر.
خطورة العبارة لا تكمن فقط في احتمال حدوث السيناريو الذي يتحدث عنه سموتريتش، وهو افتراض لا توجد مؤشرات رسمية على أنه مطروح أصلًا بين القاهرة وتل أبيب، وإنما في سهولة انتقال خطاب تدمير أراضي دولة مجاورة إلى المجال السياسي العلني..فضلا علي ان مصر كقوة عسكرية لها وزنها عالميا لا يجب ان يكون الحديث عنها بهذا الشكل من مسئول غير مسئول !!
فعندما يصبح التهديد بمحو جزء من أراضي دولة مرتبطة بإسرائيل بمعاهدة سلام مادة سياسية قابلة للتداول، يصبح السؤال مشروعًا: أين تنتهي لغة الردع وأين يبدأ التهديد الذي يضاعف التوتر دون ضرورة؟
منطق «كل جبهة يمكن أن تصبح حربًا»
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد إسرائيل تتعامل مع أمنها من خلال جبهة واحدة.
فهي تواصل عملياتها في غزة، وقد شهد القطاع تصعيدًا جديدًا في الضربات خلال 2026، بينما لا تزال أجزاء واسعة منه تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية وتستمر الخلافات حول وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار.
وفي لبنان استمرت المواجهة مع حزب الله رغم محاولات تثبيت ترتيبات تهدئة، بينما تحولت إيران نفسها إلى ساحة مواجهة مباشرة خلال الحرب التي اندلعت في 2026.

ابادة جماعية في غزة
وفي الوقت نفسه ظهرت تقارير عن نشاط إسرائيلي يتعلق بجماعات إيرانية معارضة على الحدود العراقية الإيرانية، وعن استعدادات مرتبطة بمواجهة شبكات مرتبطة بطهران في العراق. بعض هذه المعلومات منسوب إلى مصادر ولا يمثل قرارات إسرائيلية معلنة، ولذلك يجب التفريق بين التخطيط والعمليات المؤكدة وبين السيناريوهات المسربة.
لكن الصورة العامة تبقى واضحة: المجال الأمني الإسرائيلي أصبح يمتد عبر مساحة جغرافية أكبر بكثير مما كان عليه قبل سنوات.
هل تحولت «الضربة الوقائية» إلى فلسفة حكم؟
منطق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يقوم في جزء منه على منع الخصوم من بناء قدرات تعتبرها تل أبيب تهديدًا مستقبليًا.
هذه ليست فكرة جديدة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.
الجديد هو اتساع مساحة تطبيقها.
فعندما تعتبر دولة أن عليها ضرب خصم في غزة، وملاحقة جماعة في لبنان، واستهداف قدرات داخل إيران، ومنع نقل أسلحة عبر سوريا، ومراقبة الفصائل في العراق، ثم يظهر وزير يهدد سيناء في سيناريو افتراضي، يصبح الأمر أكبر من سلسلة عمليات منفصلة.
إنه يقترب من نموذج إدارة أمن يقوم على التدخل المستمر خارج الحدود.
ومشكلة هذا النموذج أنه قد ينتج تهديدات جديدة بقدر ما يدمر تهديدات قديمة.
«دراكولا المنطقة».. استعارة سياسية أم مبالغة؟
وصف إسرائيل بـ«دراكولا المنطقة» تعبير رأي ليس بشديد القسوة، وليس وصفًا مبالغ فية لكل متابع لنشاط دولة الاحتلال حروب دائمة يمينا ويسارا
المشهد أصبح يتكرر بطريقة واحدة: حرب تنتهي أو تهدأ، ثم تبدأ جبهة أخرى، بينما تتراكم أعداد القتلى والنازحين والدمار الاقتصادي في أكثر من بلد.
وقد وثقت تقارير دولية حجم الدمار والنزوح في غزة، كما أدت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران والتصعيد في البحر الأحمر إلى اضطرابات واسعة في الطاقة والملاحة وأسعار الشحن
في المقابل، تقول الحكومة الإسرائيلية ومؤيدوها إن هذه العمليات دفاعية، وإنها جاءت في مواجهة هجمات من حماس وحزب الله وإيران وحلفائها، وإن الامتناع عن الرد سيؤدي في نظرهم إلى تهديد أكبر.
إذن الخلاف الحقيقي ليس حول وجود تهديدات لإسرائيل من عدمه؛ فهذه التهديدات موثقة.
الخلاف هو: هل الطريقة الإسرائيلية الحالية تقلل الخطر على المدى الطويل، أم توسع دائرة الأعداء والحروب؟
الردع الذي يحتاج إلى حرب جديدة كل مرة
هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
الردع في مفهومه التقليدي يفترض أن تجعل خصمك يتجنب الحرب.
لكن إذا احتاج الحفاظ على الردع إلى ضربة جديدة كل عدة أشهر، وجبهة جديدة كلما هدأت ساحة سابقة، فمن المشروع التساؤل عما إذا كان ذلك ردعًا مستقرًا أصلًا.
فالردع الناجح يفترض في النهاية إنتاج فترة طويلة من الاستقرار النسبي.
أما الدخول في سلسلة لا تنتهي من العمليات، فقد يتحول إلى إدارة دائمة للحرب بدل منعها.
هل القوة العسكرية صنعت لإسرائيل بيئة أكثر أمنًا؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بصورة بسيطة.
إسرائيل أضعفت بالفعل عددًا من خصومها عسكريًا؛ وتقارير دولية تحدثت عن تراجع قدرات بعض الجماعات المرتبطة بإيران بعد سلسلة ضربات أمريكية وإسرائيلية.
لكن المنطقة في الوقت نفسه أصبحت أكثر اتساعًا من حيث ساحات الاشتباك.
مضيق هرمز تعرض لضغوط، والبحر الأحمر أصبح ساحة قتال، واليمن عاد إلى حرب واسعة، وإيران والولايات المتحدة دخلتا مواجهة مباشرة، فيما ظلت غزة ولبنان جزءًا من الأزمة الإقليمية.
وبالتالي فإن تحقيق مكاسب عسكرية تكتيكية لا يعني تلقائيًا إنتاج بيئة استراتيجية مستقرة.
عندما يتحول السياسي إلى جنرال أمام الكاميرا
الخطر الآخر يتعلق باللغة السياسية نفسها.
السياسي الذي يتحدث عن تدمير منطقة كاملة لا يوجه خطابه فقط إلى الخصوم.
هو يوجهه كذلك إلى جمهوره الداخلي.
وهنا تصبح المزايدة في استخدام القوة أداة انتخابية.
كل سياسي يحتاج أن يظهر أكثر تشددًا من منافسه.
وكل جبهة تصبح فرصة لإثبات أن صاحب التصريح «أقوى».
هذه البيئة قد تخلق مشكلة كبيرة لأي دولة، لأن القرارات الأمنية تصبح أسيرة للمزايدات السياسية بدل الحساب البارد للكلفة والعائد.
وتزداد أهمية ذلك في إسرائيل خلال موسم انتخابي يشهد انقسامًا داخليًا حادًا حول مسؤولية القيادة عن إخفاقات 7 أكتوبر ومستقبل الحكومة. وتظهر تقارير رويترز أن حتى عائلات تضررت مباشرة من هجوم 2023 دخلت السباق السياسي من مواقع مختلفة بين مؤيدين لنتنياهو ومعارضين له.
مصر ليست إيران ولا غزة
تصريحات سموتريتش عن سيناء تحمل حساسية مختلفة.
فمصر ليست طرفًا في حرب مع إسرائيل.
هناك معاهدة سلام، وعلاقات أمنية ودبلوماسية قائمة منذ عقود.
كما أن واشنطن نفسها تعتبر مصر عنصرًا أساسيًا في أمن المنطقة؛ بل قررت مؤخرًا تجاوز بعض الشروط المرتبطة بمساعدات عسكرية لمصر مستندة إلى اعتبارات الأمن القومي الأمريكي ودور القاهرة الإقليمي.
لذلك فإن إدخال سيناء في خطاب التهديد لا يبدو مجرد رسالة عسكرية.
إنه يفتح أسئلة عن الحدود التي وصل إليها خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف الباحث عن الدماء في كل مكان.
هناك فرق بين الردع وإهانة دول الجوار
الدول تبني ردعها من خلال القدرات العسكرية والتحالفات والرسائل الاستراتيجية.
لكن التهديد العلني بإزالة أراضي دولة أخرى يمكن أن ينتج أثرًا معاكسًا.
بدل أن يطمئن الجار إلى أن السلام يضمن له الأمن، قد يبدأ في التفكير بأن السلام نفسه لا يمنعه من أن يصبح هدفًا للتهديد.
وهذه إحدى أخطر نتائج الخطابات المتطرفة التي يعيشها نتطرفي دولة الاحتلال .
لأنها لا تدمر الثقة بين الخصوم فقط، بل يمكن أن تضعف الثقة حتى بين دول ترتبط باتفاقيات سلام.
هل تريد إسرائيل حقًا السلام مع محيطها؟
هذا سؤال سياسي أكثر منه عسكريًا.
إسرائيل تقول إنها تريد الأمن والتطبيع والاعتراف الإقليمي.
لكن تحقيق ذلك يتطلب أن يقتنع الجيران بأن علاقتهم معها يمكن أن تقوم على المصالح المشتركة، وليس فقط على ميزان الخوف والقصف والدماء.
وهنا يصبح التناقض واضحًا:
من الصعب أن تطلب من المنطقة القبول بك دولة طبيعية، بينما يتحدث مسؤولون في حكومتك بلغة محو الأراضي وإعادة رسم الخرائط.
كما أن الخلافات مع دول غربية بدأت تظهر في ملفات الاستيطان وغزة؛ فقد فرضت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات مرتبطة بالمستوطنات، واندلع خلاف دبلوماسي بين لندن وتل أبيب وصل إلى تهديد إسرائيلي بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية.
القوة قد تنتصر في معركة.. لكنها لا تكتب وحدها مستقبل الدول
التاريخ مليء بدول امتلكت تفوقًا عسكريًا هائلًا لكنها فشلت في تحويل هذا التفوق إلى استقرار دائم.
السلاح يستطيع تدمير منشأة.
يمكنه قتل قائد.
ويمكنه احتلال أرض.
لكنه لا يستطيع وحده أن ينتج قبولًا سياسيًا أو شرعية أو سلامًا طويل الأمد.
ولهذا فإن السؤال بالنسبة لإسرائيل ليس فقط: هل تستطيع ضرب إيران أو حزب الله أو غزة أو أي قوة أخرى؟
السؤال الأهم هو: ماذا يحدث بعد الضربة؟
وما شكل المنطقة التي ستعيش إسرائيل داخلها بعد عشر سنوات من الحروب المتواصلة؟
الخطر الأكبر قد يكون الاعتياد على الحرب
الحرب الاستثنائية يمكن للمجتمع تحملها لفترة.
أما الحرب التي تتحول إلى حالة طبيعية فهي شيء آخر.
لها كلفة اقتصادية.
وكلفة بشرية.
وكلفة نفسية.
وكلفة دبلوماسية.
والأخطر أنها تغير طريقة اتخاذ القرار داخل الدولة؛ إذ يصبح الحل العسكري هو الاحتمال الأول بدل أن يكون الأخير.
وهنا يكمن أحد المخاطر الحقيقية التي تواجه إسرائيل نفسها.
هل تبحث إسرائيل عن كتابة الفصل الأخير في وجودها؟
يمكن طرح السؤال بصورة صادمة في مقال رأي، لكن الإجابة لا ينبغي أن تتحول إلى نبوءة.
لا توجد معطيات تسمح بالقول إن إسرائيل تقف أمام «نهايتها» أو تحديد مستقبل وجودها بهذه البساطة.
لكن يمكن طرح سؤال أكثر جدية:
هل تؤدي سياسات الحرب المفتوحة وخطابات التهديد والتوسع المستمر في عدد الجبهات إلى استنزاف إسرائيل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وإلى زيادة عزلتها وخلق خصوم جدد؟
هذا هو الخطر القابل للتحليل.
فالدولة قد تربح المعارك وتخسر البيئة التي تعيش فيها.
وقد تتمكن من فرض تفوقها العسكري بينما تجد نفسها محاطة بمزيد من الخوف والكراهية والتسلح.
متطرفو إسرائيل قد يصبحون أخطر على مشروعهم من أعدائه
المفارقة الكبرى أن أخطر ما يمكن أن يفعله التيار المتطرف ليس بالضرورة خسارة حرب.
ربما يكون إقناع الإسرائيليين بأن القوة وحدها قادرة على حل كل شيء.
لأن الدولة التي لا ترى حولها إلا أهدافًا عسكرية ستجد في النهاية أنها تعيش في ساحة حرب دائمة.
وحين تصبح غزة ولبنان وإيران وسوريا والعراق واليمن، ثم حتى سيناء في خطاب أحد الوزراء، أجزاء من خريطة تهديد واحدة، فإن المشكلة لا تعود في عدد الأعداء فقط.
المشكلة تصبح في الفكرة التي ترى أن كل أزمة تحتاج إلى قنبلة وكل خلاف يحتاج إلى تهديد.
وهنا يعود السؤال من جديد
هل تحولت إسرائيل، بفعل هذا التيار، إلى «دراكولا المنطقة» الذي لا يعيش إلا وسط الدماء؟
أم أن الصورة الأدق هي أن اليمين المتطرف الإسرائيلي قد يدفع بلاده والمنطقة معًا إلى دائرة حروب يصبح الخروج منها أصعب مع كل جولة؟
الأحداث لا تمنح إجابة نهائية بعد.
لكنها تؤكد شيئًا واحدًا: كلما اتسعت الجبهات وارتفع سقف التهديدات، أصبح الفارق أقل وضوحًا بين سياسة تريد حماية دولة وسياسة قد تنتهي إلى استنزاف الدولة التي تزعم أنها تحميها.







